الجسد كمعركة هوياتية: أسباب تمركز الخطاب السلفي حول المرأة والضبط الجنسي

الثلاثاء 29/سبتمبر/2026 - 09:54 ص
طباعة الجسد كمعركة هوياتية: حسام الحداد
 
الجسد كمعركة هوياتية:
تُشكل السجالات الاجتماعية والقانونية حول قضايا الأسرة وسن الزواج نقطة اشتباك محورية بين الرؤى الحقوقية الحديثة والخطابات الأصولية المحافظة، حيث تسعى الأخيرة جاهدة لإعادة صياغة الأطر التشريعية وفق رؤى هوياتية ضيقة. ويبرز منشور الداعية هيثم طلعت على صفحته الشخصية على الفيسبوك كنموذج تطبيقي كاشف لبنية هذا الخطاب، إذ يتناول مسألة تحديد سن الزواج بـ 18 عاماً في التشريع المصري من منظور يُموه الفوارق الدلالية بين المفاهيم القانونية، ويستدعي النماذج الغربية في سياق انتقائي يستهدف تحشيد الشارع والمشرعين ضد القوانين المدنية الحامية للطفولة والأهلية القانونية.
إن خطورة هذا الطرح لا تقف عند حدود الملاعبة اللفظية أو المغالطات الاستدلالية، بل تمتد لتسليط الضوء على ظاهرة أكثر عمقاً في السلوك السياسي والفكر الجماعي للتيارات السلفية؛ وهي التمركز الدائم والمكثف حول قضايا المرأة، والجسد، والضبط الجنسي. فتفكيك هذا النص لا يقتصر على كشف الهشاشة المنطقية للحجة التشريعية المفرغة من سياقها فحسب، بل يمتد لتقديم قراءة سوسيولوجية وفكرية تشرح أسباب استدعاء هذه الملفات الشائكة وجعلها أداة رئيسية للتعبئة الجماهيرية وفرض الوصاية الرمزية على الفضاء العام.
 التضارب والخلط المنطقي في المنشور
يكشف التحليل الدقيق للمنشور عن بنية استدلالية هشة تعتمد على القفز بين المفاهيم المتباينة وممارسة الانتقائية المعرفية للوصول إلى نتائج موجهة مسبقاً. فالخطاب لا يكتفي بمجرد تقديم رؤية محافظة حول مؤسسة الزواج، بل يسعى لإضفاء مشروعية قانونية ومدنية عليها عبر الاستشهاد بأنظمة تشريعية غربية مع الإعراض الكامل عن فلسفتها السياقية، مما أوقع الطرح في سلسلة من التناقضات المنطقية والتلفيقات المفاهيمية التي تجعل الحجة تنتقض من داخلها قبل أن تفككها الردود المقابلة.
تتضح هذه الاختلالات عند فحص كيفية التعاطي مع المصطلحات القانونية المترجمة، وطبيعة المرجعيات المعيارية المُستدعاة، فضلاً عن الادعاءات المقترنة بالصالح العام والسكينة المجتمعية. وفيما يلي تفكيك تفصيلي للشرائح الثلاث الكبرى للتضارب المنطقي الوارد في المنشور:
1. المغالطة المفاهيمية: الخلط بين "سن الرضا عن الاتصال الجنسي" و"الأهلية القانونية للزواج"
تتأسس الحجة المركزية للمنشور على خلط مفهومي جسيم بين مقولتين قانونيتين تختلفان جذرياً في الأثر والهدف والفلسفة التشريعية؛ وهما "سن الرضا" (Age of Consent) و"سن الزواج القانوني" (Age of Marriage). فبينما يمثل سن الرضا النص الذي يحدد الحد الأدنى للسن الذي يُرفع عنده التجريم الجنائي عن الممارسة الجنسية الاختيارية بين الأفراد منعاً لاستغلال القاصرين جنائياً، فإن "سن الزواج" يتعلق بإبرام عقد مدني واجتماعي كامل الأركان يترتب عليه قيام أسرة وترتيب حقوق مالية ومدنية وإشهار رسمي وا لتزامات قانونية طويلة الأجل لا يمتلك المراهق أهليتها المدنية كاملة.
إن استشهاد المنشور بالقوانين الغربية التي تحدد سن الرضا بـ 14 أو 16 عاماً مطروحٌ في غير موقعه؛ لأن نفس هذه الأنظمة القانونية (في ألمانيا، وإيطاليا، وبريطانيا، والولايات المتحدة) تمنع إبرام عقد الزواج الرسمي وتكوين الأسر لمن هم دون سن الـ 18 إلا في أضيق الحدود القضائية وبشروط أهلية صارمة. ومن ثم، فإن محاولة إسقاط "رفع التجريم الجنائي عن الممارسة العلاِقية" في القانون الغربي كمبرر لـ "تشرعن وتزويج القاصرات" في القانون المصري يمثل قفزة غير منطقية تدلس على القارئ وتتجاهل طبيعة "عقد الزواج" بوصفه ميثاقاً ممتداً يتطلب نضجاً قانونياً واجتماعياً وإشرافاً مؤسسياً لا تتيحه مرحلة الطفولة أو المراهقة المبكرة.
2. تناقض المرجعيات: الاستشهاد بالنظام الغربي ثم وسم المخالفين بـ "التغريب"
يقع المنشور في تناقض إبستمولوجي (معرفي) صارخ يتعلق بالمرجعية التي يستند إليها لإثبات مشروعيته. فهو يبدأ طروحاته بالاستدلال بالأنظمة الغربية "العلمانية" ويعتبرها معياراً للصواب والواقعية، مستشهداً بنصوص قوانينها بل وبالمفاهيم القانونية الغربية المحددة مثل تشريعات "روميو وجوليت" ، متسائلاً بنبرة استنكار عن سبب الامتناع عن مجاراتها في البيئة الإسلامية، مما يجعل التشريع الغربي في هذه اللحظة الاستدلالية هو الحجة والمقياس الذي يُحتكم إليه.
لكن المنشور سرعان ما ينقلب على هذه المرجعية ذاتها في السطور التالية مباشرة؛ إذ يصف كل من يدعو إلى التريث والحفاظ على السن القانوني الحالي (18 عاماً) بأنه ينفذ أagenda "التغريب" و"النسوية". إن استخدام النموذج الغربي كشاهد ومستند لإثبات فكرة معينة، ثم الشروع فوراً في تحقير الخصوم وتخوينهم بذريعة التأثر بنفس هذا النموذج الغربي، يمثل ازدواجية معيارية وتناقضاً صريحاً؛ حيث يُصنع من "الغرب" حجة ومثالاً يُقتدى به حين يخدم الغرض التكتيكي، ويُحول إلى تهمة وسبّة يُرمى بها المخالفون حين يعارضون نفس الطرح.
3. التناقض بين شعار "العفة والسكينة" واختزال الأسرة في "الضبط الجنسي"
يعتمد المنشور على خطاب عاطفي يدعي الحرص على "طهارة المجتمع" و"عفة الشباب" للترويج لخفض سن الزواج أو فتح استثناءات واسعة لتزويج من هم دون سن الثامنة عشرة. غير أن التناقض هنا يكمن في الاختزال الشديد لمفهوم الأسرة والمصلحة الشرعية؛ إذ يتهم الخطاب بالحرص على المجتمع بينما ينادي عملياً بإقحام أطفال ومراهقين لم يكتمل نموهم البدني أو النفسي أو أهليتهم الاقتصادية في معمعة المسؤوليات الأسريّة المجهدة، وهو ما يتنافى مع مقاصد التشريع الحامي للطفولة والمتشوف لبناء أسر متماسكة.
إن هذا الطرح يتجاهل عمداً كافة معطيات العلوم الاجتماعية والطبية الحديثة التي تؤكد الآثار الكارثية للزواج المبكر، من ارتفاع معدلات التسرب من التعليم، وزيادة مخاطر الحمل والولادة على صحة الفتيات القاصرات، وارتفاع نسب الطلاق الناتجة عن غياب النضج الانفعالي والقدرة على إدارة الأزمات المادية والاجتماعية. وبذلك، يختزل هذا المنطق المؤسسة الأسرية برمتها في مجرد "قناة رسمية لتفريغ الشحنات الجنسية"، معطلاً المقاصد الكبرى للزواج القائمة على المودة، والسكن، والقدرة على التربية والرعاية، ومضحياً بالسلامة الجسدية والنفسية للقاصرين تحت شعار صوري للحفاظ على العفة.

 لماذا تركز الجماعات السلفية على قضايا المرأة والجنس؟
لا يمثل التركيز المكثف للخطاب السلفي المحافظ على المرأة وقضايا الجسد والعلاقات الأسرية مجرد انشغال عابر بأحكام الفقه الاجتماعي، بل يعكس بنية تفكير استراتيجية وأيدولوجية متكاملة. فالمرأة والجسد في هذا الخطاب يتحولان إلى متكأ رئيسي لإثبات الذات الفكرية، وأداة للتعبئة الجماهيرية، ومساحة بديلة لإثبات الحضور والسيطرة في فضاء عام تتراجع فيه قدرة هذه التيارات على التأثير في الملفات التنموية أو السياسية الكبرى.
يعتمد هذا التوجه على آليات سيكولوجية وسوسيولوجية تهدف إلى إعادة إنتاج مشروعية التيار أمام أتباعه والجمهور العام، من خلال تحويل السلوك الفردي وجسد المرأة إلى اختبار مستمر لـ "إيمان المجتمع" ومدى استقلاله عن النموذج الحضاري الغربي. وتتضح أبعاد هذا التركيز من خلال أربعة محاور تحليلية رئيسية:
1. السيطرة الرمزية والمساحة الأسهل للفرض السلطوي
تتطلب معالجة القضايا الكبرى في المجتمع — كالإصلاح الاقتصادي، وبناء دولة القانون، وحرية البحث العلمي، وتعزيز الإنتاجية — أدوات معرفية معقدة وبرامج عمل حقيقية، فضلاً عما تتضمنه من موازنات شاقة وتصادمات محتملة مع مراكز النفوذ والسلطة السياسية. أمام هذه التعقيدات، يجد الخطاب السلفي في تنظيم السلوك الشخصي وجسد المرأة والضوابط الأخلاقية المباشرة ساحة بديلة وميسورة لممارسة الفاعلية والتأثير، حيث يمكن تحشيد الرأي العام وحصد التأييد عبر مقولات حاسمة ومبسطة لا تتطلب خوض معارك مؤسسية معقدة.
تشكل المراقبة الأخلاقية لجسد المرأة وعلاقاتها "المجال الحيوي الأسهل" لإحكام السيطرة الرمزية وتثبيت التفوق الأخلاقي للتيار السلفي. إذ يتيح هذا الملف إمكانية مخاطبة الضمير الجمعي للمجتمع واستنفار نزعته المحافظة تحت شعارات جامعة كـ "حماية العفة" و"صيانة المقدسات"، مما يمنح قادة هذا الخطاب سلطة التوجيه والوصاية على الأفراد دون الحاجة إلى الاستثمار في حل المشكلات الهيكلية الأكثر إلحاقاً بحياة الناس اليومية.
2. المرأة كـ "رمز أخير للهوية" في مواجهة التحديث
في ظل الانخراط الواسع للمجتمعات المعاصرة في المظاهر المادية للتحديث — بدءاً من استخدام التكنولوجيا وأنظمة الإدارة الحديثة وصولاً إلى نمط الاستهلاك وملابس الرجال — تشعر التيارات الأصولية بتآكل الفوارق الثقافية والمظهرية التي تميزها عن غيرها. أمام هذا التحول الشامل، تتحول المرأة في مخيال هذه الجماعات إلى الرمز الثقافي والأخلاقي الأخير الذي يجب التمسك به والقتال من أجله لخوض معركة التمايز الحضاري وإثبات الأصالة الهوياتية.
تُصبح حراسة جسد المرأة، وضبط سن زواجها، وتقييد حركتها أو أدوارها الاجتماعية، المقياس الأساسي لمدى صمود الأمة أمام موجات التحديث وعولمة القيم. وبناءً على هذه الرؤية، يُفسر أي تعديل في وضع المرأة القانوني أو الحقوقي — حتى لو كان يستهدف حمايتها أو رفع الضرر عنها — بوصفه اختراقاً للهوية واعتداءً على الخصوصية الثقافية وتراجعاً أمام "التغريب"، مما يحول ملف المرأة من قضية حقوقية أو اجتماعية إلى معركة بقاء ذات طابع عقائدي.
3. اختزال الأخلاق والشريعة في "الضبط الجنسي"
ينطلق الخطاب السلفي من رؤية إنثروبولوجية تبسيطية تعتبر أن "الشهوة والجنس" هما الغريزة المحركة والمهيمنة على السلوك البشري، وأن الانفلات الأخلاقي الجنسي يمثل التهديد الوجودي الأكبر لسعادة المجتمع واستقراره. ووفق هذا المنظور، لا يُرى الخطر الحقيقي في انتشاره الفعلي على شكل جهل أو فقر أو فساد إداري وتفاوت اجتماعي، بل يُختزل الخطر الأسمى في "الفاحشة، والتبرج، والاختلاط"، باعتبارها مسببات الغضب الإلهي والانهيار الحضاري.
يترتب على هذا الاختزال إعادة ترتيب الأولويات التشريعية والأخلاقية لدى هذه الجماعات؛ بحيث يصبح تنظيم الجسد، وتضييق سبل الاختلاط، وتسهيل منافذ التفريغ الجنسي المحتواة رسمياً — كالتعجيل بالزواج والدعوة إليه في أعمار مبكرة أو شرعنة التعدد — هو رأس قائمة الواجبات الدينية والاجتماعية. وبذلك، تُسقط المقاصد الكبرى للشريعة المتعلقة بالعدل والحرية وعمارة الأرض، لتتمركز المنظومة الأخلاقية برمتها حول هاجس الضبط الجنسي وحراسة الفضيلة الظاهرة.
4. تأطير الصراع وفق استقطاب ثنائي مبسط
يوفر التركيز على قضايا المرأة والجنس للتيار السلفي خطاطة ذهنية واستراتيجية اتصالية شديدة الفعالية في حشد الجمهور، تعتمد على تقسيم العالم إلى فسطاطين لا ثالث لهما: (حماة الشرع والعفة والدين) في مقابل (دعاة الانحلال والتغريب والنسوية). هذا التقسيم الحاد يمنح الخطاب قوة تبسيطية هائلة، حيث يُلغى أي نقاش موضوعي أو تحليل علمي للقوانين والسياسات الاجتماعية، ويُستبدل بدمغ المخالفين بالتبعية للخارج أو محاربة أحكام الدين.
يُسهم هذا الاستقطاب الثنائي في شحن الأتباع والجمهور بعاطفة دافعية قوية، حيث يُصور كل سجال حول سن الزواج أو حقوق المرأة وكأنه معركة فاصلة بين الحق والباطل. وتكمن الميزة العملية لهذا التكتيك بالنسبة للجماعات السلفية في قدرته على تعزيز الولاء التنظيمي والجماهيري واستدعاء الدعم والتمويل، دون أن يفرض على هذه الجماعات الاستحقاق التنموي أو تقديم حلول عملية واقتصادية واقعية للأزمات المعقدة التي تعاني منها المجتمعات.

خطورة خطاب هيثم طلعت والخطابات المماثلة
تكمن الخطورة الفعيلة لخطاب هيثم طلعت وأمثاله من دعاة التيار السلفي في قدرته على تزييف الوعي القانوني والاجتماعي وتمرير أفكار تمس السلامة الجسدية والنفسية للقاصرين تحت غطاء براق من "الدفاع عن الشريعة والعفة". إن التدليس المفهومي الذي يمارسه عبر الخلط العمدي بين "فك التجريم عن الاتصال الجنسي" (Age of Consent) و"الأهلية لبناء أسرة" (Age of Marriage)، يهدف بالأساس إلى صناعة ضغط شعبي على المشرع لتفكيك الضمانات القانونية التي تحمي الفتيات من ظاهرة زواج القاصرات وما يترتب عليها من تسرب تعليمي ومخاطر صحية وارتفاع لمعدلات الطلاق. والأخطر من ذلك هو الشحن الاستقطابي المستمر الذي يمارسه هذا الخطاب بشرعنة وصاية المجتمع على الجسد، وتخوين المؤسسات الحقوقية والمدنية بدمغها بـ "التغريب"، وهو ما يعطل التنمية المجتمعية الحقيقية ويختزل مقاصد الشريعة الكبرى في مجرد هاجس دائم للضبط الجنسي والمراقبة الأخلاقية.

شارك