نوتردام.. سبع سنوات من النار إلى الصلاة: لغز الحريق لم يُحسم، و فرنسا لم تغلق التحقيق

الثلاثاء 29/سبتمبر/2026 - 10:46 ص
طباعة نوتردام.. سبع سنوات روبير الفارس
 


قبل سبع سنوات، وقف العالم أمام ألسنة النار وهي تلتهم كاتدرائية نوتردام في قلب باريس، في مشهد بدا وكأن جزءًا من الذاكرة الأوروبية والتاريخ المسيحي لفرنسا ينهار أمام الكاميرات. وفي 15 أبريل 2019، التهم الحريق سقف الكاتدرائية التاريخي وأسقط البرج الشهير، فيما ظل مصير البناء نفسه معلقًا لساعات بين النيران والانهيار.
لكن نوتردام عادت اليوم إلى الحياة.
وفي 25 سبتمبر 2026، وقف البابا لاون الرابع عشر داخل الكاتدرائية التي أعيد افتتاحها بعد عملية ترميم هائلة، ليحول المكان من رمز للكارثة إلى مساحة للصلاة والرجاء. وقال في عظته إن العالم قبل سبع سنوات شاهد الكاتدرائية وهي تحترق، وإن المأساة كشفت أن نوتردام ليست مجرد أثر معماري، بل مكان تتقاطع فيه ذاكرة الشعب ومستقبل المدينة والبعد الروحي. 
لكن خلف مشهد القيامة المعمارية، بقي سؤال لم تجد الشرطة الفرنسية له إجابة نهائية حتى الآن: كيف بدأ الحريق؟

هل عثرت فرنسا على من أحرق نوتردام؟

الإجابة الأدق هي: لا، ولم تثبت التحقيقات أن أحدًا أحرقها عمدًا.
منذ الساعات الأولى للحريق، فتحت السلطات الفرنسية تحقيقًا واسعًا. وفي يونيو 2019 أعلن مكتب المدعي العام في باريس أنه لا توجد في ذلك الوقت مؤشرات تدعم فرضية الأصل الجنائي للحريق، وأن التحقيق يركز على احتمالات من بينها خلل كهربائي أو سيجارة لم تُطفأ جيدًا. وفتح القضاء تحقيقًا ضد مجهول بشأن أضرار غير عمدية بسبب الحريق، مع بحث المسؤوليات المحتملة عن أي إخفاقات في إجراءات السلامة
وبمرور السنوات، لم تظهر أدلة تقود إلى شخص تعمد إشعال الكاتدرائية. وفي أبريل 2025، كان التحقيق لا يزال مفتوحًا، ولم يكن أي شخص قد وُجهت إليه تهمة في القضية. وأشارت التحقيقات إلى أنها استندت إلى مئات الإفادات والتقارير الفنية، ونحو ألف صفحة من الإجراءات، و96 قطعة من الأدلة المحرزة، إلى جانب عمليات فحص فنية متقدمة لموقع الحريق. 
وهنا تظهر المفارقة: بعد سبع سنوات، لا يوجد "حارق لنوتردام" يمكن للشرطة الفرنسية أن تقدمه إلى القضاء، لأن فرضية الحريق العمد نفسها لم تثبت.
بل إن التحقيقات استبعدت مبكرًا المسار الجنائي، مع استمرار البحث في الأسباب العرضية والمسؤوليات المحتملة المرتبطة بسلامة موقع الترميم. 

من الحريق إلى إعادة البناء

المفارقة الأخرى أن عدم معرفة السبب النهائي لم يمنع الدولة الفرنسية من التعامل مع الحريق باعتباره قضية عامة تستحق أعلى درجات التحقيق والحماية.
ففي الوقت الذي كانت فيه النيران تلتهم السقف والبرج، بدأت لاحقًا واحدة من أكبر عمليات ترميم الكاتدرائية في التاريخ الحديث. وأعيد افتتاح نوتردام في ديسمبر 2024، بعد أعمال ضخمة شارك فيها مئات الحرفيين والشركات، لتعود الكاتدرائية إلى الصلاة بعد أكثر من خمس سنوات من الكارثة. 
واللافت أن عملية إعادة البناء لم تكتفِ باستعادة ما تهدم، بل أضيفت منظومة واسعة للوقاية من الحرائق، تشمل أنظمة رش وضباب داخل الهيكل، وكاميرات حرارية، وأنظمة إنذار ومراقبة، إلى جانب عشرات الكاميرات ومنظومات كهرباء مستقلة. 
وهكذا أصبحت نوتردام درسًا مزدوجًا: قد لا تستطيع الدولة دائمًا معرفة اللحظة الأولى التي بدأت فيها الكارثة، لكنها تستطيع أن تحقق، وتفحص، وتحفظ الأدلة، وتبحث عن المسؤوليات، ثم تعيد بناء ما تهدم.

لكن ماذا يحدث عندما تكون الجريمة جريمة واضحة؟

هنا تأتي المقارنة مع مناطق أخرى من العالم، خصوصًا الدول التي تعاني من حروب أهلية أو ضعف أمني ومؤسسات قضائية محدودة.
المفارقة أن بعض الجرائم ضد الكنائس والمصلين في الشرق الأوسط وأفريقيا لا تحمل الغموض نفسه الذي أحاط بحريق نوتردام؛ ففي عدد من الحالات يكون هناك هجوم مسلح أو تفجير أو قتل موثق، وقد تتبنى جماعة متطرفة المسؤولية أو تتوافر أدلة على هوية المنفذين، ومع ذلك قد يستغرق الوصول إلى العدالة سنوات، أو لا يصل إلى نهايته أصلًا.
وفي نيجيريا، مثلًا، وقع هجوم كنيسة القديس فرنسيس الكاثوليكية في أوو عام 2022، والذي أدى إلى مقتل عشرات المصلين وإصابة أكثر من 100 شخص. وبعد سنوات من الجريمة، بدأت محاكمة متهمين، ثم أصدرت محكمة نيجيرية في يونيو 2026 أحكامًا بالإعدام على أربعة رجال بعد إدانتهم في القضية. 
وهذه الحالة تحديدًا تقدم مقارنة أكثر دقة من القول إن "كل جرائم العالم الثالث بلا محاسبة": فحتى في الدول التي تعاني من مشكلات أمنية وقضائية، يمكن أن تصل بعض القضايا إلى المتهمين والمحاكم. لكن المسار قد يكون أطول وأكثر تعقيدًا، كما أن قضايا أخرى تظل فيها هوية المنفذين أو الجهة المسؤولة غير محسومة.
وفي سوريا، على سبيل المثال، أدى تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق في يونيو 2025 إلى مقتل 25 شخصًا على الأقل وإصابة العشرات. وأعلنت السلطات السورية لاحقًا أن الهجوم نفذته خلية مرتبطة بتنظيم داعش، وقالت إنها ألقت القبض على عدد من الأشخاص المرتبطين بها. 
أما في هجمات أخرى في مناطق النزاعات، فتظل المسؤولية غير محسومة أو لا تصل القضية إلى محاكمة علنية، خصوصًا عندما تكون المنطقة نفسها خارج سيطرة دولة مركزية قادرة على إجراء تحقيق جنائي كامل.

 الفارق ليس في حجم الجريمة فقط.. 

وهنا تكمن الزاوية الأهم في قصة نوتردام.
فالمقارنة لا ينبغي أن تكون بين "فرنسا التي تعرف الجناة" و"دول أخرى لا تعرفهم"، لأن هذه ليست الحقيقة في حالة نوتردام. فرنسا نفسها لم تعرف حتى الآن السبب النهائي للحريق.
الفارق الأكثر أهمية هو أن الدولة الفرنسية استطاعت أن تجعل عدم معرفة السبب نتيجة لتحقيق طويل، لا ذريعة لإغلاق الملف.
سبع سنوات مرت، ولم تعلن الشرطة الفرنسية اسم شخص باعتباره "حارق نوتردام"، لأن الأدلة لم تثبت وجود حريق متعمد أصلًا. وفي المقابل، فإن قيمة التحقيق تظهر في حجم العمل الذي جرى لاستبعاد الفرضيات وفحص الأدلة وتحديد المسؤوليات المحتملة.
وهذا يطرح سؤالًا أكبر يتجاوز نوتردام: ماذا يحدث للضحايا عندما تقع جريمة واضحة في بيئة لا تملك المؤسسات فيها القدرة على جمع الأدلة أو حماية الشهود أو ملاحقة المتهمين أو ضمان محاكمة عادلة؟

في نوتردام، بقي السؤال مفتوحًا، لكن المؤسسات بقيت تعمل.
وفي أماكن أخرى من العالم، قد يكون السؤال أكثر قسوة: مَن قتل؟ ومن أحرق؟ ومن فجّر؟ ولماذا لا نعرف حتى الآن؟

 من الرماد إلى الصلاة

وربما لهذا اكتسبت عودة البابا لاون الرابع عشر إلى نوتردام هذا الأسبوع معنى يتجاوز الاحتفال بإعادة افتتاح مبنى تاريخي.
فالكاتدرائية التي شاهدها العالم وهي تحترق قبل سبع سنوات، استقبلت البابا اليوم وهي مضاءة وممتلئة بالصلاة.
وفي عظته، دعا لاون الرابع عشر الكنيسة الفرنسية إلى أن تكون حاضرة وقريبة ومنفتحة، وأن تتحول نوتردام المعاد بناؤها إلى فرصة للقاء، لا مجرد انتصار هندسي على الحريق. 
وهكذا بقي لغز النار بلا جواب نهائي، لكن الكاتدرائية نفسها قدمت جوابًا آخر: قد لا تعرف الدولة دائمًا كيف بدأت النار، لكنها تستطيع أن ترفض أن تنتهي القصة عند الرماد.
ومن نوتردام، ربما تكون الرسالة الأهم للعالم الذي يمتلئ بالكنائس المحترقة والضحايا الذين لا يجدون العدالة: ليست قيمة الدولة في أنها تعرف كل شيء، وإنما في قدرتها على البحث عن الحقيقة، وحفظ حق الضحية في أن يظل السؤال مفتوحًا حتى تظهر الإجابة.

شارك