بعد 11 عامًا على إعدامهم.. ثلاثة آشوريين في ذاكرة الجريمة الداعشية

الثلاثاء 29/سبتمبر/2026 - 10:47 ص
طباعة بعد 11 عامًا على روبيرالفارس
 


تحل هذه الأيام الذكرى الحادية عشرة لإعدام ثلاثة آشوريين على يد تنظيم داعش، بعد أشهر من اختطافهم خلال الهجوم الذي شنه التنظيم على القرى الآشورية المنتشرة على ضفاف نهر الخابور في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، في واحدة من أكثر عمليات الخطف الجماعي التي تعرض لها المسيحيون في سوريا خلال سنوات الحرب.

وتعيد الذكرى إلى الواجهة قصة ثلاثة رجال تحولوا إلى رموز لمعاناة مئات الآشوريين الذين وقعوا في قبضة التنظيم، بعدما اجتاح داعش في 23 فبراير 2015 عددًا من القرى الآشورية في منطقة الخابور، وأجبر سكانها على الفرار، فيما اقتاد مئات المدنيين، بينهم نساء وأطفال ومسنون، إلى الأسر. وتشير مصادر حقوقية ودولية إلى أن عدد المختطفين بلغ نحو 253 آشوريًا، فيما تتحدث مصادر أخرى عن أعداد متفاوتة بحسب مراحل الهجوم والحصر. 
وكان الهجوم قد استهدف قرى على الضفة الجنوبية لنهر الخابور، من بينها تل شميران وتل جزيرة وتل هرمز وتل طلا وغيرها، في المنطقة المحيطة بتل تمر. وأكدت وكالة فيدس الكاثوليكية آنذاك أن مقاتلي التنظيم هاجموا القرى في الساعات الأولى من 23 فبراير، وأحرقوا أو ألحقوا أضرارًا بعدد من الكنائس، واختطفوا عشرات السكان. 

 253 آشوريًا في قبضة داعش

لم يكن الاختطاف حادثًا عابرًا، بل تحول إلى عملية احتجاز جماعي استمرت أشهرًا، واستخدم خلالها التنظيم الرهائن وسيلة للضغط والمساومة وطلب الفدية.
ووفق تقرير للمؤسسة الآشورية الأمريكية، ألقى داعش القبض على 253 من سكان القرى الآشورية، كان كثير منهم من النساء والأطفال وكبار السن، فيما أدى الهجوم إلى إفراغ القرى من سكانها تقريبًا. كما وثقت تقارير أخرى عمليات تفاوض وإفراج عن مجموعات من الأسرى على مراحل، وسط مطالب مالية مقابل إطلاق سراحهم. 
وكان البرلمان الأوروبي قد وثق في مارس 2015 اختطاف نحو 220 آشوريًا في المرحلة الأولى من الهجوم، مشيرًا إلى أن التنظيم استولى على عدد من القرى الواقعة على نهر الخابور، قبل أن تبدأ عمليات الإفراج عن بعض المختطفين. 
ومع مرور الشهور، بقي مصير عشرات الرهائن معلقًا بين المفاوضات والفدية والتهديد بالقتل.

الجريمة في الصحراء

في صباح 23 سبتمبر 2015، اقتاد تنظيم داعش ثلاثة من الرهائن إلى منطقة صحراوية في محيط الشدادي، ونفذ بحقهم الإعدام بإطلاق النار.
والضحايا الثلاثة هم:
الدكتور عبد المسيح عزاريا نويا، من قرية تل جزيرة.
آشور إبراهيم، من قرية تل جزيرة.
بسام عيسى ميشائيل، من قرية تل شميرام.
وفي تسجيل مصور نشره التنظيم لاحقًا، ظهر الرجال الثلاثة وهم يرتدون الزي البرتقالي، قبل أن يقدم كل منهم نفسه ويذكر اسم قريته، ثم أطلق عناصر التنظيم النار عليهم. وذكرت وكالة فيدس الكاثوليكية، في تقريرها المنشور في 8 أكتوبر 2015، أن التسجيل أظهر أيضًا ثلاثة رهائن آشوريين آخرين وهم يقفون أمام جثث الضحايا، في رسالة تهديد واضحة لبقية الأسرى وعائلاتهم. 
وتشير المصادر المعاصرة إلى أن الإعدام نفسه وقع في 23 سبتمبر، بينما ظهر تسجيل الجريمة إلى العلن في أكتوبر 2015، وهو تفصيل مهم في توثيق التسلسل الزمني للحادثة. 

 الخابور.. قرى تحولت إلى ذاكرة للتهجير
لم تقتصر مأساة الخابور على اختطاف الرهائن الثلاثة أو بقية الأسرى، إذ أدى هجوم داعش إلى نزوح واسع للوجود الآشوري من المنطقة.
فقد كانت قرى الخابور تمثل أحد أهم التجمعات الآشورية في سوريا، واستقر فيها الآشوريون منذ عقود، قبل أن تأتي الحرب السورية وتصاعد تنظيم داعش ليضعا هذا الوجود أمام واحدة من أخطر موجات التهجير.
وتشير دراسة للمؤسسة الآشورية إلى أن سكان القرى، الذين كان عددهم يقدر بنحو 3 آلاف شخص في ذلك الوقت، فروا باتجاه الحسكة والقامشلي، فيما أصبحت القرى خالية تقريبًا من سكانها الآشوريين بعد هجوم التنظيم. 
وبذلك لم يكن اختطاف الرهائن مجرد جريمة ضد أفراد، وإنما جزءًا من عملية أوسع أدت إلى تفريغ قرى تاريخية من سكانها المسيحيين، وتدمير جانب من النسيج الاجتماعي الآشوري في منطقة الخابور.

 جريمة لا تختفي بمرور السنوات

بعد مرور 11 عامًا، لا تزال أسماء عبد المسيح نويا وآشور إبراهيم وبسام ميشائيل مرتبطة في الذاكرة الآشورية بمرحلة سوداء من تاريخ الخابور، حين وجد مئات المدنيين أنفسهم أسرى لدى تنظيم أعلن صراحة استهداف الأقليات الدينية واستخدم الخطف والقتل والترهيب وسيلة لإخضاع المجتمعات التي سيطر عليها.
كما أصبحت قضيتهم جزءًا من الذاكرة الأوسع للمسيحيين في سوريا والعراق الذين تعرضوا خلال سنوات صعود داعش للقتل والخطف والتهجير وتدمير الكنائس والممتلكات.
وفي الذكرى الحادية عشرة، تستعيد القرى الآشورية أسماء أبنائها الثلاثة، لا باعتبارهم أرقامًا في سجل ضحايا الحرب، وإنما باعتبارهم أشخاصًا ارتبطت حياتهم بقرى الخابور التي أُجبر أهلها على مغادرتها، قبل أن تتحول قصتهم إلى شهادة على واحدة من أبشع صفحات العنف الذي مارسه تنظيم داعش ضد المسيحيين في سوريا.
لقد رحل الرجال الثلاثة، لكن أسماءهم بقيت مرتبطة بتل جزيرة وتل شميرام وبنهر الخابور؛ المكان الذي شهد اختطاف مئات الآشوريين، ثم أصبح شاهدًا على واحدة من أكثر مآسي المسيحيين السوريين إيلامًا في القرن الحادي والعشرين.

شارك