المسيحيون المغاربة يفتحون ملف حرية المعتقد أمام الانتخابات..

الثلاثاء 25/أغسطس/2026 - 11:21 ص
طباعة المسيحيون المغاربة روبيرالفارس
 



قبل أسابيع من الانتخابات التشريعية المغربية المقرر إجراؤها في 23 سبتمبر 2026، عاد ملف حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي في المغرب، من خلال مذكرة مطلبية وجهتها تنسيقية المسيحيين المغاربة إلى الأحزاب السياسية، مطالبة بإدراج هذا الملف ضمن برامجها الانتخابية والتزاماتها التشريعية المقبلة.

وتكتسب المذكرة أهمية خاصة، ليس فقط لأنها تأتي في توقيت انتخابي حساس، وإنما لأنها تنقل مطالب المسيحيين المغاربة من نطاق المطالبة الحقوقية المحدودة إلى محاولة جعل حرية المعتقد قضية مطروحة على البرامج السياسية للأحزاب، وبالتالي على أجندة البرلمان والحكومة المقبلين.

وتؤكد التنسيقية أن مطالبها لا تستهدف الحصول على امتيازات خاصة أو إنشاء وضع قانوني استثنائي للمسيحيين، وإنما تنطلق من مبدأ المساواة في الكرامة والحقوق، وضمان حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية في إطار القانون. 

وتطالب المذكرة بمراجعة المقتضيات الدستورية ذات الصلة بحرية المعتقد وممارسة الشعائر، إلى جانب مراجعة المواد من 220 إلى 223 من القانون الجنائي، بما يحقق، بحسب التنسيقية، انسجامًا أكبر بين النصوص القانونية والضمانات الدستورية والالتزامات الدولية للمغرب.

كما تتجاوز المطالب الجانب النظري إلى قضايا يومية تمس حياة المواطنين المسيحيين المغاربة، من بينها الزواج وتوثيقه، وتسجيل وقائع الحالة المدنية، والدفن وإجراءات المقابر، والوثائق المرتبطة بالحالة الشخصية، إضافة إلى المطالبة بإطار قانوني وإداري واضح يسمح بممارسة الصلاة والشعائر بصورة سلمية وآمنة.

وتدعو التنسيقية كذلك إلى حماية المسيحيين المغاربة من التمييز والتحريض على الكراهية والتهديد والعنف والوصم الاجتماعي بسبب المعتقد، وإلى فتح حوار مؤسساتي منتظم مع ممثليهم وإشراكهم في النقاشات المتعلقة بالسياسات العامة. 

المفارقة الدستورية

تكمن إحدى أهم زوايا هذا الملف في وجود مسافة بين النص الدستوري وبعض الممارسات أو القيود القانونية التي يرى المطالبون أنها تحتاج إلى مراجعة.

فالفصل الثالث من الدستور المغربي ينص على أن الإسلام دين الدولة، وفي الوقت نفسه يقرر أن الدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية. كما يكفل الفصل 25 حرية الفكر والرأي والتعبير. 

ومن هنا تحاول تنسيقية المسيحيين المغاربة بناء مطالبها على قراءة تعتبر أن الاعتراف بالإسلام دينًا للدولة لا ينبغي أن يحول دون ضمان حقوق المواطنين المختلفين في المعتقد، وأن المواطنة ينبغي أن تكون الإطار الجامع للحقوق المدنية.

وهذا تحديدًا ما يجعل القضية أكثر تعقيدًا من مجرد السماح ببناء كنائس أو إقامة الصلوات؛ فالمطلوب المطروح يتعلق بمفهوم «حرية الضمير والمعتقد» وما يترتب عليه من حقوق مدنية وشخصية وإدارية.

ملف قديم وليس وليد الانتخابات

ورغم أن المذكرة الحالية جاءت في سياق الانتخابات التشريعية، فإن مطالب المسيحيين المغاربة ليست جديدة.
فقد بدأت تنسيقية المسيحيين المغاربة طرح مطالبها بصورة علنية منذ عام 2017، عندما تواصل ممثلوها مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ثم وجهوا مطالب إلى رئيس الحكومة في العام نفسه، شملت ممارسة الشعائر، والدفن وفق المعتقد، وتوثيق الزواج، والحقوق المدنية المرتبطة بالاختيار الديني. 

كما شهد عام 2025 محاولة لاستئناف النقاش مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو ما يشير إلى أن الملف لم يختفِ، وإنما انتقل خلال السنوات الماضية بين مراحل من الطرح الحقوقي والمطالبة بالحوار المؤسسي. 

وبالتالي، فإن المذكرة الحالية تبدو أقرب إلى مرحلة جديدة من إعادة تنظيم المطالب وإدخالها إلى المجال السياسي، مستفيدة من اقتراب الانتخابات التشريعية.

لماذا الآن؟

الانتخابات المغربية المقبلة تمثل فرصة سياسية للمسيحيين المغاربة لطرح سؤال مختلف: ماذا ستفعل الأحزاب إذا وصلت إلى البرلمان أو الحكومة تجاه ملف الحريات الدينية؟
فالحكومة المغربية حددت يوم 23 سبتمبر 2026 موعدًا لانتخاب أعضاء مجلس النواب، بينما تبدأ الحملة الانتخابية في 10 سبتمبر وتنتهي في 22 سبتمبر. 
ومن ثم فإن توقيت المذكرة ليس عابرًا؛ فالأحزاب مطالبة في هذه المرحلة بتقديم برامجها ورؤيتها بشأن الإصلاحات السياسية والحقوقية والتشريعية.
وتحاول التنسيقية، بهذا المعنى، تحويل ملف ظل لسنوات في إطار المطالب الحقوقية إلى «اختبار سياسي» للأحزاب: هل ستضع حرية المعتقد ضمن أجندة الإصلاح، أم ستبقى القضية خارج البرامج الانتخابية؟

شارك