كوريير إنترناشونال: هل تؤتي العملية الهجومية المضادة ضد الحوثيين في اليمن ثمارها؟
الثلاثاء 29/سبتمبر/2026 - 02:39 م
طباعة
ترجمة فاطمة بارودي
رغم عدم نجاح القوات اليمنية في صدّ الحوثيين أو استعادة المساحات الشاسعة من الأراضي التي استولت عليها الميليشيات الموالية لإيران في سبتمبر، إلا أنها تمكنت من إبطاء تقدمهم السريع. وتتلقى هذه القوات دعماً من السعودية، التي يبدو أنها تستعد لتدخل عسكري واسع النطاق، وفقاً لتقارير صحفية محلية.
يبدو أن التقدم المذهل للحوثيين في اليمن، الذين نجحوا في منتصف سبتمبر في الاستيلاء على مناطق استراتيجية على البحر الأحمر وحتى مضيق باب المندب، قد اصطدم منذ ذلك الحين بمقاومة القوات الموالية للحكومة، المدعومة من الجيش السعودي.
"ضربات مؤلمة ضد الحوثيين على عدة جبهات"، هذا ما عنونته صحيفة مأرب برس المحلية يوم الاثنين 28 سبتمبر .
في يوم الأحد الموافق 27 من الشهر، أفادت الصحيفة نفسها بـ"تكثيف عسكري واسع النطاق ضد ميليشيا الحوثي"، حيث نُفذت "756 عملية رئيسية" خلال ثلاثة أيام. وبالمثل، زعمت القوات الموالية للحكومة سيطرتها على قمة جبل النعمان الاستراتيجية، ومنع الحوثيين من الاستيلاء على قمة كهبوب ذات الأهمية الاستراتيجية المماثلة.
"
تراكم عمليات تصفية" القادة رفيعي المستوى
في الواقع، تنقل الصحيفة تصريحات رسمية، والتي أوضح موقع الجزيرة القطري أنه "لم يتمكن من التحقق منها". ومع ذلك، يبدو من المؤكد أنه بعد أن "بدا التحالف العسكري [الموالي للحكومة] مشلولاً في البداية"، "يتزايد رد فعله"، كما لاحظت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية في 25 سبتمبر .
وهكذا أقر رئيس السلطة التنفيذية اليمنية، رشاد العليمي، بخطورة الوضع.
ودعا العليمي في خطابه الأول منذ بدء الهجوم الحوثي الواسع إلى «التعبئة العامة»، وحث اليمنيين على الالتفاف حول القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، كما عرض العفو على كل منشق عن صفوف الحوثيين ينضم إلى معسكر الحكومة.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن استهداف القيادات الحوثية أصبح أحد عناصر استراتيجية القوات المناهضة للحوثيين. وتتحدث الصحيفة عن «تراكم عمليات تصفية» طالت قادة كباراً في الجماعة، في وقت تكثفت فيه الضربات على مواقعها وقدراتها العسكرية.
ويأتي ذلك في وقت تبدو فيه القوات الحكومية وحلفاؤها أكثر قدرة على تنظيم دفاع متعدد الجبهات، بعدما تمكن الحوثيون خلال أسابيع قليلة من تحقيق تقدم سريع. ومن مأرب والجوف إلى تعز ولحج والساحل الغربي، تحاول القوات الموالية للحكومة وقف هذا التقدم.
لكن استعادة زمام المبادرة لم تتحقق بعد. فالعمليات المعلنة لم تؤدِّ حتى الآن إلى استعادة المساحات التي سيطر عليها الحوثيون في سبتمبر. كما أن أرقام العمليات والخسائر التي تعلنها القوات الحكومية يصعب التحقق منها بصورة مستقلة. وقد أشار موقع الجزيرة، كما نقل «كوريير إنترناشونال»، إلى أنه لم يتمكن من التحقق من هذه المعطيات.
ومع ذلك، فإن تباطؤ التقدم الحوثي يظل تطوراً مهماً. فالجماعة التي تقدمت بسرعة خلال سبتمبر تواجه الآن مقاومة أكثر تنظيماً، فيما يحاول خصومها استعادة زمام المبادرة على عدد من الجبهات.
السعودية أمام اختبار جديد
ويشكل الدور السعودي عاملاً آخر يمكن أن يؤثر في مسار الحرب. فالقوات الحكومية تتلقى دعماً من الرياض، بينما تشير تقارير صحفية محلية إلى احتمال توسيع المملكة تدخلها العسكري إذا استمر التقدم الحوثي في المناطق القريبة من حدودها أو من باب المندب.
وتتجاوز أهمية هذه المنطقة حدود اليمن. فاقتراب الحوثيين من البحر الأحمر وباب المندب يضع أمن الملاحة الدولية في صلب الصراع، في حين أن قدرة الجماعة على تهديد الأراضي والمصالح السعودية تضيف بعداً مباشراً إلى حسابات الرياض.
وفي هذا السياق، أجرت السعودية وتركيا وباكستان، المرتبطة باتفاق دفاع مشترك مع الرياض، محادثات على مستوى رؤساء الأركان بشأن الهجوم الحوثي. ويشير ذلك إلى أن الأزمة بدأت تحظى باهتمام أمني يتجاوز أطراف الحرب اليمنية المباشرة.
لكن طبيعة أي تدخل سعودي إضافي وحجمه لا يزالان غير واضحين.
أما الحوثيون، فيبدو أنهم يسعون إلى تثبيت المكاسب التي حققوها خلال هجوم سبتمبر. فالمناطق التي باتوا يسيطرون عليها قرب البحر الأحمر وباب المندب تمنحهم موقعاً استراتيجياً جديداً، ليس فقط في مواجهة خصومهم داخل اليمن، وإنما أيضاً في مواجهة السعودية وعلى طرق الملاحة الدولية.
باب المندب في قلب المعركة
في هذه الظروف، تصبح المعارك حول المرتفعات المطلة على البحر الأحمر ذات أهمية خاصة. فقد أعلنت القوات الموالية للحكومة السيطرة على قمة جبل النعمان، كما قالت إنها منعت الحوثيين من السيطرة على قمة كهبوب.
ولا يتعلق الأمر هنا بمواقع معزولة. فالسيطرة على المرتفعات تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على مراقبة طرق الحركة والإمداد والممرات المؤدية إلى الساحل. كما أعلنت القوات الحكومية السيطرة على جبل زالات ضمن سلسلة جبال كهبوب، وهو موقع يشرف على مناطق العمري وباب المندب، وفق تقارير ميدانية.
وبالنسبة إلى القوات الحكومية، فإن تثبيت هذه المواقع قد يكون أكثر أهمية في المرحلة الحالية من تحقيق تقدم واسع على جبهة واحدة. فالاحتفاظ بها يحد من قدرة الحوثيين على مواصلة التحرك باتجاه الساحل، ويصعّب عليهم تأمين خطوط الإمداد للمواقع التي سيطروا عليها حديثاً.
ولهذا، تبدو المعركة وكأنها تدخل مرحلة مختلفة: بدلاً من التقدم السريع والسيطرة على مناطق جديدة، أصبح الطرفان أمام حرب مواقع واستنزاف.
وتقول القوات اليمنية إنها كثفت خلال الأيام الماضية ضرباتها ضد التعزيزات الحوثية ومخازن الأسلحة ومنصات إطلاق الصواريخ ومواقع القيادة وطرق الإمداد. كما أعلنت تنفيذ 756 عملية خلال 72 ساعة، ومقتل وإصابة أكثر من ألفي عنصر من الحوثيين.
إلا أن هذه الأرقام تبقى جزءاً من الرواية العسكرية الرسمية، في انتظار تأكيد مستقل لها.
هل تغير ميزان الحرب؟
حتى الآن، يبدو أن الهجوم المضاد حقق هدفاً محدوداً: إبطاء التقدم الحوثي. لكنه لم يصل إلى المرحلة التي يمكن معها الحديث عن استعادة المناطق التي خسرتها القوات الحكومية خلال سبتمبر.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي. فإذا تمكنت القوات الموالية للحكومة من تثبيت مواقعها الحالية، وقطع خطوط الإمداد، ثم الانتقال تدريجياً إلى استعادة بعض المناطق، فقد تتحول العملية المضادة إلى مسار جديد في الحرب. أما إذا نجح الحوثيون في إعادة تنظيم قواتهم واستعادة قدرتهم على الهجوم، فقد يتبين أن التوقف الحالي لم يكن سوى استراحة في تقدمهم.
ويبقى الموقف السعودي عاملاً أساسياً في هذا التطور. فزيادة الدعم للقوات المناهضة للحوثيين يمكن أن تغير طبيعة العمليات على الأرض، لكن التدخل المباشر على نطاق واسع يحمل في المقابل خطر توسيع نطاق الحرب.
والأهم أن المعركة لم تعد محصورة في السيطرة على الأراضي اليمنية. فمع وصول القتال إلى مناطق قريبة من البحر الأحمر وباب المندب، أصبح أمن الملاحة جزءاً من الحسابات العسكرية والسياسية للصراع.
لذلك، فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة لمعرفة ما إذا كان الحوثيون قد بلغوا بالفعل حدود توسعهم، أم أنهم يستعدون لجولة جديدة من التقدم، وما إذا كان خصومهم قادرين على تحويل الهجوم المضاد الحالي من مجرد عملية لوقف الاندفاعة الحوثية إلى عملية لاستعادة الأراضي التي فقدوها.
