الخزان العائم "يمن" تحت المجهر.. تحركات بحرية تثير الشبهات حول شبكة إمداد حوثية
السبت 22/أغسطس/2026 - 11:25 ص
طباعة
فاطمة عبدالغني
في واحدة من أكثر النقاط حساسية على الساحل الغربي لليمن، تتجه الأنظار إلى الخزان العائم "يمن" قبالة رأس عيسى بمحافظة الحديدة، بعد أن كشفت بيانات وصور تتبع بحري عن تحركات وصفت بغير الاعتيادية لسفن وناقلات وزوارق صغيرة في محيطه، وسط مؤشرات تفتح الباب أمام تساؤلات حول تحول الموقع إلى نقطة بحرية تستخدم في عمليات النقل والمناولة بعيدًا عن الموانئ الرسمية.
وتأتي هذه المعطيات في وقت تواجه فيه جماعة الحوثي ضغوطًا متزايدة بسبب شبكات الشحن والإمداد المرتبطة بها، بالتزامن مع تشديد العقوبات الأمريكية على كيانات وسفن يُشتبه في ارتباطها بأسطول الظل الإيراني، الأمر الذي يضيف أهمية أمنية إلى النشاط المرصود قبالة رأس عيسى.
وبحسب تقرير لوحدة الأمن البحري التابعة لـ(PTOC Yemen)، حمل عنوان "محطة التهريب العائمة قبالة رأس عيسى"، فقد جرى تحليل صور وبيانات تتبع ملاحي امتدت من يوليو 2023 حتى أغسطس 2026، وأظهرت نمطًا متكررًا لحركة سفن وناقلات حول الخزان العائم "يمن"، بالتزامن مع وجود زوارق بحرية صغيرة.
تحركات بحرية غير معتادة حول الخزان "يمن"
أظهر الرصد البحري اقتراب سفن من الخزان "يمن" ومكوثها لفترات متفاوتة ومناورتها في محيطه، وهي تحركات لا تبدو، وفق التقرير، منسجمة بالكامل مع الأنشطة التجارية المعتادة في المنطقة.
وتكمن أهمية هذه التحركات في أن الخزان يقع قبالة رأس عيسى، في موقع استراتيجي على البحر الأحمر وقريب من خطوط الملاحة الدولية، ما يجعله نقطة بحرية يمكن استخدامها للربط بين سفن كبيرة ووحدات بحرية أصغر.
ومن أبرز الحالات التي وثقها التقرير ناقلة MEER GAS ، المدرجة على قائمة العقوبات الأمريكية منذ أبريل 2026، إذ أظهرت مطابقة بيانات التتبع الملاحي مع الصور تحركات للناقلة بين ميناء رأس عيسى ومحيط الخزان «يمن»، شملت الاقتراب والتوقف والمناورة.
كما رصد التقرير سفينة نفطية ضخمة مجهولة الهوية بقيت في محيط الخزان لفترات طويلة، مع توثيق واقعة سابقة لاقترابها من "يمن" وتنفيذ عملية مناولة مباشرة بالتزامن مع حركة زوارق صغيرة، وهو ما يعزز التساؤلات حول طبيعة النشاط الذي يجري في المنطقة.
"تكتيك القواعد العائمة" يثير مخاوف أمنية
ويفسر التقرير هذه التحركات في إطار ما يعرف بـ"تكتيك القواعد العائمة"، وهو نمط يعتمد على استخدام سفن ثابتة أو شبه ثابتة كنقاط ارتكاز لوجستية، تتصل بها ناقلات وسفن وزوارق صغيرة لإجراء عمليات نقل أو مناولة بعيدًا عن الموانئ التقليدية.
ويمنح هذا الأسلوب، نظريًا، قدرة أكبر على التحرك بعيدًا عن الرقابة المباشرة، خصوصًا عندما تتم عمليات النقل بين سفن مختلفة في البحر بدلًا من تنفيذها داخل منشآت مينائية خاضعة للتفتيش.
وتزداد المخاوف بشأن الخزان "يمن" بسبب تزامن هذا النشاط مع وجود سفن مرتبطة بالعقوبات الأمريكية، إضافة إلى طبيعة المنطقة القريبة من خطوط الملاحة الدولية، الأمر الذي يضع النشاط البحري حول رأس عيسى أمام مزيد من التدقيق.
وفي هذا السياق، تذهب بعض التغطيات إلى احتمال ارتباط هذه الشبكة بعمليات نقل شحنات غير تجارية لصالح جماعة الحوثي، بما في ذلك أسلحة وصواريخ إيرانية، إلا أن تحديد طبيعة الشحنات بصورة قاطعة يتطلب أدلة مستقلة تتجاوز بيانات الحركة البحرية وحدها.
من الخزان "يمن" إلى شبكات "أسطول الظل" الإيراني
تضع المعطيات الخاصة برأس عيسى الخزان العائم "يمن" ضمن صورة أوسع تتعلق بالشبكات البحرية التي تستخدمها إيران ووكلاؤها لتوفير مسارات بديلة للنقل والإمداد.
ويشير مصطلح "أسطول الظل" إلى شبكات من السفن وعمليات الشحن التي تعتمد على هياكل ملكية وتشغيل معقدة وأساليب مختلفة لإخفاء هوية الأطراف المرتبطة بها أو طبيعة النشاط الذي تقوم به، وهو ما يجعل تتبعها أكثر صعوبة.
وفي الحالة اليمنية، تكتسب هذه المسألة حساسية خاصة في ظل اتهامات متكررة بوجود قنوات بحرية لإمداد الحوثيين، في وقت تفرض فيه واشنطن عقوبات على شبكات وأفراد وكيانات مرتبطة بعمليات نقل أو تمويل يُعتقد أنها تخدم الجماعة.
كما أن الموقع الجغرافي لرأس عيسى يمنح أي شبكة بحرية تستخدم المنطقة أهمية إضافية، إذ يمكن للنقاط البحرية الوسيطة أن توفر مرونة في نقل الشحنات وإعادة توزيعها بعيدًا عن الموانئ الرسمية.
وتشير تقارير دولية وأممية سابقة أيضًا إلى وجود قنوات اتصال وتنسيق بين الحوثيين وحركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة في ملفات تشمل التهريب والأنشطة البحرية، وهي معطيات تضيف بُعدًا أمنيًا أوسع إلى ملف شبكات النقل غير الرسمية في البحر الأحمر وخليج عدن.
ويرى المراقبون أن ملف الخزان العائم "يمن" يعكس تطورًا في أساليب العمل البحري غير التقليدي، حيث يمكن استخدام نقاط ثابتة أو شبه ثابتة في البحر كبديل عن الموانئ الرسمية لتنفيذ عمليات يصعب رصدها بالوسائل التقليدية.
ويعتقد المراقبون أن تكرار حركة السفن والناقلات والزوارق حول رأس عيسى، إلى جانب ظهور سفن مرتبطة بالعقوبات، يستدعي تحقيقًا أوسع يجمع بين بيانات التتبع والصور الفضائية والمعلومات الاستخباراتية والأدلة الميدانية، للوصول إلى تحديد واضح لطبيعة الشحنات والجهات التي تقف وراء هذه الأنشطة.
وفي ظل استمرار التوتر في البحر الأحمر، فإن كشف حقيقة الدور الذي يؤديه الخزان "يمن" لن يمثل قضية محلية فحسب، بل قد يكون جزءًا من صورة أكبر تتعلق بطرق الإمداد البحرية التي تعتمد عليها شبكات مرتبطة بالحوثيين وإيران، ومدى قدرتها على التحرك بعيدًا عن الرقابة الدولية.
