تقرير امريكي ... مسيحي يُقتل كل 86 دقيقة في نيجيريا
الثلاثاء 29/سبتمبر/2026 - 10:49 ص
طباعة
روبير الفارس
كشف تقرير جديد صادر عن منظمة «تجهيز المضطهدين» الأمريكية (Equipping The Persecuted – ETP) عن اتساع نطاق العنف الذي يستهدف المسيحيين في نيجيريا، مشيرًا إلى أن المنظمة وثقت مقتل 4,216 مسيحيًا خلال الفترة من 1 يناير وحتى 8 سبتمبر 2026، بمعدل 16.8 قتيلًا يوميًا، أي ما يقرب من مسيحي واحد يُقتل كل 86 دقيقة.
وجاء التقرير تحت عنوان «أزمة الحزام الأوسط: الاضطهاد الديني والفشل الأمني في نيجيريا»، مركزًا بصورة خاصة على منطقة «الحزام الأوسط» النيجيري، حيث تتداخل الصراعات على الأرض والموارد مع نشاط الجماعات المسلحة وعمليات الخطف والتهجير والهجمات على القرى والكنائس.
وتؤكد ETP أن رقم 4,216 يمثل «حدًا أدنى موثقًا» وليس بالضرورة العدد الكامل للضحايا، موضحة أن قاعدة بياناتها تعتمد على تقارير ميدانية وشهادات شهود وناجين ومصادر محلية، إلى جانب عمليات تحقق ومراجعة لاحقة قبل إضافة الضحايا إلى سجلها النهائي.
ما وراء رقم الـ86 دقيقة
يرى التقرير أن قراءة العنف النيجيري باعتباره مجرد صراع تقليدي بين المزارعين والرعاة لا تكفي لتفسير طبيعة الهجمات التي تتعرض لها بعض المجتمعات المسيحية.
وبحسب المنظمة، فإن نمطًا من الهجمات يتكرر في عدد من مناطق الحزام الأوسط، يتضمن اقتحام القرى، وإحراق الكنائس والمنازل، والقتل المستهدف، والخطف، ثم تهجير السكان ومنعهم في بعض الحالات من العودة إلى أراضيهم لفترات طويلة.
وتقول ETP إن وجود نزاعات حقيقية حول الأراضي والرعي والموارد بين جماعات مختلفة أمر لا يمكن تجاهله، لكنها ترى أن هذه العوامل لا تفسر وحدها ما تصفه بتدمير قرى بأكملها واستمرار نزوح سكانها.
وفي المقابل، يؤكد التقرير أن تحديد الدافع الديني للهجمات لا يعني اعتبار كل أعمال العنف في نيجيريا اضطهادًا دينيًا، إذ تتداخل في البلاد عوامل أمنية وعرقية واقتصادية ومحلية شديدة التعقيد.
الحزام الأوسط.. مركز الأزمة
يسلط التقرير الضوء بصورة خاصة على ولايات بينوي، وبلاتو، وجنوب كادونا، وناساراوا، وتارابا، باعتبارها من المناطق التي شهدت نمطًا متكررًا من الهجمات ضد المجتمعات الزراعية.
وتقول المنظمة إن ما تسميه «شبكات مسلحة مرتبطة بالفولاني» تظهر بوصفها من أبرز الجهات المتهمة في التقارير الميدانية التي استند إليها التقرير.
لكن ETP وضعت قيدًا مهمًا على هذا التوصيف، مؤكدة أن استخدام تعبيرات مثل «جهات مرتبطة بالفولاني» أو «ميليشيات فولانية» يشير إلى جماعات مسلحة محددة رُبطت بحوادث بعينها، ولا يعني تحميل المدنيين الفولانيين أو الشعب الفولاني ككل مسؤولية هذه الجرائم.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل التحذيرات التي أوردتها دراسات أخرى من الخلط بين جماعات مسلحة مختلفة وبين السكان الفولانيين بصورة عامة، إذ إن الفولانيين أنفسهم يتعرضون أيضًا لأعمال عنف وجرائم خطف وقطاع طرق في بعض المناطق. كما أن طبيعة الجماعات المسلحة في شمال وغرب نيجيريا متعددة، ولا تنتمي جميعها إلى تنظيم واحد أو تحمل الدوافع نفسها.
أرقام تتجاوز بوكو حرام و«داعش»؟
ويقدم التقرير مقارنة لافتة من خلال «مراقب الإرهاب في نيجيريا» التابع للمنظمة، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن هذه البيانات منفصلة منهجيًا عن سجل الضحايا الرئيسي لـETP.
ووفق بيانات NTT، سُجلت 4,932 حالة وفاة مرتبطة بجهات وصفها التقرير بأنها «مرتبطة بالفولاني» خلال الفترة من 1 يناير إلى 7 سبتمبر 2025، مقابل 1,958 حالة وفاة نُسبت إلى بوكو حرام وتنظيم داعش في غرب أفريقيا مجتمعين.
وخلال الفترة نفسها من عام 2026، سجل NTT نحو 786 وفاة مرتبطة بهذه الجهات، مقابل 189 وفاة نُسبت إلى بوكو حرام وداعش مجتمعين. وبحسب حسابات التقرير، تعادل الأرقام الأولى نحو 2.5 مرة، والثانية نحو 4.2 مرة.
وتحذر ETP من دمج هذه الأرقام مع سجل الـ4,216 قتيلًا، لأن كل مجموعة من البيانات تستخدم منهجية مختلفة وأهدافًا تحليلية مختلفة.
كما أن المقارنة لا تعني أن جميع الضحايا في هذه البيانات كانوا مسيحيين، وهو تفصيل مهم عند قراءة الأرقام الخاصة بالجهات المسلحة، إذ إن بيانات الإرهاب الأوسع نطاقًا في نيجيريا تشمل ضحايا من المدنيين والعسكريين وجماعات مختلفة.
ملايين النازحين ومئات المجتمعات المفرغة
ولا تتوقف الأزمة، وفق التقرير، عند أعداد القتلى
وتقدر ETP أن أكثر من 5 ملايين مسيحي نزحوا نتيجة أعمال العنف وانعدام الأمن، فيما تعرض أكثر من 600 مجتمع مسيحي للتدمير أو الإخلاء.
وتشير المنظمة إلى أن هذا النوع من النزوح لا يمثل أزمة إنسانية مؤقتة فحسب، إذ يؤدي استمرار غياب الأمن إلى تغيير التركيبة السكانية لبعض المناطق، ويجعل عودة السكان إلى أراضيهم الأصلية أكثر صعوبة.
وتربط المنظمة بين القتل والخطف وتدمير القرى وبين عملية أوسع من تفريغ بعض المناطق الريفية من سكانها، وهو ما تعتبره أحد أخطر أبعاد الأزمة التي لا تظهر بالكامل في أرقام الضحايا وحدها.
أزمة أمنية أم اضطهاد ديني؟
تضع الدراسة في قلبها سؤالًا يتجاوز مجرد حصر الضحايا: كيف ينبغي تفسير العنف؟
فبينما ترى ETP أن جزءًا كبيرًا من الهجمات الموثقة ضد المجتمعات الزراعية المسيحية يحمل دوافع دينية، فإن الصورة الأوسع في نيجيريا أكثر تعقيدًا؛ فهناك أيضًا تمرد جماعات جهادية في الشمال الشرقي، وصراعات بين المزارعين والرعاة، وعمليات خطف مقابل فدية، وقطاع طرق، وصراعات محلية وعرقية على الأرض والموارد.
وتشير بيانات «مؤشر الإرهاب العالمي 2026» إلى أن نيجيريا شهدت 750 وفاة مرتبطة بالإرهاب خلال عام 2025، بزيادة كبيرة عن العام السابق، وأن نشاط الجماعات الإرهابية تركز بدرجة كبيرة في ولاية بورنو شمال شرقي البلاد، مع استمرار نشاط داعش وبوكو حرام.
وهنا تكمن أهمية التقرير الجديد: فهو لا يضيف رقمًا جديدًا إلى قائمة ضحايا العنف في نيجيريا فقط، وإنما يحاول إعادة تعريف طبيعة الأزمة في الحزام الأوسط، من خلال التأكيد على أن جزءًا من العنف الذي يطال المجتمعات المسيحية لا يمكن، وفق قراءته، اختزاله في صراع على المراعي أو الأرض.
وفي الوقت نفسه، تظل أرقام ETP تقديرات صادرة عن منظمة غير حكومية ذات منهجية خاصة، ولذلك فإن التعامل معها باعتبارها سجلًا شاملًا ونهائيًا لكل ضحايا العنف في نيجيريا سيكون غير دقيق. وتوضح المنظمة نفسها أن بياناتها تمثل حدًا أدنى موثقًا، وأن حجم الخسائر الحقيقي قد يكون أكبر.
وهكذا، يرسم التقرير صورة لأزمة متعددة الطبقات:قتل، وخطف، وحرق للقرى والكنائس، ونزوح بالملايين، وصراع على الأرض، ونشاط جماعات جهادية وشبكات مسلحة؛ بينما يبقى السؤال الأصعب هو كيفية حماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الهجمات، وضمان قدرة المجتمعات المهجرة على العودة إلى مناطقها بأمان.
