عندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى سؤال الله والإنسان.. خريستو المر و تشكيل التكنولوجيا لاهوتيا

الثلاثاء 25/أغسطس/2026 - 11:24 ص
طباعة عندما يدخل الذكاء روبير الفارس
 
 

صدر حديثًا باللغة الإنجليزية عن دار Springer Nature كتاب «Shaping AI: Ethics, Society, and the Future of Technology»،  «تشكيل الذكاء الاصطناعي: الأخلاق والمجتمع ومستقبل التكنولوجيا»، من تحرير الدكتور خريستو المر، والدكتور أنوب جورج، والدكتور فيجاي ماغو، ليقدم مقاربة أكاديمية وفكرية تتجاوز النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد تقنية جديدة، وتضعه في قلب أسئلة الإنسان والمجتمع والأخلاق والعدالة.

يقع الكتاب في 322 صفحة، ويضم 22 فصلًا، ويجمع بين علوم الحاسوب والفلسفة والعلوم الاجتماعية والأخلاق ودراسات التكنولوجيا، مع اهتمام خاص بقضايا عدم المساواة والتمييز والكرامة الإنسانية والمسؤولية الاجتماعية. 

الذكاء الاصطناعي ليس آلة محايدة

ينطلق الكتاب من نقد فكرة شائعة في الخطاب المعاصر، مفادها أن التكنولوجيا محايدة، وأن الخوارزميات ليست سوى أدوات لرفع الكفاءة وتحسين الخدمات وتسريع عملية اتخاذ القرار.
لكن محرري الكتاب ومؤلفيه يقدمون رؤية مختلفة؛ فالذكاء الاصطناعي لا يعمل خارج المجتمع، وإنما يتشكل داخل منظومات القوة والاقتصاد والعمل والتاريخ. ولذلك يمكن للخوارزميات أن تعيد إنتاج أشكال قائمة من عدم المساواة، بل وأن تمنحها أحيانًا مظهرًا تقنيًا يصعب اكتشافه أو مساءلته.
ولا تتوقف المشكلة، بحسب الكتاب، عند وجود تحيز داخل خوارزمية معينة، وإنما تمتد إلى البنية الاجتماعية والسياسية التي تنتج البيانات، وتحدد ما الذي يستحق القياس، ومن يملك التكنولوجيا، ومن يستفيد منها، ومن يتحمل مخاطرها.
ومن هنا يعيد الكتاب صياغة السؤال التقليدي: بدلًا من الاكتفاء بالسؤال عن كيفية جعل الذكاء الاصطناعي أكثر كفاءة، يصبح السؤال الأهم: لصالح من يعمل هذا الذكاء؟ وأي نوع من المجتمعات تساعد التكنولوجيا على بنائه؟

من الخوارزمية إلى الإنسان

يتناول الكتاب التأثيرات الواقعية للذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة، من خوارزميات الرعاية الصحية والتحيز والتمييز في الأنظمة الذكية، إلى الفجوة المتعلقة ببيانات النساء في الذكاء الاصطناعي الطبي، وقضايا الإعاقة والعمل الرقمي والاستغلال الخوارزمي. 
ومن بين الفصول اللافتة فصل «البيانات والكرامة ونزع الصفة الإنسانية»، الذي يشارك في تأليفه خريستو المر، ويناقش الكيفية التي يمكن أن تتحول بها البيانات، عندما تصبح الوسيلة الأساسية لفهم الإنسان وتصنيفه، إلى أداة تختزل الشخص في أرقام ومؤشرات وملفات رقمية.

وهنا يبرز سؤال إنساني وفلسفي عميق: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يرى الإنسان كما هو، أم أنه لا يرى إلا ما تسمح له البيانات بأن يراه؟
إنها واحدة من الأفكار المركزية في الكتاب: التكنولوجيا ينبغي أن تظل في خدمة الإنسان، لا أن يتحول الإنسان إلى مادة تخضع لمنطق الخوارزمية.

عندما تصبح الكرامة الإنسانية قضية تكنولوجية

تكتسب تجربة خريستو المر أهمية خاصة من خلفيته المتعددة التي تجمع بين المعلوماتية الصحية والبحث في قضايا العدالة، وبين اللاهوت والأدب.

فبحسب صفحة Springer الرسمية، يشغل المر منصب أستاذ المعلوماتية الصحية ومدير مركز البحوث النسوية في جامعة يورك بمدينة تورنتو، وهو كذلك لاهوتي وشاعر وروائي. 

ومن هذه الخلفية يمكن فهم اتساع نظرته إلى الذكاء الاصطناعي؛ فهو لا يتعامل معه باعتباره قضية هندسية أو اقتصادية فحسب، وإنما باعتباره قضية تمس صورة الإنسان ومكانته وكرامته.

فاللاهوت، في أحد أبعاده الأساسية، ينشغل بالسؤال عن الإنسان: ما قيمته؟ وما كرامته؟ وما حدود السلطة التي يمكن أن يمارسها إنسان على إنسان آخر؟

وعندما تنتقل هذه الأسئلة إلى عصر الخوارزميات، فإنها تكتسب أبعادًا جديدة. فإذا أصبحت التكنولوجيا قادرة على التأثير في قرارات تتعلق بالصحة والعمل والتعليم والحقوق والفرص، فإن السؤال الأخلاقي يصبح أكثر إلحاحًا: هل يجوز اختزال الإنسان إلى بيانات؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تؤدي خوارزمية إلى ظلم شخص أو تهميشه؟

من العدالة إلى التحرر

لا يكتفي الكتاب بالحديث عن «أخلاقيات الذكاء الاصطناعي» بالمعنى التقني الضيق، وإنما يربط التكنولوجيا بمفاهيم العدالة والتحرر وإعادة توزيع السلطة.

ومن بين فصوله فصل بعنوان «الذكاء الاصطناعي من خلال عدسات نقدية: إزالة الاستعمار من التكنولوجيا والنهوض بمستقبلات نسوية»، من تأليف خريستو المر، بينما يختتم الكتاب بفصل «تشكيل الذكاء الاصطناعي على نحو آخر: من النقد إلى المستقبلات الجماعية»، بمشاركة المر وأنوب جورج وفيجاي ماغو. 

وهذا الانتقال من النقد إلى «المستقبلات الجماعية» يعكس فلسفة الكتاب الأساسية؛ فالهدف ليس رفض التكنولوجيا، ولا العودة إلى عالم ما قبل الذكاء الاصطناعي، وإنما إعادة توجيهها بحيث تصبح جزءًا من مشروع اجتماعي أكثر عدلًا.

كما يفتح الكتاب نقاشًا حول الاستعمار التكنولوجي، والعمل والمنصات الرقمية، والإعاقة، والجندر، والرعاية الصحية، بما يضع الذكاء الاصطناعي داخل سياقات اجتماعية واقتصادية عالمية، ولا يحصره في منظور تقني غربي واحد. 

الرعاية بدلًا من السيطرة

من الأفكار المحورية التي يقترحها الكتاب بناء ذكاء اصطناعي يستند إلى الرعاية، والمشاركة الديمقراطية، والمسؤولية الجماعية، بحيث تخدم التكنولوجيا ازدهار الإنسان، بدلًا من أن تتحول إلى وسيلة للاستخراج والسيطرة. 
وتكتسب «الرعاية» هنا معنى يتجاوز بعدها التقني إلى مفهوم إنساني وأخلاقي؛ ففي مواجهة نموذج تكنولوجي يركز على جمع البيانات وتعظيم الإنتاجية والأرباح، يدعو الكتاب إلى التفكير في نموذج آخر يجعل التكنولوجيا مرتبطة بالعدالة والمسؤولية والازدهار الإنساني.
ومن هذه الزاوية، يصبح الإنسان مركز العملية التكنولوجية، لا مجرد مستهلك أو مستخدم للآلة، بل كائنًا يتمتع بكرامة لا ينبغي إخضاعها بالكامل لمنطق السوق أو الخوارزمية.

الحقيقة في زمن ما بعد الحقيقة

ينتقل الكتاب أيضًا إلى أسئلة فلسفية تتعلق بالحقيقة والوجود وطبيعة الإنسان.
ويضم القسم الثاني عددًا من الدراسات التي تبحث في «الحقيقة وما بعد الحقيقة في عصر الذكاء الاصطناعي»، وعلاقة هايدغر بالذكاء الاصطناعي، وطبيعة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، إضافة إلى فصل «المسؤولية الحدّية: نحو أخلاق للعلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي». 
وهذه الموضوعات تعيد الذكاء الاصطناعي إلى أسئلة فلسفية قديمة حول الحقيقة والحرية والمسؤولية وماهية الإنسان.
فإذا أصبحت الآلة قادرة على إنتاج نصوص وصور وأصوات تحاكي ما ينتجه البشر، فإن السؤال لم يعد فقط: هل تستطيع الآلة أن تنتج؟ بل يصبح أكثر عمقًا: ماذا يعني أن يكون الإنسان هو صاحب المعنى؟
وبذلك يتحول الذكاء الاصطناعي إلى اختبار جديد لفهم الإنسان لنفسه.

المسؤولية ليست على المبرمج وحده

ومن أبرز ما يميز الكتاب رفضه النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره قوة مستقلة لا يمكن توجيهها.
فالكتاب يدعو إلى استعادة الإنسان قدرته على المشاركة في تشكيل مستقبل التكنولوجيا، بدلًا من الاستسلام لفكرة أن التطور التكنولوجي مسار حتمي لا يمكن مقاومته أو إعادة توجيهه.
ومن ثم تتحول المسؤولية إلى مسؤولية جماعية تشمل الباحثين والشركات وصناع القرار والمجتمع المدني والمستخدمين والمؤسسات التعليمية وغيرها من الأطراف التي تشارك في إنتاج التكنولوجيا واستخدامها وتنظيمها.
وهو تصور يفتح مجالًا مهمًا للحوار بين التكنولوجيا والفلسفة واللاهوت؛ لأن القضية في النهاية ليست فقط: هل نستطيع صناعة آلة أكثر ذكاءً؟ وإنما: ماذا سنفعل بهذا الذكاء عندما يصبح في أيدينا؟

من الهند وكندا إلى سؤال عالمي

يحمل الكتاب كذلك طابعًا دوليًا واضحًا، إذ يجمع باحثين من خلفيات وتخصصات مختلفة، ويضم مساهمات مرتبطة بجامعة يورك في كندا والمعهد الهندي للتكنولوجيا في بالاكاد.
ويشارك أنوب جورج، الأستاذ المشارك في قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية بالمعهد الهندي للتكنولوجيا في بالاكاد، بخبرة في الفلسفة القارية والظاهراتية وفلسفة التكنولوجيا، بينما يمثل فيجاي ماغو الجانب المرتبط بعلوم الحاسوب والمعلوماتية الصحية والذكاء الاصطناعي. 
ويمنح هذا التنوع الكتاب قدرة على النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره قضية عالمية، تتقاطع فيها التكنولوجيا مع قضايا العدالة والصحة والعمل والهجرة والإعاقة والجندر والاستعمار التكنولوجي، مع حضور واضح لقضايا الجنوب العالمي. 

كتاب عن مستقبل التكنولوجيا أم مستقبل الإنسان؟

في النهاية، لا يبدو «Shaping AI» كتابًا آخر عن الذكاء الاصطناعي بقدر ما يبدو محاولة لإعادة صياغة السؤال نفسه.
فالمستقبل الذي يناقشه الكتاب ليس مستقبل الآلات وحدها، وإنما مستقبل الإنسان في عالم ستصبح فيه الخوارزميات أكثر حضورًا في الصحة والعمل والتعليم والاقتصاد والإدارة، بل وفي الطريقة التي نفهم بها أنفسنا والآخرين.

ومن هنا تأتي أهمية مشروع خريستو المر؛ فالبعد اللاهوتي في تجربته لا ينافس التكنولوجيا في إنتاج المعرفة، وإنما يطرح عليها سؤالًا لا تستطيع الخوارزمية وحدها الإجابة عنه: ماذا يعني أن يكون الإنسان إنسانًا؟
وربما تكون هذه هي الرسالة الأعمق للكتاب: ليست القضية في أن يصبح الإنسان أكثر ذكاءً من الآلة، أو أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً من الإنسان، وإنما في تحديد القيم التي سيخدمها هذا الذكاء.
فإذا كان البشر قادرين على تشكيل الذكاء الاصطناعي، فإن السؤال الأخلاقي والإنساني الأكبر يبقى: أي عالم نريد لهذا الذكاء أن يشكله؟
ملاحظة تحريرية مهمة: عدّلت عبارة «ندوة هندية صنعت كتابًا عالميًا» إلى «من الهند وكندا إلى سؤال عالمي»، لأنها أدق وفق البيانات المنشورة رسميًا؛ صفحة Springer تؤكد الانتماءات الأكاديمية للمحررين، لكنها لا تقدم في الصفحة نفسها الصياغة التي تفيد بأن الكتاب نتاج «ندوة» بعينها. كما أن وصف الكتاب الرسمي يؤكد بوضوح أن محوره يتجاوز «إصلاح التحيز» إلى نقد بنيوي للسلطة واللامساواة، وهو ما عززته في الصياغة الجديدة.

شارك