براجماتية المظلومية: كيف يوظف "إخوان الخارج" ملف المعتقلين لإعادة تدوير الشرعية؟

الثلاثاء 29/سبتمبر/2026 - 02:44 م
طباعة براجماتية المظلومية: حسام الحداد
 
براجماتية المظلومية:
يشكل البيان الصادر عن المكتب العام لجماعة الإخوان المسلمين (تيار التغيير) بشأن ما أطلق عليه «حراك أكتوبر البداية» وثيقة دلالية كشفية تجسد بوضوح طبيعة التحولات العميقة والمنكمشة في الخطاب الحركي للإسلام السياسي تحت وطأة الضغط الأمني والزمني المضاعف. ولا يقتصر النص على كونه مجرد نداء تعبوي عابر للتضامن مع المضربين في السجون، بل يمثل إعادة إنتاج استراتيجية ومدروسة ل "مظلومية الموت البطيء"، ومحاولة بائسة لإعادة تدوير شرعية الحضور في المجال العام المصري عبر استثمار ملف حقوقي إنساني بحت بمعزل عن أي مراجعة نقدية حقيقية.
وفي المقابل، يحمل هذا الخطاب في طياته تناقضات بنيوية صارخة تظهر بوضوح في محاولته التلفيقية بين الخطاب الحقوقي المدني والديمقراطي الذي يستدعيه النص براجماتيا وقت الحاجة، وبين النسق الأيديولوجي الصلب والإقصائي الذي تشبعه أدبيات التنظيم التاريخية. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لتفكيك هذه البنى الخطابية، لكشف كيف تتحول المآساة الإنسانية للمعتقلين إلى مجرد ورقة تفاوض في معارك الشتات دون تقديم رؤية وطنية جامعة تفضي إلى حل حقيقي.

استراتيجية "استنبات الشرعية" والالتفاف على الإخفاق الاستراتيجي
يعتمد البيان في بنيته الفكرية والخطابية على عملية هندسة واعية لنقل ملف المعتقلين من حيزه الواقعي باعتباره حصيلة مباشرة لخيارات صدامية ومغامرات سياسية غير محسوبة خاضتها قيادات الجماعة، إلى مصاف القدر التاريخي والمبتلى الذي تتحمله "النخبة" نيابة عن الأمة. لا تسعى هذه الصياغة إلى توصيف حالة إنسانية مجردة قدر ما تستهدف إعادة تدوير الرصيد الرمزي المتآكل، عبر نزع الفعل السياسي عن سياقه التأسيسي وإلباسه ثوب الاصطفاف الإلهي، متجاوزة بذلك أي مساءلة موضوعية لطبيعة المسار الذي قاد التنظيم إلى هذه الحفرة التاريخية العميقة.
وتتجلى هذه الإستراتيجية بوضوح في آليتين خطابيتين حاكمتين: الأولى تعتمد على التبسيط المختزل لصراع مركب، والثانية تسعى إلى رتق الفجوة الجيلية المتسعة بآليات استهلاك رمزي عتيقة.
شيطنة الخصم وتسطيح السياق
يقدم البيان هروبا منهجيا فاضحا من متطلبات النقد الذاتي الجذري، جاصرا ثلاثة عشر عاما من التعقيدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ثنائية مانوية سمجة تقوم على تقابل حاد بين "شرفاء الأمة" و"طغمة الاستبداد العسكري". هذا الاختزال المتعمد لا يعمل فقط على تغييب المسؤولية التاريخية عن مآلات المشهد، بل يعطل أية إمكانية لبلورة قراءة موضوعية للهزيمة السياسية الكبرى التي مني بها المشروع الإخواني، محولا الخطاب من تحليل أسباب الاخفاق إلى خطاب تعبوي استعطافي يعيد تدوير الشعارات ذاتها التي أثبتت عجزها الواقعي.
إضافة إلى ذلك، توظف هذه الثنائية التبسيطية كأداة لعزل القاعدة العضوية عن أي تفكير نقدي في الأخطاء الاستراتيجية؛ إذ يتم تحويل كل نقد ذاتي محتمل إلى "خيانة للدم" أو "خذلان للمعتقلين". وبهذا الشكل، تضمن القيادات المشتتة في الخارج استمرار تجميد العقل التنظيمي، مستندة إلى استدعاء دائم لحالة المظلومية المطلقة التي تعفي الجميع من واجب المراجعة الفكرية والسياسية المستحقة، وتكرس حالة القطيعة مع العقل الجمعي للشارع المصري.
إعادة تدوير الرمزية وفجوة الأجيال
يحاول النص يائسا ربط حراك السجون الحالي بتضحيات وتاريخ السجون المتعاقبة منذ منتصف القرن العشرين، في محاولة باءت بالفشل الواقعي لإحياء ما يمكن تسميته ب "الرصيد التدافعي" للتنظيم. بيد أن هذه المحاولة تصطدم بصخرة الواقع والزمن، متجاهلة اتساع الهوة السحيقة بين أجيال الشباب الحالية – التي تعيش واقعا مختلفا وتعقيدات معيشية ونفسية مغايرة – وبين الخطابات الخشبية للقيادات التاريخية والمكاتب العامة التي تغط في سبات المنفى، مما يجعل هذه الإحالات التاريخية مجرد أصداء باهتة لا يصدقها حتى من يتوقع منهم التفاعل معها.
علاوة على ذلك، تعكس هذه المقاربة التاريخية المفارقة عجزا بنيويا في فهم التحولات الاجتماعية والنفسية للشباب داخل مصر وخارجها، فالأجيال الجديدة لم تعد تكتفي بالرمزيات التنظيمية الجاهزة أو التوجيهات الفوقية التي تصدر من خلف الحدود. وحين يتجاهل الخطاب هذه الهوة الجيلية والقطيعة الفكرية المتنامية، فإنه يتحول إلى وثيقة عزلة وتأكيد إضافي على انفصال القيادات التاريخية عن نبض الواقع المصري الحي، مكتفية بمخاطبة شرائح ضيقة ومحدودة تستهلك وهم التأثير والتغيير من خلف الشاشات.

براجماتية الاندماج الحقوقي (توسيع الجبهة أم استهلاك الأسماء؟)
ينطوي النص المدروس على إشارة دالة لافتة للانتباه تمثلت في استدعاء منظومة واسعة من المعتقلين المنتمين لتيارات وحركات من خارج النسق التاريخي لتنظيم الإخوان؛ كشباب الألتراس، ومحتجي اتفاقية تيران وصنافير، والناشطين في ملفات دعم القضية الفلسطينية، وصولا إلى إبراز أسماء رمزية بعينها مثل دينا عزت. هذا التوسع المفاجئ في بوابات التضامن لا يعبر عن تحول استراتيجي في وعي الجماعة بقدر ما يترجم مأزقا تكتيكيا خانقا فرضته العزلة المتزايدة والتراجع الملحوظ في القدرة على التعبئة الذاتية بمعزل عن النسيج الوطني الأوسع.
وتتجسد إشكالية هذه المجاورة الخطابية في مستويين رئيسيين يكشفان الطبيعة النفعية لهذا التقارب القسري:
التكتيك الجبهوي المؤقت
تعكس هذه الالتفاتة الحقوقية المتأخرة إدراكا براجماتيا لدى صانع القرار التنظيمي بأن "الخطاب الفئوي المغلق" قد استنفد أغراضه وبات عاجزا عن اختراق الجدران السميكة للمجتمع أو لفت الانتباه الدولي. ومن ثم، يصبح اللجوء إلى القضايا المدنية والحقوقية الأخرى مجرد ذوبان تكتيكي مؤقت في فضاء النضال الأوسع، يستغل فيه وجع الضحايا الآخرين كرافعة سياسية لإعادة تعويم الخطاب الإخواني المنكمش وتسويقه بصورة مغايرة لواقعه التنظيمي.
ولا يخفى أن هذا التكتيك يفتقر إلى الجدية الأخلاقية المستدامة، إذ إنه يتناغم مع توقيتات الأزمات التنظيمية الخاصة بالجماعة لا مع استحقاقات النضال الحقوقي المستمر. فالتنظيم الذي طالما أقصى المخالفين ورفض الاعتراف بالتعددية السياسية حين كان في موقع الصدارة، يعود اليوم ليرفع لافتة "وحدة الألم" متخذا من دماء ومعتقلي التيارات المدنية والشبابية جسرا مؤقتا للعبور نحو شرعية طالما أهدرها بخياراته الصدامية.
اختطاف الرمزيات المدنية
يثير هذا التوظيف الاستعراضي إشكاليات أخلاقية وسياسية بالغة الحدة والخطورة؛ إذ تسعى الجماعة بوعي أو بدونه إلى صبغ الحركات المطلبية والشبابية المستقلة بلونها التنظيمي، محاولة ترسيخ صورة ذهنية مخاتلة تصور نفسها ك "حاضنة كبرى" لكل أطياف المعارضة المصرية. إنها عملية "استحواذ رمزي" تهدف إلى نزع الصفة الاستقلالية عن نضالات الأفراد والحركات الحرة، وإلحاق تضحياتهم قسرا بسردية التنظيم الكبرى التي طالما دفع المجتمع بأسره ثمنها باهظا.
وترفض القوى المدنية والمستقلة هذا الارتباط القسري رفضا قاطعا، لكونه يضع نضالات أبنائها في مواجهة غير مبررة مع الدولة والمجتمع بناء على أجندات تنظيمية تخص الإخوان وحدهم. فالقوى الحية التي دفعت أثمانا فادحة جراء هذا التورط الإجباري في معارك الإخوان الصدامية تدرك تماما أن الغاية من استدعاء أسمائهم ليست سوى محاولة لترميم الشرعية المتآكلة لخطاب عفا عليه الزمن، وليس انتصارا حقيقيا لمفهوم العدالة أو حقوق الإنسان المجردة من أي غرض حزبي.

التناقض بين المرجعية الدينية والآليات الديمقراطية
يتكشف في ثنايا البيان اصطدام فكري عميق يقوم على ازدواجية أدوات الاستدلال ومرجعياته؛ إذ يعمد صائبو النص إلى تلحيف مطالبهم بعبارات ومفاهيم شرعية تراثية رنانة -مثل "فك العاني"، و"نصرة المظلوم"، واستدعاء السنة النبوية- بينما يوظفون في الوقت ذاته آليات الاحتجاج المدني الحديثة وأدواته الحقوقية البحتة، كالاعتصام، والإضراب عن الطعام، ومخاطبة المنظمات الحقوقية الدولية. تعكس هذه المفارقة أزمة تلفيقية بنيوية تعاني منها أدبيات الحركات الإسلامية حين تحاول تسويق أطروحاتها مستخدمة لغة العصر ومكتسباته الديمقراطية، بينما تنطلق في جوهرها المنظوري من أطر فقهية مغلقة ترفض في أصلها الفلسفي تلك المرجعيات الحديثة.
وتتجلى هذه المفارقة الخطابية والأخلاقية بوضوح في مستويين أساسيين يفضحان عمق الأزمة النظرية والعملية لتلك الجماعات:
أزمة المرجعية الحاكمة
لم تقدم أدبيات هذا التيار العام طوال مسيرتها الطويلة نقدا ذاتيا جادا وعميقا لمفهوم "الدولة الوطنية الحديثة" أو "الديمقراطية الدستورية"، بل ظلت تنظر إليها باعتبارها مجرد وسائل مؤقتة ومحطات عبور لا غايات كبرى بحد ذاتها، وصولا إلى التمكين والهيمنة. واليوم، تقف الجماعة في مفارقة تاريخية صارخة تعود فيها للاحتماء بآليات حقوق الإنسان، والدستور، والقانون، والمواثيق الوضعية التي طالما أسقطتها نظريا من حساباتها الحاكمة واعتبرتها مخالفة للشريعة أو قاصرة عن تحقيق مقاصد الأمة.
إن هذا الاستدعاء النفعي للمنظومة الحقوقية الديمقراطية لا يعبر عن تبني حقيقي لقيم الحداثة السياسية، بل هو لجوء اضطراري إلى مظلة لا يؤمنون بمرجعيتها الفلسفية، مما يضع مصداقيتهم على المحك أمام النخب الحقوقية والسياسية المستقلة. فحين يتم إسقاط هذه المفاهيم أو تحويرها بحسب الحاجة التنظيمية، تفقد المطالب الحقوقية طابعها الإنساني العالمي وتتحول إلى مجرد شعارات تكتيكية يتم التلويح بها عند الاقتضاء، ثم تطوى متى انتفت المصلحة الحزبية الضيقة.
 المتاجرة بالأوجاع الإنسانية
يتحول السجناء والمضربون عن الطعام في هذا النسق الخطابي البارد من بشر حقيقيين يعانون قسوة الأسر ومرارة الفقد إلى مجرد "أرقام تجريدية" وأوراق تفاوض في معادلة الصراع السياسي المحتدم بين التنظيم والدولة. وحين تدار مأساة هؤلاء الضحايا حصريا عبر بيانات تعبوية فضفاضة ومستهلكة، تفقد القضية عمقها الإنساني وتختزل في رغبة محمومة لتحقيق مكاسب معنوية أو تسجيل نقاط إعلامية في معارك الشتات، دون تقديم أدنى رؤية عملية أو استراتيجية حقيقية للخروج الآمن من المأزق.
والأكثر خطورة أن هذا التصعيد الخطابي الأجوف لا يقدم أي ضمانات أمان حقيقية لمن هم خلف الأسوار، بل قد يضاعف بصورة مباشرة من كلفة وجودهم داخل السجون ويزيد من قسوة الإجراءات العقابية ضدهم. فبدلا من السعي نحو تسويات قانونية واجتماعية هادئة تحقن الدماء وترفع المعاناة عن العائلات المكلومة، يستغل وجع الأسر والمعتقلين وقودا لإذكاء صراعات وهمية تدار من خلف الشاشات، مما يؤكد أن معاناة البشر ليست سوى تفصيل عابر في أجندة تنظيمية صماء لا تبالي بالثمن الباهظ الذي يدفعه الأفراد على الأرض.
واخيرا يؤكد بيان "حراك أكتوبر البداية" أن تيارات الإسلام السياسي التقليدي ما زالت تراوح مكانها عاجزة عن إنتاج نقد ذاتي حقيقي أو صياغة مشروع وطني جامع يتجاوز عقلية المظلومية والتنظيم السري. إن قضية المعتقلين وحريتهم هي حق إنساني أصيل لا تقبل المساومة ولا التوظيف الأيديولوجي، لكن تحويل هذه المأساة الإنسانية إلى وقود في معارك استعادة النفوذ السياسي المفقود لا يخدم الضحايا قدر ما يعمق استغلال آلامهم لصالح معارك وهمية تدار من خلف الشاشات.

شارك