من يافا إلى القدس... اعتداءات جديدة على الكنائس في إسرائيل

الإثنين 24/أغسطس/2026 - 10:56 ص
طباعة من يافا إلى القدس... روبير الفارس
 


لم تعد الاعتداءات التي تستهدف الكنائس والمواقع المسيحية في اسرائيل حوادث متفرقة يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد أعمال تخريب فردية؛ فخلال الأسابيع الأخيرة شهدت الساحة حادثتين متقاربتين، الأولى داخل كنيسة كاثوليكية في يافا، والثانية أمام دير القديس يعقوب للأرمن في البلدة القديمة بالقدس، لتعيد الوقائع المتكررة ملف أمن المسيحيين وأماكن عبادتهم إلى الواجهة.

كنيسة القديس أنطون في يافا..

حيث  أوقفت الشرطة الإسرائيلية شابًا في العشرينيات من عمره للاشتباه في تنفيذه أعمال تخريب داخل كنيسة القديس أنطون البادواني في يافا، التابعة للكنيسة الكاثوليكية.

وقالت الشرطة إن بلاغًا وصل إليها بشأن تعرض الكنيسة للتخريب، وعند وصول أفرادها عثروا على عدد من التماثيل محطمة على الأرض، إلى جانب صلبان مكسورة على المقاعد والأرضية. وتمكنت الشرطة، وفق روايتها، من تحديد هوية المشتبه به وإلقاء القبض عليه ونقله إلى التحقيق.
وتكتسب الواقعة أهمية خاصة لأنها لم تستهدف مبنى دينيًا من الخارج فقط، وإنما طالت رموزًا دينية داخل الكنيسة، وهو ما قد يضع القضية أمام أكثر من وصف قانوني، بحسب ما ستتوصل إليه التحقيقات والنيابة.

 دير القديس يعقوب 

وقبل ذلك بأيام، وتحديدًا ، شهد الحي الأرمني في البلدة القديمة بالقدس واقعة أخرى، إذ أعلنت الشرطة الإسرائيلية توقيف ستة أشخاص، بينهم خمسة قاصرين وبالغ واحد، للاشتباه في الاعتداء على مدخل دير وكاتدرائية القديس يعقوب للأرمن، من خلال إلقاء الحجارة والبصق على المدخل والطرق عليه. 
وبحسب الصحفي الأرمني في القدس كيغام باليان، لم يقتصر الاعتداء على الدير، إذ أُلقيت حجارة أيضًا باتجاه نافذة امرأة أرمنية كانت تقوم بتوثيق الواقعة، بينما تعرضت للشتائم والإهانات. 
وتأتي الواقعة في وقت تشهد فيه البلدة القديمة تصاعدًا في حوادث المضايقة التي تستهدف رجال الدين والرهبان والراهبات والمواقع والرموز المسيحية، من بينها البصق والشتائم والتهديدات وإلقاء القمامة أو الحجارة على الممتلكات الدينية. وقد وصفت تقارير حديثة الظاهرة بأنها أصبحت أكثر تكرارًا، خصوصًا في محيط الحي المسيحي والأرمني. (

 القوانين 

من الناحية القانونية، فإن الاعتداء على كنيسة أو موقع ديني لا يُعامل في إسرائيل باعتباره مجرد إتلاف ممتلكات عادية. فقانون حماية الأماكن المقدسة لعام 1967 ينص صراحة على حماية الأماكن المقدسة من التدنيس وأي انتهاك آخر، وكذلك حماية حرية وصول أتباع الديانات إليها ومشاعرهم تجاهها.

وتنص المادة الثانية من القانون على أن من "يدنس أو ينتهك مكانًا مقدسًا" يعاقب بالسجن لمدة تصل إلى سبع سنوات، فيما تصل العقوبة إلى خمس سنوات لمن يقوم بفعل من شأنه المساس بحرية وصول أتباع الديانات إلى أماكنهم المقدسة أو بمشاعرهم تجاهها. 
وهذا يعني أن الشاب الموقوف في قضية كنيسة القديس أنطون قد يواجه، من حيث المبدأ، عقوبة تصل إلى سبع سنوات إذا انتهت التحقيقات والنيابة إلى توجيه اتهام وفق قانون حماية الأماكن المقدسة وثبتت إدانته. لكن تحديد الاتهام النهائي والعقوبة الفعلية يتوقفان على الأدلة، وطبيعة الضرر، والدافع، والمواد القانونية التي ستستخدمها النيابة.
كما أن قانون العقوبات الإسرائيلي يتضمن أحكامًا مستقلة تتعلق بتخريب الممتلكات؛ فالإتلاف المتعمد وغير القانوني للممتلكات يعاقب عليه بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، بينما قد تصل العقوبة إلى أربع سنوات عندما يتعلق الضرر بممتلكات ذات قيمة دينية أو تاريخية أو ثقافية أو فنية، ما لم ينطبق نص أشد. 
ويضاف إلى ذلك نص آخر في قانون العقوبات يجرّم تدمير أو إتلاف أو تدنيس مكان عبادة أو شيء مقدس بقصد الإساءة إلى الدين، بعقوبة تصل إلى ثلاث سنوات. 
وبالتالي، فإن الوصف القانوني النهائي لقضية يافا قد يتضمن قانون حماية الأماكن المقدسة، أو قانون العقوبات، أو أكثر من نص قانوني بحسب ما تثبته التحقيقات بشأن القصد والدافع وحجم الأضرار.
أما في قضية دير القديس يعقوب، فالوضع مختلف بالنسبة إلى القاصرين. فالقانون الإسرائيلي يعتبر المسؤولية الجنائية للقاصرين قائمة من سن 12 إلى أقل من 18 عامًا، بينما لا يتحمل من هم دون 12 عامًا مسؤولية جنائية. كما أن محاكم الأحداث تراعي عمر القاصر وظروفه عند تحديد العقوبة، ولا يجوز فرض عقوبة السجن على من لم يبلغ 14 عامًا عند صدور الحكم، مع وجود استثناءات محددة مرتبطة بجرائم الإرهاب لا تنطبق تلقائيًا على واقعة الاعتداء على الكنيسة. 
ومن ثم، فإن القاصرَين أو القاصرين المتهمين في واقعة دير القديس يعقوب لا يواجهون بالضرورة العقوبة نفسها التي قد يواجهها شخص بالغ، حتى إذا ثبتت إدانتهم، وإنما تنظر محكمة الأحداث في أعمارهم وظروف الواقعة ودرجة مسؤوليتهم والبدائل العلاجية والتأهيلية والعقوبات التي يسمح بها قانون الأحداث.

 سلسلة من الاعتداءات 

الوقائع الأخيرة لا تأتي في فراغ. فقد سجلت القدس خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الاعتداءات التي استهدفت رجال دين وممتلكات ومقابر ومؤسسات مسيحية.

وفي يناير 2023، اعتقلت الشرطة الإسرائيلية شابين، أحدهما في الثامنة عشرة والآخر في الرابعة عشرة، بعد تخريب أكثر من عشرين قبرًا في المقبرة البروتستانتية التاريخية على جبل صهيون. وأظهرت كاميرات المراقبة قيام المعتدين بإسقاط صلبان وتحطيم شواهد القبور وإلقاء الحجارة والمخلفات فوق القبور. 

وفي أبريل 2026، تعرضت راهبة فرنسية تعمل باحثة في المدرسة الفرنسية للكتاب المقدس والآثار في القدس لاعتداء جسدي قرب جبل صهيون، بعدما دفعها رجل أرضًا وركلها، وأوقفت الشرطة مشتبهًا به يبلغ 36 عامًا. وأثارت الواقعة إدانات واسعة، في ظل تحذيرات من تصاعد الاعتداءات ضد رجال الدين والمسيحيين في المدينة. 

كما وثقت تقارير أخرى خلال 2026 حوادث بصق وشتائم وتشويه ممتلكات واعتداءات على رجال دين ومؤسسات مسيحية، فيما سجل مركز روسينغ للتربية والحوار 52 اعتداءً على ممتلكات كنسية في القدس خلال عام 2025، شملت البصق على الكنائس، والكتابات المسيئة، والتعدي على الممتلكات، وإتلاف التماثيل، وإشعال الحرائق، وإلقاء القمامة والحجارة. كما سجل 28 حادثة من المضايقات اللفظية و14 واقعة لتشويه لافتات عامة تحمل رموزًا أو مضامين مسيحية. 

وبحسب تقرير للمركز عن عام 2024، تم توثيق 111 حادثة عنف أو مضايقة ضد المسيحيين في إسرائيل والقدس الشرقية، بينها 35 واقعة تضمنت تخريب الكنائس والأديرة واللافتات الدينية العامة. 

ومن أكثر الأشكال تكرارًا في القدس البصق على رجال الدين والمسيحيين، والشتائم، وإلقاء الحجارة والقمامة على الأديرة والكنائس، إلى جانب الاعتداء على الرموز المسيحية. وتشير تقارير حديثة إلى أن معظم هذه الوقائع تتركز في البلدة القديمة ومحيطها. 

بين القانون والتطبيق

المفارقة اللافتة أن الإطار القانوني الإسرائيلي يضع عقوبات مشددة نسبيًا على تدنيس الأماكن المقدسة، تصل إلى سبع سنوات، إلا أن السؤال الذي تطرحه الكنائس والمجتمع المسيحي لا يتعلق فقط بنص القانون، وإنما بمدى تطبيقه بصورة فعالة ورادعة.
فوقائع السنوات الأخيرة تظهر أن الاعتقالات تحدث في عدد من الحالات، لكن الكنائس ومؤسسات مسيحية وحقوقية تقول إن المشكلة تكمن في استمرار الاعتداءات وتكرارها، وفي أن بعض القضايا لا تنتهي بعقوبات تتناسب، في نظرهم، مع خطورة استهداف الرموز والأماكن الدينية.

وهنا تبرز أهمية قضية كنيسة القديس أنطون في يافا وقضية دير القديس يعقوب في القدس؛ فاختبار السلطات الإسرائيلية لا يتمثل فقط في توقيف المشتبه بهم، وإنما في ما إذا كانت التحقيقات ستؤدي إلى لوائح اتهام وإدانات وعقوبات قادرة على ردع الاعتداءات المقبلة.
فالكنائس في القدس ليست مجرد مبانٍ تاريخية، بل جزء من هوية المدينة وتاريخها الديني والحضاري، وحمايتها ليست مسألة تخص المسيحيين وحدهم، وإنما تتصل بصورة القدس كمدينة يفترض أن تكون مفتوحة لأتباع الديانات الثلاث، وأن تكون أماكن العبادة فيها مصونة بالقانون وبالممارسة الفعلية.
ومع تكرار الاعتداءات، من البصق والشتائم إلى التخريب والاعتداء الجسدي وتدنيس المقابر، تتزايد المخاوف داخل الأوساط المسيحية من تحول هذه الوقائع من حوادث فردية إلى مناخ مستمر من الترهيب والعداء، وهو ما يجعل تطبيق القانون، وليس مجرد وجوده على الورق، القضية الأكثر إلحاحًا في حماية الوجود المسيحي في القدس.

شارك