مذبحة «سيفو» تدخل مناهج التعليم الهولندية
الثلاثاء 29/سبتمبر/2026 - 10:44 ص
طباعة
روبيرالفارس
..
في تطور يحمل دلالة خاصة على مستوى الذاكرة التاريخية والتعليم في أوروبا، أُدرجت الإبادة الجماعية التي تعرض لها الآشوريون والسريان والكلدان خلال الحرب العالمية الأولى، والمعروفة باسم «سيفو»، في كتاب التاريخ الهولندي المخصص لطلاب التعليم الثانوي في هولندا.
وبحسب «Comité 1915»، وهي جهة هولندية تنشط منذ سنوات في إحياء ذكرى الضحايا والدفع نحو إدراج تاريخهم في المجال العام والتعليم، يتناول الكتاب العنف الجماعي الذي وقع في الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، ويشير إلى السريان/الآراميين/الآشوريين والكلدان واليونانيين، إلى جانب الأرمن، باعتبارهم من بين الجماعات المسيحية التي تعرضت للقتل والتهجير والعنف الجماعي. وقد نقلت تقارير حديثة، في 24 سبتمبر 2026، عن اللجنة أن إدراج «سيفو» في الكتاب يمثل نتيجة لحملة امتدت عقودًا داخل هولندا.
وتكتسب الخطوة أهميتها من أن الحديث لا يدور عن كتاب متخصص في تاريخ الآشوريين أو السريان، وإنما عن كتاب مدرسي يدخل ضمن التعليم التاريخي العام لطلاب المدارس الثانوية. وتظهر المصادر التعليمية الهولندية أن سلسلة «Feniks» تتضمن بالفعل دراسة الحرب العالمية الأولى، ومن موضوعاتها «الإبادة الأرمنية»، وهو الإطار الذي يأتي ضمنه تناول العنف الذي طال جماعات مسيحية أخرى في الدولة العثمانية.
من «الإبادة الأرمنية» إلى صورة أوسع للعنف العثماني
أحد أهم أبعاد التطور الهولندي هو أنه يوسع الصورة التي ظلت لسنوات طويلة تركز بصورة شبه أساسية على الأرمن وحدهم.
فالدراسات الأكاديمية الحديثة تناولت «سيفو» باعتبارها جزءًا من سياق أوسع للعنف الجماعي الذي أصاب المسيحيين الأصليين في الأناضول وبلاد الرافدين خلال الحرب العالمية الأولى. ويشير المؤرخ ديفيد غاونت إلى أن الجماعات التي تعرضت للقتل والتطهير شملت الآشوريين والسريان والكلدان، إلى جانب جماعات أخرى، وأن موجات العنف بلغت ذروتها خلال عام 1915.
كما خصص غاونت ونورس عطو وسونر أو. بارثوما كتابًا أكاديميًا بعنوان «Let Them Not Return: Sayfo»، تناول بصورة مباشرة تاريخ الإبادة التي تعرض لها الآشوريون والسريان والكلدان، إلى جانب آثارها النفسية والاجتماعية والدينية والسياسية وذاكرتها الممتدة عبر الأجيال.
ويُستخدم مصطلح «سيفو» للدلالة على تلك المأساة، وهو مصطلح آرامي يعني «السيف». وقد أصبح المصطلح جزءًا أساسيًا من الذاكرة الجماعية لدى قطاعات واسعة من الآشوريين والسريان والكلدان، بينما تتعامل الدراسات الأكاديمية الحديثة بصورة متزايدة مع الحدث بوصفه موضوعًا مستقلاً للبحث، وليس مجرد هامش في دراسة الإبادة الأرمنية.
لماذا يمثل الكتاب المدرسي أهمية أكبر من الاعتراف الرمزي؟
القيمة الأساسية لهذه الخطوة ليست في مجرد ظهور كلمة «آشوريين» أو «سريان» في كتاب، وإنما في انتقال الحدث من نطاق الذاكرة الخاصة إلى المعرفة العامة.
فعندما يقرأ الطالب الهولندي تاريخ الحرب العالمية الأولى، لا يعود العنف في الدولة العثمانية مرتبطًا في وعيه فقط بالجبهة العسكرية أو بالإبادة الأرمنية، وإنما يصبح قادرًا على رؤية تعدد الجماعات المسيحية التي تعرضت للعنف والتهجير والقتل.
وهذا التحول له أهمية خاصة بالنسبة للآشوريين والسريان والكلدان في أوروبا، لأن إحدى المشكلات التي واجهت ذاكرتهم التاريخية لعقود تمثلت في محدودية حضور «سيفو» في المناهج العامة، مقارنة بحضورها داخل الكنائس والجمعيات والفعاليات التذكارية.
وتشير «Comité 1915» إلى أن جهود التعريف بالمأساة في هولندا تعود إلى عقود، وأن العمل المنظم أخذ شكلًا أكثر وضوحًا بعد تأسيس اللجنة عام 2014، من خلال إحياء الذكرى والمعارض والنشر والعمل العام والمطالبة بإدراج تاريخ الجماعة في التعليم الهولندي.
هولندا.. من البرلمان إلى المدرسة
الإدراج في الكتاب لا يأتي منفصلًا عن مسار سياسي ومجتمعي طويل داخل هولندا.
ففي فبراير 2021، أقر مجلس النواب الهولندي بأغلبية واسعة قرارًا تناول إبادة الأرمن عام 1915، وأشار نص القرار صراحة إلى أن الآراميين والآشوريين واليونانيين البنطيين كانوا أيضًا من ضحايا تلك الأحداث. وحصل القرار على 146 صوتًا مؤيدًا مقابل 3 أصوات معارضة.
وفي عام 2023، عاد النقاش إلى البرلمان الهولندي، حيث طُرحت دعوة إلى استخدام تعبير «الإبادة الأرمنية» بدلًا من تعبير «قضية الإبادة الأرمنية»، مع الإشارة مرة أخرى إلى الآراميين والآشوريين واليونانيين البنطيين ضمن الضحايا.
ومن هنا يمكن فهم أهمية انتقال القضية إلى المدرسة: فهناك فرق بين أن يرد موضوع «سيفو» في بيان سياسي أو مناسبة سنوية لإحياء الذكرى، وبين أن يصبح جزءًا من المادة التي يدرسها الطالب في إطار التاريخ الأوروبي والعالمي.
تأثير محتمل على الأجيال الجديدة
أول تأثير متوقع هو إعادة تشكيل الوعي التاريخي لدى أبناء الجاليات الآشورية والسريانية والكلدانية في هولندا.
فبالنسبة إلى أبناء الجيل الثاني والثالث، الذين ولدوا ونشأوا داخل المجتمع الهولندي، يمثل وجود تاريخ أجدادهم في كتاب مدرسي هولندي نوعًا من الانتقال من «ذاكرة الأسرة والجالية» إلى «التاريخ العام» الذي يتعلمه جميع الطلاب.
والأمر نفسه يمكن أن يؤثر في الطلاب من خارج هذه الجاليات، إذ يتيح لهم التعرف على تاريخ جماعة ربما لا تظهر كثيرًا في الكتب المدرسية الأوروبية، رغم أن وجودها التاريخي في الأناضول وبلاد الرافدين سابق بقرون طويلة على نشوء الدول القومية الحديثة في المنطقة.
وتكتسب المسألة أهمية إضافية لأن الدراسات الحديثة لم تعد تنظر إلى آثار «سيفو» باعتبارها خسائر بشرية فقط، وإنما تبحث كذلك في آثارها على الكنائس والقيادات الدينية والهوية الجماعية والهجرة والذاكرة النفسية عبر الأجيال. وقد خصص الكتاب الأكاديمي الذي حرره غاونت وعطو وبارثوما فصولًا لهذه الجوانب، بما فيها انتقال الخوف وعدم الثقة بين الأجيال.
أثر آخر.. إعادة تعريف حضور المسيحيين في تاريخ المنطقة
لإدراج «سيفو» في كتاب تاريخ هولندي أثر يتجاوز الجالية نفسها؛ فهو يساعد على تقديم تاريخ المسيحيين في الشرق الأوسط بوصفه جزءًا من التاريخ العام للمنطقة، وليس مجرد تاريخ كنسي أو ديني.
فالآشوريون والسريان والكلدان ليسوا جماعات ظهرت نتيجة الهجرة الحديثة إلى أوروبا، وإنما شعوب ذات جذور تاريخية عميقة في بلاد الرافدين والأناضول، وقد أدى العنف والتهجير في بدايات القرن العشرين إلى إعادة تشكيل وجودهم الجغرافي بصورة كبيرة.
ومن هذه الزاوية، فإن إدراج «سيفو» في المناهج الهولندية يمكن أن يساهم في تفسير جانب من تاريخ الهجرة المسيحية إلى أوروبا، وربط وجود الجاليات الحالية بتاريخ أقدم من موجات الهجرة المعاصرة.
هل يعني ذلك نهاية الجدل؟
ليس بالضرورة.
فإدراج الحدث في كتاب مدرسي لا يعني أن جميع التفاصيل التاريخية أصبحت محل اتفاق سياسي أو أكاديمي كامل، ولا يعني تلقائيًا أن «سيفو» أصبحت موضوعًا مركزيًا في المناهج الهولندية. كما أن التقارير المتاحة حاليًا توضح أن المعلومات المنشورة عن الكتاب تركز على إدراج الجماعات ضمن سياق العنف الجماعي في الدولة العثمانية، ولا تكشف بصورة كاملة حجم المساحة المخصصة لـ«سيفو» أو طريقة عرضها أو عدد الصفحات التي تتناولها.
وهذه نقطة مهمة في التعامل الصحفي مع الخبر؛ فالأدق القول إن «سيفو دخلت كتابًا مدرسيًا هولنديًا للتعليم الثانوي»، وليس أن هولندا أعادت كتابة تاريخ الحرب العالمية الأولى بالكامل أو أن الإبادة الآشورية أصبحت مادة مستقلة واسعة في كل المناهج الهولندية.
من الذاكرة إلى التعليم
ربما تكمن أهم دلالة في أن المعركة على الذاكرة التاريخية لم تعد تجري فقط في ساحات إحياء الذكرى أو أمام البرلمانات، وإنما وصلت إلى صفحات الكتب التي يحملها الطلاب داخل الفصول.
فعلى مدى عقود، عملت المؤسسات الآشورية والسريانية والآرامية والكلدانية في هولندا على إبقاء ذكرى 1915 حاضرة. وتشير «Comité 1915» إلى أن نشاطها شمل التوعية العامة وإحياء الذكرى والمناصرة السياسية والثقافية والتعليمية، فيما تقام سنويًا فعاليات لإحياء ذكرى الضحايا في هولندا.
والنتيجة الحالية لا تعني أن صفحة التاريخ أغلقت، بل تعني أن جيلًا جديدًا من الطلاب الهولنديين بات يمتلك فرصة للتعرف على قصة كانت لفترة طويلة بعيدة عن الكتب المدرسية العامة.
وبالنسبة للآشوريين والسريان والكلدان، فإن أهمية هذه الخطوة تكمن تحديدًا في نقل «سيفو» من كونها ذاكرة يتوارثها أبناء الضحايا داخل البيوت والكنائس والجمعيات، إلى جزء من التاريخ الذي يتعلمه الآخرون أيضًا.
وهنا يصبح التعليم أحد أهم أدوات حفظ الذاكرة: ليس فقط لكي يتذكر أبناء الضحايا ما حدث لأسلافهم، وإنما لكي يعرف المجتمع الذي يعيشون فيه أيضًا أن تاريخهم جزء من تاريخه.
