لوموند: تزايد الهجمات والحرائق وأعمال التخريب التي يشنها متطرفون يهود فى الضفة الغربية المحتلة
الأربعاء 26/أغسطس/2026 - 01:31 م
طباعة
يواجه السكان مضايقات عنيفة يومية من المستوطنين الإسرائيليين. ويتفاقم الوضع، مما يثير مخاوف من رد فعل عنيف على الهجمات المتواصلة.
تتزايد الهجمات والحرائق وأعمال التخريب التي يرتكبها المستوطنون اليهود المتطرفون يومًا بعد يوم في الضفة الغربية المحتلة، لدرجة بات معها تتبع هذه الأحداث شبه مستحيل. حتى أن العديد من السكان باتوا يعتبرون السفر ليلًا أمرًا خطيرًا. وتفيد السلطات الفلسطينية بتدهور كبير في الوضع خلال الأسابيع الأخيرة. فقد حذرت السلطة الفلسطينية، يوم الثلاثاء 25 أغسطس، من أن "مجلس الوزراء حذر من تصاعد هجمات المستوطنين في مختلف المحافظات، والتي تُنفذ بحماية ومشاركة القوات الإسرائيلية، حيث سُجل أكثر من 470 هجومًا في الأسبوع الماضي وحده ". وقد قُتل أكثر من 1100 فلسطيني على يد الجيش أو المستوطنين منذ 7 أكتوبر 2023.
تتشابه أساليب العمليات في معظم أنحاء المنطقة: عنف جسدي ترتكبه جماعات المستوطنين، وينتج عنه بانتظام إصابات خطيرة أو وفيات؛ وهجمات حرق متعمد على المنازل - حيث دُمر 36 منزلاً في الأسبوع الذي بدأ في 17 أغسطس، وفقًا لوكالة أسوشيتد برس؛ وتدمير بساتين الزيتون؛ وإلحاق أضرار بالآبار وأنابيب المياه؛ وسرقة الماشية يوميًا؛ وإحراق السيارات والمركبات أو إتلافها. كما يستهدف العنف النشطاء الإسرائيليين الذين يحاولون حماية الفلسطينيين، مثل أعضاء حركة "معًا نقف"، الذين كانوا متواجدين يوم الثلاثاء في جناتا، حيث شنّ "مستوطنون ملثمون مسلحون بالهراوات والغاز المسيل للدموع" هجمات وحشية. كما أصيب صحفيون من وكالة فرانس برس بجروح طفيفة خلال الهجوم.
ويبدو أن ما يجري لم يعد مجرد سلسلة من الاعتداءات المتفرقة، بل أصبح نمطًا متكررًا من العنف يهدف إلى جعل الحياة اليومية للفلسطينيين أكثر صعوبة، ودفعهم تدريجيًا إلى مغادرة أراضيهم. ففي مناطق عدة من الضفة الغربية، تحولت الطرق والحقول ومداخل القرى إلى فضاءات يخشى السكان عبورها، بينما تتعرض الممتلكات والبنية التحتية الزراعية لهجمات متواصلة. وقد وثقت منظمة العفو الدولية، في تقرير نشرته في يونيو، آلاف الهجمات التي استهدفت المجتمعات الفلسطينية بين 2023 و2025، وشملت المنازل والسيارات والأشجار وخزانات المياه والممتلكات الزراعية.
وفي جناتا، قرب بيت لحم، ظهر هذا العنف بصورة صارخة الثلاثاء. فقد هاجم مستوطنون نشطاء سلام وصحفيين كانوا موجودين في القرية في إطار زيارات تضامنية إلى سكان يتعرضون لمضايقات متكررة. وأفادت مصادر طبية بإصابة خمسة أشخاص، بينهم صحفيون، خلال الاعتداء الذي استخدمت فيه الهراوات والحجارة وغاز الفلفل.
وكان فريق من ثلاثة صحفيين تابعين لوكالة فرانس برس قد وصل إلى المكان لإعداد تقرير عن هذه الزيارات التضامنية، قبل أن يتصاعد التوتر بين المستوطنين والنشطاء. وأفاد صحفيو الوكالة بأن مستوطنين إضافيين وصلوا إلى المكان، فيما أُمر الصحفيون بمغادرة المنطقة التي أعلنها الجيش الإسرائيلي منطقة عسكرية مغلقة.
وتكتسب حادثة جناتا أهمية خاصة لأنها تكشف اتساع دائرة المستهدفين بالعنف؛ فلم يعد الأمر مقتصرًا على الفلسطينيين وممتلكاتهم، بل امتد إلى إسرائيليين يشاركون في أنشطة تضامنية، وإلى الصحفيين الذين يحاولون توثيق ما يحدث على الأرض. وبحسب تقارير ميدانية، فإن القرية تتعرض لاعتداءات متكررة من مستوطنين من بؤرة استيطانية قريبة، كما تُغلق طرق يستخدمها السكان للوصول إلى منازلهم.
ويثير هذا التصعيد مخاوف متزايدة لدى السلطة الفلسطينية ومنظمات حقوق الإنسان من أن يتحول العنف إلى وسيلة لترسيخ واقع جديد على الأرض، بالتوازي مع التوسع الاستيطاني وإقامة بؤر جديدة. ففي منتصف أغسطس، بدأ مستوطنون إقامة بؤر استيطانية جديدة قرب قريتي أم صفا وبرقة، فيما استمر حصار عائلات فلسطينية في منطقة قُصرة جنوب نابلس، في إطار ضغوط متزايدة على السكان الفلسطينيين في المناطق الريفية.
ويأتي ذلك في وقت تتحدث فيه السلطات الفلسطينية عن تصاعد سريع في وتيرة الهجمات. وإذا كانت الأرقام المعلنة عن مئات الاعتداءات خلال أسبوع واحد تعكس حجم المشكلة، فإن طبيعة هذه الهجمات تبدو أكثر خطورة من مجرد ارتفاع عددي؛ إذ تتداخل فيها أعمال العنف المباشر مع تدمير مصادر الرزق، وقطع الأشجار، وإتلاف المياه والممتلكات، وإغلاق الطرق، بما يفرض على السكان نمطًا من الحياة قائمًا على الخوف وعدم اليقين.
وفي هذا السياق، تحذر منظمات حقوقية من أن استمرار الإفلات من العقاب يشجع على تكرار الاعتداءات. وتقول منظمة العفو الدولية إن عنف المستوطنين تصاعد بصورة ملحوظة، وإن الهجمات استهدفت بشكل متزايد وسائل بقاء المجتمعات الفلسطينية، من المنازل والأراضي الزراعية إلى المواشي ومصادر المياه. كما وثقت المنظمة حالات شارك فيها جنود إسرائيليون أو قدموا فيها حماية للمستوطنين.
ويخشى الفلسطينيون من أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى موجة جديدة من النزوح الداخلي، خصوصًا في التجمعات الريفية ومناطق الرعي التي يصعب على سكانها حماية أراضيهم وممتلكاتهم. فحين يصبح الوصول إلى الأرض خطرًا، وحين تتعرض الأشجار والمياه والمواشي للتدمير أو السرقة، لا يعود النزاع متعلقًا بواقعة أمنية منفردة، وإنما يتحول إلى معركة يومية على القدرة على البقاء.
وتزداد خطورة المشهد مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في مناطق أخرى من الضفة الغربية. ففي اليوم نفسه الذي شهد هجوم جناتا، أصيب فلسطينيون، بينهم طفل، خلال عمليات للجيش الإسرائيلي في القدس وبيت لحم ونابلس، كما تعرض صحفيون للاختناق جراء الغاز خلال اقتحام مخيم قلنديا.
وهكذا تبدو الضفة الغربية أمام مسار شديد الخطورة: عنف استيطاني متصاعد، وتوسع في البؤر الاستيطانية، واعتداءات على الممتلكات ووسائل العيش، بالتزامن مع العمليات العسكرية الإسرائيلية. ويخشى مراقبون من أن يؤدي تراكم هذه العوامل إلى انفجار أوسع، خصوصًا إذا شعر السكان الفلسطينيون بأنهم متروكون لمواجهة اعتداءات يومية من دون حماية أو محاسبة حقيقية للمسؤولين عنها.
أما الخطر الأكبر، فيتمثل في أن يصبح العنف أمرًا عاديًا في الحياة اليومية، بحيث يتكيف السكان معه بدل أن ينتهي. عندها لا تكون المشكلة فقط في عدد الهجمات المسجلة، وإنما في الأثر المتراكم الذي تتركه على المجتمع الفلسطيني: الخوف، والنزوح، وفقدان مصادر الرزق، وتآكل الشعور بالأمان، واتساع القناعة بأن الأرض نفسها لم تعد مكانًا يمكن العيش فيه بصورة طبيعية.
