اغتيال العقل النقدي: قراءة تحليليّة في أزمة الفكر الفلسفي والمؤسسة الأكاديمية
الإثنين 28/سبتمبر/2026 - 09:44 ص
طباعة
حسام الحداد
تتميز هذه الحلقة من برنامج «مختلف عليه» والمذاع على منصة يوتيوب 25 سبتمبر 2026، والتي استضاف فيها الإعلامي إبراهيم عيسى الدكتور حسن حماد بطرح فكري واشتباك معرفي يتجاسر على تفكيك البنى التحتية الثابتة للأزمة العقلانية في عالمنا العربي والإسلامي. ولم يكن الحوار مجرد استعادة مدرسية لتاريخ الفلسفة أو اجتراراً للسجالات السطحية الشائعة حول موقف الدين من الفلسفة، بل تحول إلى مشرحة نقدية أضاءت المسببات الهيكلية والمجتمعية التي أدت إلى تغريب الفكر النقدي؛ محددةً مكامن المأزق في تقاطع المصالح بين السلطات المستبدة، والنفوذ الأصولي المتغول، وتراجع النخب الثقافية والمؤسسات الأكاديمية عن دورها التنويري المفترض.
إن الأهمية الاستثنائية لهذا النقاش تنبع من كونه يسلط الضوء على آليات التزييف الفكري التي جعلت من الفلسفة في الوعي الجمعي "هرطقة" أو "سفسطة" يستوجب الحذر منها، بدلاً من إدراكها كمنهج تفكير تجريدي لبناء الإنسان والمجتمع الحديث. ومن هذا المنطلق، يكتسب هذا المقال النقدي التحليلي أهميته؛ إذ يعيد لمسارات الحوار اتساقها المفهومي عبر إعادة قراءة المحاور الخمسة الأساسية التي طُرحت، مفككاً جذور الخصومة التاريخية والدينية، ومستعرضاً مظلومية العقلانية الإسلامية، وصولاً إلى تشخيص العطب الذاتي والموضوعي الذي يصيب الفضاء العام والمؤسسات الأكاديمية المعاصرة.
إشكالية المفاهيم والتجريد (الفلسفة بين الحكمه والتخوف المجتمعي)
استُهل الحوار بمناقشة مفاهيمية عميقة تناولت طبيعة الفلسفة والسبب وراء الصورة الذهنية السلبية الملتصقة بها في الوعي الجمعي والثقافة الشعبية؛ حيث تُربط غالباً بالهرطقة، والخروج عن المألوف، أو السفسطة والكلام الفارغ الذي لا طائل منه. وأشار النقاش إلى أن هذا الانطباع السائد لم يكن وليد المصادفة، بل هو نتيجة حالة صراع تاريخي ومجتمعي جعلت من كلمة "تَفَلْسُف" في اللسان اليومي مرادفاً للتعقيد غير المبرر أو الادعاء المعرفي، مما خلق فجوة عميقة بين الشارع العام والفكر الفلسفي.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور حسن حماد أن الماهية الجوهرية للفلسفة تقوم بالأساس على التفكير التجريدي النقدي، وهو ما يجعلها أقرب ما تكون إلى طبيعة العلوم الدقيقة وعلم الرياضيات. هذا الطابع التجريدي يفرض منطقاً يستلزم التفكيك والتحليل المستمر للأفكار والمعطيات؛ الأمر الذي يصطدم بشكل مباشر مع طبيعة الذهنية العامة لجمهور الشارع، والتي تميل بطبعها إلى الرفاهية الفكرية، وتبحث عن الحلول السريعة، والأفكار الميسورة، والإجابات الحتمية الجاهزة التي تُريح العقل ولا ترهقه بالبحث والتفتيش.
كما تطرق الحوار إلى "أسطورة المسمى" ومحاولات بعض فلاسفة الحضارة الإسلامية، كابن رشد والفارابي، تهذيب المصطلح أو الاستعاضة عنه بتعبيرات أكثر قبولاً في البيئة المحافظة مثل "الحكمة" أو "حب الحكمة". وأكد التحليل أن هذا التغيير اللفظي لن يغير شيئاً من واقع الأزمة أو يحد من المخاوف المجتمعية؛ لأن الإشكالية الحقيقية للخصومة ليست مع اللفظ في حد ذاته، بل مع المضمون الفكري والسلوك المعرفي الذي تمثله الفلسفة بكونها فعلاً نقدياً ينشط في مساحة المساءلة المباشرة.
وبناءً على ذلك، يتضح أن الخوف المجتمعي من الفلسفة يظل قائماً ومستمرّاً ما دامت تمارس دورها الأساسي القائم على الشك المنهجي وزعزعة السائد؛ فالمجتمعات التقليدية التي تتغذى على المسلمات والثوابت الموروثة ترى في منهج التفكير الفلسفي تهديداً لاستقرارها الذاتي. ولذا، فإن محاولة تقريب الفلسفة للجمهور عبر تجميل المصطلحات تظل محاولة سطحيّة، ما لم يُعَد الاعتبار لمنهج التفكير العقلاني النقدي بوصفه أداة لفهم الواقع وتطوير الحياة لا لهدمها.
جذور الخصومة بين الفلسفة والسلطتين (الدينية والسياسية)
انطلاقاً من الحوار الفكري المتشابك الذي شهدته الحلقة، يتجلى أن جذور الخصومة التاريخية بين الفلسفة والسلطة الدينية لا تعود إلى مجرد خلافات فقهية فرعية، بل تنبع من صدام أصيل في بنيوية التفكير وطبيعة الرؤية للعالم؛ إذ تتأسس الخطابات الأصولية وبنى الكهنوت على وهم حيازة "الحقيقة المطلقة" الحصرية، وهي عقيدة يترتب عليها بالضرورة شعور بالاصطفاء الذاتي وتقسيم المجتمع إلى "فرقة ناجية" تمتلك الحق وأخرى هالكة، في حين تقف الفلسفة على الضفة المقابلة لتفكك مفهوم الإجابات النهائية المغلقة، وتطرح الأسئلة المربكة التي تزعزع يقينيات السائد، مما يجعل العقل الفلسفي النادي بمثابة تهديد مباشر لسلطة القداسة ورجال الدين الذين يستمدون نفوذهم من حراسة هذه المسلمات.
وعلى الجانب الآخر، يرصد النقاش الأبعاد العميقة للتحالف البنيوي والتاريخي بين المستبد السياسي ورجل الدين، وهو حلف استراتيجي قام عبر العصور على تبادل المصالح والدعم المتبادل لشرعنة السيطرة؛ فبينما يحتاج الحاكم المطلق إلى غطاء روحي يُلزم الجماهير بالطاعة، يجد رجل الدين في بطش السلطة السياسية حماية لسطوته الفكرية وحصانة لعقائده. وفي هذا الفضاء المغلق، تنشأ الخصومة مع الفلسفة بوصفها خطراً مشتركاً؛ نظراً لكَوْن الفكر الفلسفي لا ينبت ولا يثمر إلا في مناخ يتيح هامشاً من الحرية، وهو الهامش الذي تسعى بنى الاستبداد - بشقيها السياسي والديني - إلى إغلاقه وتقليصه لمنع أي محاولة للمساءلة أو النقد.
وفي هذا السياق المعقد، يبرز التوظيف الأيديولوجي للفكر الجبري والأصولي كأداة هامة لتطويع الشعوب وتغيب وعيها؛ حيث تجد الأنظمة الاستبدادية في المنظومة السلفية الجبرية وسيلة مثالية لترسيخ الانقياد والامتثال التام، من خلال تحويل الأوضاع السياسية والاقتصادية القائمة إلى مجرد "قضاء وقدر" ومشيئة إلهية لا يجوز الاعتراض عليها أو التفكير في تغييرها. هذا النمط من التفكير يُفرغ الإنسان من فاعليته، ويُحيل العجز السياسي إلى فضيلة إيمانية، مما يجعله الخيار المفضل للسلطة مقارنة بالأطروحات العقلانية التي تُحفز على التفكر والتمرد على الواقع الفاسد.
وتتأكد هذه الفجوة عند المقارنة بين هذا الفكر الجبري والنماذج العقلانية في التاريخ الإسلامي، كالمدرسة الاعتزالية التي قدمت طروحاً ثورية تربط بين حرية الإرادة الإنسانية والمسؤولية الأخلاقية والسياسية للفرد. إن تأكيد الفلسفة التيار العقلاني على أن الإنسان هو الصانع المباشر لأفعاله والمستقل بإرادته ينزع العباءة اللاهوتية عن سلطة المستبد، ويتحول من مجرد موقف نظري إلى أداة تحررية تمكن الفرد من محاكمة الواقع وتجعله مدركاً لحقوقه وحريته؛ وهو ما يفسر استمرار التحالف بين السلطتين السياسية والدينية لمحاصرة الخطاب الفلسفي وتهميش العقلانية على مر التاريخ.
مظلومية المعتزلة وتصفية الفكر العقلاني
سلطت الحلقة الضوء على مظلومية الفرقة الاعتزالية في تاريخ الفكر العربي والإسلامي، حيث ذهب الدكتور حسن حماد إلى أن المعتزلة هم المدرسة الوحيدة التي تستحق بحق أن تُصنف ضمن إطار "الفلسفة" بالمعنى النقدي الأصيل في تراثنا. ولم يأتِ هذا التقدير من فراغ، بل تأسس على اجتراء الاعتزال على طرح قضيتين محويتين شكلتا ثورة معرفية في عصرهما: الأولى هي مقولة "خلق القرآن" التي فتحت الباب على مصراعيه لفهم النص في زمانيته ومكانيته وتفكيك أسطرة اللغة، مما يمنح العقل نصيباً في التأويل والتدبر بعيداً عن تقديس الحرف؛ والثانية هي مقولة "حرية الإرادة الإنسانية" التي ردت للإنسان فاعليته ومسؤوليته الأخلاقية والسياسية عن أفعاله.
إن الربط بين أفكار المعتزلة والمنهج الفلسفي يتجلى بوضوح في تنحيتهم للفكر الاتباعي والنقلي لصالح المنهج العقلاني الذي يضع حريّة الاختيار كشرط أساسي للتكليف والعدل الإلهي. فمن خلال أطروحتهم حول حداثة النص وتاريخيته، تحول النص من كيان معلق فوق الزمان والمكان إلى كائن حي يتفاعل مع الواقع البشري والضرورات الاجتماعية. هذه النقلة النوعية لم تكن مجرد جدال كلامي نظري، بل كانت محاولة لتأسيس أيدولوجيا تحررية تمنح العقل سلطة المحاكمة والنقد، وتنزع عن الحكام والأوصياء أدوات الاحتكار الديني وتوظيف المقدّس في قهر المجتمعات.
غير أن هذا المشروع العقلاني الواعد واجه مأساة ممتدة عبر التاريخ، تجسدت في عمليات تصفية دموية ومعنوية شرسة تعرض لها الفلاسفة وأصحاب الفكر الحر. وقد استعرض الحوار سجلاً مظلماً من القتل الجسدي الصريح الذي طال قامات مثل الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وغيلان الدمشقي، والحلاج، والسهروردي؛ إلى جانب "القتل المعنوي" والمطاردة والتكفير والتهميش والتجريد من المواطنة والأهلية الإنسانية التي لحقت بأعلام آخرين كابن رشد، وابن الراوندي، ومحمد بن زكريا الرازي، وأبي حيان التوحيدي، مما أدى في النهاية إلى تجريف البيئة الفكرية وإرهاب كل من يسعى لإعمال عقله.
وتأسيساً على ذلك، يفسر هذا البطش التاريخي المتواصل كيف تم إجهاض التيار العقلاني والاعتزالي مبكراً ولصالح تمدد المنظومة الأصولية والسلفية التقليدية. فقد شكلت "محنة ابن حنبل" وانتصار أهل الحديث نقطة تحول مفصلية كرست هيمنة النقل على العقل، وهو الخط الذي تقوى وتأطر فلسفياً ولاهوتياً مع أبو حامد الغزالي، ليصبح المعين الأساسي الذي استقت منه الحركة الوهابية والتنظيمات الأصولية المعاصرة أدبياتها. وبذلك، استُبعد الفكر النقدي ليحل محله التسليم المطلق والانقياد التام الذي ما زالت آثاره تسيطر على واقعنا العربي حتى اليوم.
أزمة النخبة ومأزق الفضاء العام
لم يكتفِ الحوار بتشخيص الجذور التاريخية والأيديولوجية لأزمة الفكر العقلاني، بل امتد بشجاعة نقدية إلى تشريح أزمة النخبة الفكرية والفلسفية المعاصرة، مؤكداً أن تراجع المشهد الثقافي يعود في جزء منه إلى مأزق ذاتي بنيوي يعيشه المثقف نفسه. وتجلى هذا المأزق في التحولات والانقلابات الفكرية الحادة التي شهدتها مسارات قامات فلسفية كبيرة؛ حيث تراجع بعضهم عن أطروحاته النقديّة التنويرية المتقدمة وصار يميل إلى التوفيقية والمهادنة، كما ظهر لدى زكي نجيب محمود، أو انتهى به المطاف إلى كتابات تقليدية أصولية تُدافع عن الموروث بنفس أدوات الشيوخ التقليديين كما حدث مع عبد الرحمن بدوي، أو توظيف الفلسفة في الخدمة السياسية كما لدى حسن حنفي.
وفي تفكيك أسباب هذا النكوص الذاتي لدى مفكري النخبة، أرجَع التحليل ذلك إلى مزيج معقد من الخصائص النفسية والسلوكية؛ وفي مقدمتها "نرجسية المثقف" التي تجعله ينكفئ على ذاته ويرى نفسه في برج عاجي بعيداً عن الجماهير، مما يُفقده القدرة على التحقق والالتحام بالواقع. أضف إلى ذلك عوامل الضعف الإنساني، أو الانتهازية السياسية والبحث عن المكانة، أو الشعور بـ "الهزيمة النفسية" والانكسار الداخلي أمام المد السلفي الجارف الذي اجتاح الشارع العربي منذ سبعينيات القرن الماضي؛ الأمر الذي دفع بعض هذه القامات إلى التنازل والتراجع طلباً للسلامة أو مجاراةً للتيار الغالب.
وعلى الضفة الأخرى، يُبرز الحوار المأزق الموضوعي الهيكلي الذي يحاصر المثقف العقلاني ويُحيد دوره في الفضاء العام؛ والمتمثل في اختلال موازين أدوات التواصل والتأثير الجماهيري بين الفكر الديني والفكر الفلسفي. فرجل الدين يمتلك منصة استثنائية مجانية ومفتوحة تتجسد في مئات الآلاف من المساجد والزوايا والمنشورات والبرامج، التي تمكنه من مخاطبة كافة فئات المجتمع يومياً وشحن الوعي الجمعي برؤى تقليدية، في مقابل حصار مُطبق وممنهج أُخرج بموجبه الفيلسوف والمفكر التنويري من الفضاء العمومي وأُقصي عن وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والتعليمية الرسمية.
وتأسساً على هذا التباين الشديد في الإمكانيات والانتشار، أضحت المواجهة المعرفية غير متكافئة بين خطاب يتكئ على منابر شاسعة ويخاطب العاطفة والمسلمات البسيطة، وخطاب عقلاني محاصر يُخاطب النخبة فقط ولا يجد منفذاً للوصول إلى الناس. ورغم هذا الحصار الموضوعي، أشار النقاش إلى أن المتغيرات الحديثة وظهور الفضاء الرقمي وسائط التواصل الاجتماعي باتت تمثل "تنهيدة للمثقفين المحرومين" ورئة جديدة تنفس منها الفكر الحر، مما يفتح نافذة أمل لإعادة بث الأفكار المنيرة والارتقاء بوعي الإنسان وحريته بعيداً عن هيمنة المنصات التقليدية.
المؤسسة الأكاديمية وتحول الفلسفة إلى "مهنة"
أضاء الحوار على تناقض صارخ تشهده كليات الآداب وأقسام الفلسفة في الجامعات العربية والمؤسسات التعليمية التقليدية، حيث أضحت الممارسة الأكاديمية للفلسفة مجرد وظيفية بائرو وحرفة جافة فرغت هذا الحقل المعرفي من مضمونه الأصيل. فبدلاً من أن تكون الفلسفة منهجاً للتحرر، ومساحة لممارسة الفكر النقدي، وترسيخ قيمة التمرد المعرفي على المسلمات، تحولت لدى قطاع واسع من الأكاديميين إلى مجرد مهنة يتكسبون منها، ودراسات شكلية تخلو من روح المساءلة والابتكار، مما أدى إلى تجريف المعنى الحقيقي للفلسفة وتحويلها إلى مجرد محفوظات وتاريخ مغلق للأفكار القديمة.
وفي هذا السياق، أوضح الحوار أن أزمة المؤسسة الأكاديمية لا تقف عند حدود التسقيف والتحنيط الوظيفي، بل تمتد إلى طبيعة العقيدة التعليمية والمنهجية السائدة لدى بعض القائمين على تدريس الفلسفة. إذ يُتعامل مع الاشتغال بالفلسفة بمنطق الامتهان المهني المفتقر لأي انحياز قيمي أو إيمان بفكرة الحرية الإنسانية المطلقة؛ حيث تحول أستاذ الفلسفة في كثير من الأحيان من مبدع ينزع إلى التغيير والتنوير إلى موظف بيروقراطي محافِظ يخشى صدام الشارع ولا يعني الفكر النقدي في شيء، محققاً حالة من الانفصام بين ما يدرّسه من نظريات ثورية وبين سلوكه ومواقفه الفكرية الواقعية.
وتتضاعف هذه المأساة الفكرية عند النظر في كيفية التعاطي مع الفلسفة والفلسفة الإسلامية داخل الجامعات ذات الطابع التقليدي كجامعة الأزهر ومؤسساتها؛ حيث تُدرس الفلسفة والفكر العقلاني لا بهدف تمكين الطلاب من إعمال العقل أو استلهام الأدوات النقدية وتحليل المشكلات المعرفية، بل يُنظر إليها مسبقاً بكونها "شبهة دينية" أو "لغة عدو" يُراد تفكيكها وتحذير المجتمع منها. تُدرّس المذاهب الفلسفية بمنهجية إدانية تهدف إلى التفنيد والتكفير القبلي، تماماً كما يُدعى لتعلم لغات الأعداء لم اتقاء شرورهم، دون أدنى رغبة في الإفادة المعرفية منها أو فهم سياقاتها الإنسانية.
وتأسيساً على ذلك، يفضي هذا النهج المؤسسي المعطوب إلى نتائج كارثية في بناء الوعي الأكاديمي والجمعي، إذ يعيد إنتاج البيئة المضادة للعقلانية ويفرخ أجيالاً متعاقبة تُعادي الفلسفة بدلاً من أن تمارس فعل الفلسفة والتفكير. إن تخريج أعداد غفيرة من حاملي الشهادات العالية في الفلسفة والذين يحملون في الوقت نفسه روحاً سلفية متزمتة وعداءً صريحاً للعقل والنقد يؤكد تحول الأقسام الأكاديمية إلى فقاسات لأعداء التنوير، ليغدو المشهد النهائي عبارة عن مؤسسات تُنفق طاقتها في هدم المنهج الفلسفي وتقويض الدعامة الأساسية لبناء مجتمعات الحداثة والعصر الحديث.
وأخيرا تستمد هذه الحلقة قيمتها الاستثنائية من شجاعة المكاشفة والقدرة على تجاوز الحلول التسكينية؛ إذ لم تكتفِ بالبكاء على لبن العقلانية المسكوب في التراث، بل وضعت يدها بوضوح على الداء البنيوي المعاصر المتمثل في غياب الفردية، وتغول رجال الدين على الفضاء العام، وتراجع الإرادة السياسية الراغبة في التحديث الحقيقي لصالح مهادنة الخطاب السلفي. ورغم الشجن والنبرة القاتمة التي فرضها استعراض هيمنة الخرافة وانكفاء المؤسسات الأكاديمية، إلا أن الرهان الأخير للحوار ظل متمسكاً بخلود "الفكرة المنيرة"؛ فالفلسفة، وإن جرى قمعها في مضامير السياسة والواقع الشارع، تبقى عصية على الاغتيال النهائي كفكرة، والحامل الوحيد الذي لا بديل عنه لإعادة الاعتبار للإنسان، وحريته، وكرامته.
