تفكيك البنية المعرفية لتطوير علوم الدين: قراءة تحليليّة في حوار الدكتور محمد الخشت
الإثنين 28/سبتمبر/2026 - 10:22 ص
طباعة
حسام الحداد
يقف الفكر العربي والإسلامي المعاصر عند لحظة فارقة تشهد احتدام الإشكاليات الحضارية وتضاعف مآزق العقلانيّة؛ إذ يقع الفضاء الثقافي والاجتماعي بين فكي الممارسة الاستبدادية والجمود الفقهي، مكبلاً بالتردد الحاد بين الارتهان لتقديس النص التاريخي وإسقاطاته، أو السقوط في أسر التقليد الشكلي والسطحي للحداثة الغربية ومخرجاتها. وفي ظل هذه المراوحة العقيم التي عطلت مشاريع النهضة لعقود، تبدو الحاجة ملحة لتجاوز السجالات الإعلامية المستهلكة والشعارات المنقطعة عن الواقع، والتأسيس لقراءة نقديّة تفكك الميكانيزمات الثاوية خلف تجريف الوعي الجمعي، بغية وضع الأطر المعرفية والمؤسسية الكفيلة بفتح آفاق الانسجام بين الفطرة الإنسانية ومقتضيات العصر الحاضر.
تتجلى أهمية الحوار الفكري الذي أجراه الإعلامي الدكتور باسم الجمل مع الدكتور محمد عثمان الخشت (رئيس جامعة القاهرة السابق وأحد أبرز الداعين لتأسيس عصر ديني جديد) في بودكاست مجتمع والمذاع على منصة يوتيوب في 26 سبتمبر 2026؛ إذ يقدم أطروحة نقديّة منهجية تتسامى عن السجال التقليدي الصوري حول "تجديد الخطاب الديني" لتنفذ إلى العمق البنيوي والمؤسسي لإعادة صياغة العقل المسلم. لا يكتفي هذا الطرح النقدي بتشخيص علل الركود وآليات التوظيف الأيديولوجي للقداسات البشرية فحسب، بل يمتد ليرسم خريطة طريق عملية لتطوير علوم الدين وتجديد الفهم الإيماني على قواعد الفلسفة المقاصدية والمسؤولية الفردية، معززاً ذلك بنموذج تطبيقي مؤسسي يضع هندسة التغيير التعليمي والنقدي موضع التنفيذ.
التمييز المفهومي بين "الدين" و"علوم الدين" (تفكيك قداسة الفهم البشري)
يقيم الدكتور محمد الخشت طروحاته التجديدية على مدخل مفاهيمي صارم يشكل حجر الزاوية في مشروعه الفكري، والمتمثل في التمييز الحاسم بين مفهوم "الدين" في جوهره المجرد وبين "علوم الدين" التي صاغها البشر حوله. فالدين، بوصفه المصدري الخالص، يقتصر على النص القرآني الثابت والسنة النبوية المتواترة تواتراً يقينياً، وهو يمثل الجانب الإلهي المطلق، الخالد، والصالح لكل زمان ومكان بدلالاته الكلية ومقاصده العليا. أما "علوم الدين" — كالفقه، وأصول الفقه، وعلم التفسير، وعلم الكلام — فهي بالأساس منظومات معرفية بشرية ومنتجات تاريخية شيدها العقل الإنساني في لحظات زمنية محددة لفهم النص واستنباط أحكامه وتطبيقها وفق ادوات عصره ومقتضياته.
وينبثق عن هذا التفريق المعرفي كشفٌ منهجي يفكك حالة اللبس القائمة في الوعي الجمعي؛ إذ إن المنظومات الفقهية والتفسيرية الموروثة ليست سوى محاولات إنسانية محكورة بسياقاتها الثقافية والاجتماعية والسياسية التي نشأت فيها. فالفقهاء والأئمة الأوائل اجتهدوا في ضوء المعارف والإمكانيات المتاحة في زمانهم لمعالجة مشكلات واقعهم المباشر؛ ومن ثم فإن إضفاء طابع القداسة والإطلاق على هذه الاجتهادات التاريخية أو التعامل مع كتب التراث بوصفها حقائق معصومة لا يعبر عن حرص على الدين أو حماية للشريعة، بل ينطوي على ملق معطوب يمنح كلام البشر المتبدل صفة الإطلاق والخلود التي لا تجوز إلا للنص الإلهي وحده.
وتأسيساً على ذلك، يحذر التحليل من خطورة خلط البشرية بالإلوهية، مشيراً إلى أن رفع أفكار الرجال وآراء الفقهاء إلى مرتبة النصوص المقدسة يوقع الفكر في نمط من "الشرك المعرفي" أو إعطاء أنداد للنص، حيث تُخلع على أطروحات العلماء المتبدلة صفات الشمول والكمال الإلهي. إن هذا التقديس المفرط للقديم يحرم العقل المسلم من حق ممارسة التدبر المباشر، ويجعله أسيراً لإجابات أسئلة لم تعد هي أسئلة العصر، مما يؤدي إلى تجميد الفكر الفقهي واقتطاعه عن صيرورة الحياة الحية، وتحويل الدين من رسالة تحرر وحركة إلى أغلال أصولية تمنع النمو الحضاري.
وبناءً على هذه المقدمات المنهجية، يخلص الخشت إلى أن علوم الدين — بكونها علماً إنسانياً خالصاً يتناول نصاً مقدساً — يجب أن تخضع لقواعد التطور المعرفي والنسبية التي تسري على كافة العلوم الطبيعية والاجتماعية عبر التاريخ. فكما تتطور علوم الطب والسياسة والفيزياء بتوسع المعارف الإنسانية، يجب أن تتطور أدوات فهم النص ومناهج تأويله. ومن هنا يصبح الهدف الحضاري المطلوب ليس مجرد "إحياء علوم الأوائل" أو اجترار مدوناتهم التي صيغت لزمنها وواقعها، بل الذهاب مباشرة نحو "تطوير علوم الدين" و"تأسيس فهم ديني جديد" يمتلك أدوات معرفية حديثة، ليكون قادراً على الإجابة عن تعقيدات العالم المعاصر ويلبي احتياجات الإنسان في الراهن والمستقبل.
الفلسفة المقاصدية وضوابط النص (قطع الأوهام الأصولية)
تتجلى مرونة النص القرآني وعالميته الاستثنائية في قدرته البنيوية على استيعاب تعددية التأويل وتنوع الأفهام عبر العصور دون السقوط في فوضى القراءات العبثية؛ وذلك بفضل الهيكلية المعرفية للنص نفسه، والتي تنقسم إلى مساحتين رئيسيتين. المساحة الأولى هي "الأحكام المحكمة قطعية الدلالة"، وتتمثل في الثوابت الأخلاقية والعقائدية العظمى — كتوحيد الله، وحرمة قتل النفس، والزنا، والسرقة، وأكل مال اليتيم — وهي ثوابت مطلقة لا تقبل التبديل أو التغيير بتغير البيئات والأزمنة. أما المساحة الثانية، فتتشكل من النصوص الظنية والمقاصد العامة التي تفتح فضاءً واسعاً لاستيعاب المتغيرات الاجتماعية والحياتية وتحول الظروف البشرية.
وفي هذا الإطار المنهجي، ينقد الدكتور الخشت الأوهام السائدة لدى التيارات الأصولية المتزمتة التي تفرض لوناً واحداً من الفهم وتدعي احتكار الحقيقة؛ مستشهداً بسلوك كبار أئمة التراث أنفسهم الذين أدركوا نسبية الفهم البشري وتغيره. فالإمام أحمد بن حنبل — الذي يُصنف زوراً في الوعي الشائع كرمز للجمود — كان يورد في المسألة الفقهية الواحدة ثلاثة أو أربعة آراء مختلفة بناءً على تنوع المعروض عليه وتفاوت ظروف المستفتين؛ كما أن الإمام الشافعي لم يتردد في إعادة صياغة فقهه بالكامل وانتقاله من الفقه القديم في العراق إلى الفقه الجديد في مصر مراعاةً لتغير الواقع الاجتماعي والتطور المعرفي.
وانطلاقاً من هذه الشواهد التراثية، يبرز "الفقه المقاصدي" بوصفه البديل المعرفي الضروري لتجاوز مأزق "العقل القياسي المعطوب". فالعقل القياسي التراثي يصر على حصر الحاضر المستجد في زاوية الماضي الضيقة عبر البحث عن علل قديمة ليقيس عليها النوازل الحديثة، مما يؤدي إلى خنق الوقائع المستحدثة وتجميد حركة المجتمع. وفي المقابل، يتأسس الفقه المقاصدي على القاعدة الأصولية الذهبية التي تجعل "الإباحة هي الأصل في الأشياء"، ويربط بناء الأحكام بتحقيق المصالح الإنسانية ورعاية غايات الشريعة العليا في الواقع المعيش.
وبناءً على ذلك، يتجاوز الفقه المقاصدي استدعاء أوهام الماضي ليتجه بنظره نحو آليات المستقبل وفقه المآلات. إن ربط الحكم الشرعي بمدى تحقيقه للمصلحة العامة وتلاؤمه مع الفطرة السليمة والشرائط الواقعية يمنح الخطاب الديني مرونة حركية قادرة على مواكبة تحولات العصر؛ وبذلك تتحول الشريعة من مجموعة قيود وتضييقات تراكمت عبر القرون إلى أداة تحررية تفتح آفاق التطور الحضاري، وتضمن استمرارية صلاحية النص لكل زمان ومكان دون التفريط وثوابت الدين العظمى.
التوظيف السياسي ومصالح حراس التراث
تثبت القراءة الفاحصة للتاريخ الفكري أن الاستماتة الشرسة في الدفاع عن قداسة النتاجات التراثية ورفض النهج العقلاني النقدي لا تنبع من دوافع إيمانية مجردة أو حرص نقي على صون عقيدة الأمة، بل تستند إلى تقاطع حاد في المصالح الأيديولوجية والسياسية بين حراس التراث والسلطة. فالحديث عن قداسة الأفكار البشرية وتحنيطها يُعد الغطاء الأمثل لإخفاء شبكة ضخمة من النفوذ والهيمنة والمنافع التي تجنيها أطراف مختلفة من بقاء العقل العربي والإسلامي أسيراً للقديم؛ حيث يتحول الحفاظ على السائد والتسليم بالقيم الموروثة إلى دجاجة تبيض ذهباً لمن يتحدثون باسم هذا التراث ويروجون لكونهم حراسه الخالصين.
وعلى الصعيد الداخلي، تتجلى خطورة هذا التوظيف في الحلف البنيوي القديم بين السلطان السياسي والطبقة الفقهية والمؤسسات التقليدية؛ إذ احتاج الاستبداد دائماً إلى غطاء لاهوتي يسبغ الشرعية المطلقة على وجوده ويضمن انقياد الرعية وطاعتها دون مساءلة. وقد أدت تغذية الخطابات الجبرية وتكريس الفكر الأصولي السطحي إلى تحويل الأوضاع السياسية والاقتصادية القائمة والظلم الممارَس إلى مجرد "قضاء وقدر" ومشيئة إلهية لا يجوز التمرد عليها أو محاولة تغييرها؛ وهو النمط الذي يفرغ الفرد من فاعليته ويستبدل الوعي النقدي بالامتثال التام، ليغدو العجز السياسي والاجتماعي فضيلة إيمانية في عرف الأصولية التقليدية.
أما على الصعيد الخارجي، فتستفيد القوى الإقليمية والدولية والأصوليات المتربصة من إبقاء العقل العربي متخندقاً في صراعات الماضي السحيقة لاستكمال استراتيجية "فرق تسد". إن إعادة استدعاء المعارك العقائدية والتاريخية القديمة — كالسجالات المذهبية بين الأشاعرة والمعتزلة، والتطاحن بين السنة والشيعة، ومعارك الخوارج والفرق الكلامية — يُفرغ مجتمعاتنا من طاقتها الإنتاجية ويشغلها بحرب خنادق طائفية ومذهبية لا تنتهي؛ إذ تعتاش التيارات الأصولية والجهات المستفيدة على نفي الآخر وإقصائه لتضمن استمرار حالة التفكك والتشرذم الداخلي، مما يعطل مجتمعاتنا كلياً عن اللحاق بركاب الحداثة والتقدم العلمي والحضاري.
وفي هذا السياق المعقد، يستعيد الحوار لحظة مفصلية وفارقة في تاريخ الصراع الفكري والسياسي المبكر، والمتمثلة في المواجهة بين الإمام علي بن أبي طالب وفرقة الخوارج. فعندما رفع الخوارج شعارهم الشائع "لا حكم إلا لله" نتيجة الفهم الظاهري القاصر للقرآن، رد عليهم الإمام علي بوعي التأويل العميق قائلاً: "المصحف خط مستور بين دفتين لا ينطق، وإنما ينطق به الرجال". وتكمن الأهمية الاستثنائية لهذه المقوّلة التاريخية في كونها تجرد النص من التوظيف الأيديولوجي الصارم، وتؤكد بوضوح أن النص الإلهي الصامت يتجسد في الواقع عبر وعي المتلقي وأدواته البشرية المحدودة.
وتأسيساً على هذا الوعي العلوي المتقدم، ينكشف الوهم الأكبر الذي تتغذى عليه كافة التيارات الأصولية والسلطوية، والمتمثل في ادعاء امتلاك "الحقيقة المطلقة". إن تأكيد الإمام علي على أن القران ينطق به الرجال يقطع الطريق على أي فرد أو فرقة تنصب نفسها متحدثاً حصرياً باسم الله أو حارساً مفوضاً لمراد النص؛ فالحقيقة المطلقة ملك خالص لله وحده، وما ينتجه البشر ليس سوى أفهام نسبية ومقاربات حافة بالصواب والخطأ وتتحمل تبعاتها العقول البشرية في الحدود الزمنية والمكانية لعصرها.
المسؤولية الفردية وحق الفهم المباشر
تتأسس العقيدة الإسلامية — بحسب الرؤية التحليلية المطروحة — على ركيزة جوهرية ومحورية تتجلى في قاعدة "المسؤولية الفردية المباشرة" للإنسان أمام خالقه. فالخطاب القرآني يتجه بالأساس إلى ذات الفرد وعقله، مطالباً إياه بممارسة فعل التدبر المباشر والتفكر المستقل في آيات الكون والنص، وتحميله التبعة الكاملة عن قراراته المعرفية وأفعاله الأخلاقية والسلوكية. إن هذا الخطاب المباشر يرفع كرامة الإنسان ويكفل حريته العقلية، إذ يؤسس لعلاقة إيمانية متجاوزة تلغي تلقائياً أي هيمنة للوصاية الدينية أو ادعاء الوسطاء للكهنوت والسلطة الروحية التي تحاول احتكار الفهم والترجمانيّة الدينية.
وتأسيساً على ذلك، يتجلى في الطرح أن التكليف الإلهي لا يستقيم ولا يكتمل مداه إلا بمنح العبد الحرية الكاملة وحق الفهم الحر والتفكير المباشر في الرسالة السماوية. فالإيمان الشديد الواعي يتطلب عاطفة وعقلاً حاضرين ومسؤولين، ومن ثم فإن الركون إلى الاعتماد المريح على الفتاوى الجاهزة المستوردة، أو تسليم القياد والانصياع الأعمى لأمراء الجماعات وشيوخ التقليد، لا يعفي الفرد أخلاقياً ولا معنوياً أمام الله من تبعة خياراته. إن محاولة الهروب من عناء التفكير عبر الالتجاء إلى سلطة الأتباع لا تُسقط عن المكلف تبعات إعطاء العقل أو استقالته من وظيفته التي أمره بها النص القرآني.
وفي هذا السياق، ينقد التحليل المقولات السائدة داخل التنظيمات المغلقة؛ بمفاهيم مثل "السمع والطاعة المطلقة" أو اشتراط "تخلي المرء عن عقله عند باب الشيخ"، موضحاً أنها منتجات سياسية لأحزاب وأصوليات حركية صُممت لتدجين الفرد واستتباعه أيديولوجياً. تصادم هذه الأنماط الاستبدادية البنية التحررية الجوهرية لمبدأ الفردية الذي أقره النص القرآني وشدد عليه في غير موضع؛ إذ تعمل تلك الأصوليات على تحويل الكائن الفكري الحر إلى مجرد أداة منقادة في قطيع، مما يجرد الخطاب الإيماني من أبعاده العقلانية والإنسانية الشاملة.
وبناءً على هذه المعطيات، يخلص الطرح إلى إحياء المبدأ القرآني الأصيل الذي يضع نقطة النهاية لكل مظاهر الوصاية والتواكل المعرفي: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}. إن هذه الحقيقة الدينية الخالدة تؤكد أن الوقوف بين يدي الله سيكون موقفاً فردياً أحادياً لا تنفع فيه الاستناد إلى فتاوى الجماعة ولا التذرع بتقليد المتبوعين؛ مما يفرض على المسلم المعاصر أن يسترد حقه في التفكير الحر المباشر، ويكسر قيود التبعية التقليدية، ليمارس تكليفه الإلهي بروح نقدية واعية تتحمل مسؤولية الفهم والعمل في العالم الراهن.
هندسة التغيير المؤسسي (تجربة جامعة القاهرة أنموذجاً)
يتجاوز الحوار الأطر السجالية والنقد النظري المجرد ليتجه نحو تقديم نموذج تطبيقي عملي يُجسد كيفية تحويل الأفكار التجديدية إلى واقع مؤسسي ملموس من خلال تجربة تطوير جامعة القاهرة. تنطلق هذه التجربة الرائدة من تفكيك ميكانيزمات التلقي التقليدية وإحلال آليات العقلانيّة والنقد داخل المؤسسات التعليمية، إدراكاً بأن تحصين الشباب وحمايتهم من استقطاب الجماعات المتطرفة لا يمكن أن يتحقق لمجرد استبدال فكرة أصولية بأخرى معتدلة؛ فالرهان الحقيقي يكمن في تغيّر "ماكينة التفكير نفسها"، وتحويل أسلوب الاشتغال العقلي للطلاب من ثقافة الحفظ والاستظهار والاتكالية المعرفية إلى رحاب التحليل النقد والابتكار الإبداعي.
وترجمةً لهذه الأهداف على الأرض، شيدت التجربة مشروعها المنهجي عبر فرض مقرر دراسي موحد ومحتوى أساسي تحت مسمى "التفكير النقدي" على جميع طلاب الجامعة بلا استثناء، ممتداً من الكليات العلمية كالطب والهندسة إلى الكليات الإنسانية والاجتماعية كالتجارة والآداب. يستهدف هذا المقرر تزويد الطالب بالمهارات الذهنية والأدوات المنهجية التي تمكنه من التمييز الدقيق بين الحقائق والآراء، وتمحيص الشائعات والأخبار المغلوطة، واختبار منطقية البراهين وحجية القول بقطع النظر عن مكانة القائل، مما يساعد على تجاوز ما أسماه الفيلسوف فرانسيس بيكون بـ "وهم المسرح" وتفكيك السلطوية المعرفية بكافة أشكالها.
وفي مسار متوازٍ يدعم بناء الشخصية المستقلة، رُبط التفكير النقدي بالجانب التنموي والتطبيقي عبر إقرار مقرر "ريادة الأعمال"، الذي يسعى إلى تمكين الطالب من روح المبادرة الفردية وتنمية مهارات التفكير التأسيسي والإبداعي. يهدف هذا المسار إلى تحرير عقول الخريجين من الثقافة الاتكالية القديمة والمتمثلة في الانتظار النمطي للوظيفة الحكومية التقليدية، ودفعهم نحو ابتكار مشاريعهم الخاصة وصناعة فرصهم في السوق المعاصر، مما يعزز الفاعلية الفردية والاستقلال الاقتصادي والفكر الحر لدى الشباب.
ولم تتوقف هندسة التغيير المؤسسي عند استحداث هذه المقررات الحاكمة، بل امتدت لتشمل مراجعة شاملة وإعادة هيكلة واسعة النطاق لنحو 15 ألف مقرر دراسي بمختلف كليات الجامعة ومعاهدها. استهدفت هذه العملية إزاحة المناهج والمحاضرات التقليدية والارتقاء بالمحتوى الأكاديمي والبحثي ليتوافق مع المعايير والأعراف العلمية العالمية المعاصرة؛ لتصبح جامعة القاهرة نموذجاً عملياً يُحتذى به في تطوير التعليم العالي وتحويل المؤسسات التعليمية إلى حاضنات حقيقية لبناء الوعي النقدي، وتأسيس مواطن عقلاني قادر على مجابهة التحديات الحضارية للمستقبل.
واخيرا يقدم هذا الحوار خريطة طريق متكاملة للخروج من النفق الأصولي والتجريف الثقافي. إن معركة تجديد الفكر الإسلامي لن تكتب لها الغلبة بالجهود الفردية المعزولة أو بالشعارات السطحية، بل تتطلب دعماً مؤسسياً شاملاً يستهدف الثلاثية الذهبية لوعي المجتمع: التعليم، والمنابر الثقافية، والمنابر الدينية. فالرهان الحقيقي يكمن في بناء "المواطن النقدي" والمستقل، وإعادة تفعيل الفطرة الإنسانية السليمة عبر مناهج تعليمية تُعنى بقصة الحضارة الشاملة بدلاً من اختزال التاريخ في الحروب والتطاحن، مما يضمن صون ثوابت الدين وتأسيس عصر إنساني جديد يتسع للحداثة والازدهار.
