برلين في قلب العاصفة: صراع على الأمن والاستخبارات
السبت 26/سبتمبر/2026 - 02:16 ص
طباعة
خاص بوابة الحركات الإسلامية
لم تعد الانتخابات الأخيرة في برلين مجرد استحقاق محلي. فقد فجّرت نتيجة الانتخابات مواجهة سياسية أوسع حول مستقبل ألمانيا، وحدود عمل أجهزة الأمن والاستخبارات، وطريقة التعامل مع اليمين المتطرف، وفي الوقت نفسه حدود اليسار في معارضته لتوسيع صلاحيات الدولة الأمنية.
فوز حزب اليسار وتصدره المشهد في برلين وضعه أمام إمكانية قيادة حكومة الولاية، لكنه جاء في لحظة شديدة الحساسية. فقد واجه الحزب اتهامات بمعاداة السامية، وانتقادات بسبب علاقات بعض أعضائه أو ظهورهم مع شخصيات مرتبطة ببيئات الجريمة المنظمة، إضافة إلى جدل حول مشاركين في فعاليات انتخابية لهم صلات أو قرب من أوساط مؤيدة لمنظمات تصنفها ألمانيا إرهابية. هذه الوقائع تحولت إلى سلاح سياسي في مواجهة محاولة اليسار الوصول إلى السلطة في العاصمة.
وفي المقابل، يرى اليسار أن خصومه يجمعون وقائع منفصلة ويقدمونها باعتبارها دليلاً على مشكلة مؤسسية داخل الحزب. وقد رفضت هايدي رايخينّك اتهامات معاداة السامية، مؤكدة أن الحزب يضع حدوداً واضحة أمام معاداة اليهود، وأن من يتجاوز هذه الحدود لا مكان له داخل الحزب.
فالحكومة الاتحادية تريد إصلاح قانون أجهزة الاستخبارات، ومنح جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني والمكتب الاتحادي لحماية الدستور للجهاز قدرات أوسع. ويشمل المشروع إمكانات أكبر للتعامل مع الهجمات السيبرانية، وتحليل البيانات، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، والاحتفاظ ببعض البيانات لفترات أطول، إضافة إلى صلاحيات محددة للتدخل في بعض الحالات الخطرة. وفي المقابل، تنص الخطة أيضاً على تعزيز آليات الرقابة القضائية والبرلمانية على الأجهزة.
وتبرر الحكومة هذه الخطوة بتغير طبيعة التهديدات. فألمانيا تواجه، وفق التقييمات الرسمية التي عرضها وزير الداخلية ألكسندر دوبْرِنت، مزيجاً من التجسس، والهجمات السيبرانية، والتضليل، والتخريب، والتهديدات الإرهابية. وقال دوبْرِنت إن ألمانيا أصبحت هدفاً يومياً لما وصفه بالحرب الهجينة، مؤكداً ضرورة تطوير أجهزة الأمن كي تتمكن من مواجهة هذه الأخطار.
وهنا يأتي اعتراض اليسار. فالمشكلة بالنسبة إليه ليست بالضرورة في مكافحة الإرهاب، وإنما في حجم الصلاحيات التي تحصل عليها الدولة. ويخشى اليسار أن تتحول الأدوات التي تُبنى اليوم لمواجهة الإرهاب والجريمة والهجمات السيبرانية إلى أدوات واسعة للمراقبة إذا تغيرت الحكومة مستقبلاً.
ولهذا قالت هايدي رايخينّك زعيمة كتلة اليسار فى البرلمان الألمانى في مواجهة تلفزيونية مع وزير الداخلية الألمانى الكسندر دوبْرِنت إن الحكومة "تبني شرطة سرية جاهزة للتسليم إلى حزب البديل من أجل ألمانيا". كان ذلك توصيفاً سياسياً حاداً لمخاوفها، وليس وصفاً قانونياً للمشروع. ورد دوبْرِنت بأن العبارة من "أغبى" ما قيل في النقاش.
وتزداد أهمية هذا الجدل مع صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" انتخابياً. فالمفارقة السياسية أن الأحزاب الألمانية التقليدية ترفض التعاون الحكومي مع الـبديل، في حين يخشى اليسار من أن يؤدي توسيع أدوات الدولة الأمنية إلى خلق قدرات يمكن أن تستخدمها حكومة مستقبلية أكثر تشدداً.
أما الإرهاب، فهو أحد أهم أسباب انتقال النقاش من مجرد خلاف سياسي إلى قضية أمن قومي. فمشروعات الحكومة الجديدة لا تتعلق بالاستخبارات وحدها؛ إذ يناقش البرلمان أيضاً توسيع الصلاحيات الرقمية للشرطة والأجهزة المختصة بمكافحة الإرهاب، بما في ذلك استخدام تقنيات التعرف البيومتري وتحليل البيانات للمساعدة في تحديد الأشخاص والروابط بين المشتبه بهم والجرائم. وقد عارضت كتلة اليسار، في أحد الملفات، أنظمة التعرف البيومتري الجماعي.
وهنا تكمن المعضلة الألمانية: كلما تطورت وسائل الإرهاب والهجمات السيبرانية والتخريب، زادت حاجة الدولة إلى أدوات استخباراتية وتقنية أقوى؛ لكن كلما اتسعت هذه الأدوات، زادت الحاجة إلى رقابة مستقلة تمنع إساءة استخدامها.
أما اتهامات دوبْرِنت لليسار بالتساهل مع الجريمة المنظمة أو وجود صلات مع أوساط مرتبطة بالتطرف أو الإرهاب، فيجب التعامل معها باعتبارها اتهامات سياسية مرتبطة بوقائع محددة، لا دليلاً على تعاون مؤسسي بين الحزب ومنظمات إرهابية. فظهور شخص في فعالية انتخابية أو وجود اتصال بين سياسي وفرد مثير للجدل لا يثبت وحده وجود علاقة تنظيمية أو سياسية.
يري محللون برلين أصبحت مسرحاً لصراع أوسع: اليمين يطالب بدولة أمنية أكثر قدرة على مواجهة الإرهاب والجريمة والتطرف، واليسار يحاول منع تحول هذه الدولة إلى جهاز مراقبة واسع الصلاحيات، بينما يقف الوسط السياسي أمام معادلة صعبة بين الأمن والحرية.
والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في صعود اليمين المتطرف أو تشدد اليسار، وإنما في أن يؤدي الاستقطاب بينهما إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات نفسها. فالاختبار أمام ألمانيا هو أن تتمكن من مواجهة الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة بقوة، من دون أن تتخلى في الوقت نفسه عن الرقابة الديمقراطية وسيادة القانون.
