الحوثيون بين مضيق هرمز وباب المندب.. تداعيات استراتيجية على أمن الطاقة العالمي

السبت 10/أكتوبر/2026 - 11:51 ص
طباعة الحوثيون بين مضيق فاطمة عبدالغني
 
تتجاوز تداعيات المواجهة مع الحوثيين حدود اليمن، في ظل ارتباط الجماعة بإيران وسيطرتها على مواقع استراتيجية قرب باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
 وفي تحليل نشرته شبكة "فوكس نيوز"، يرى الكاتب أن التعامل مع الحوثيين باعتبارهم مشكلة إقليمية تخص السعودية واليمن وحدهما يتجاهل انعكاسات أنشطتهم العسكرية على الملاحة الدولية وأمن الطاقة والمصالح الأمريكية.

ويشير التحليل إلى أن انشغال الولايات المتحدة بالحرب مع إيران، واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، يقللان الرغبة في توسيع نطاق التدخل العسكري، كما أن إعلان الحوثيين عدم استهداف السفن الأمريكية أتاح لواشنطن مبررًا للحد من انخراطها المباشر في المواجهة، رغم استمرار ارتباط الجماعة بطهران ومشاركتها في الصراع الإقليمي.

تقدم القوات اليمنية يفتح الباب أمام دعم أمريكي محدود

بحسب تحليل "فوكس نيوز"، بدأت التطورات الميدانية تميل لمصلحة الحكومة اليمنية، بعدما تمكنت قواتها، بدعم من القوة الجوية السعودية، من إخراج الحوثيين من بعض المناطق الاستراتيجية المحيطة بباب المندب، وأظهرت قدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية بفاعلية، رغم استمرار احتمالات تراجع هذه المكاسب.

ويرى التحليل أن هذه التطورات تتيح للولايات المتحدة تعزيز دعمها للحكومة اليمنية دون الانخراط في حملة عسكرية واسعة أو مفتوحة الأمد، فواشنطن تقدم بالفعل للسعودية دعمًا استخباراتيًا ومساعدة في تحديد الأهداف، مع تجنب تنفيذ ضربات عسكرية مباشرة.

وتتمثل أهمية هذه المساعدة في قدرة الأقمار الصناعية وأنظمة المراقبة والاستطلاع الأمريكية على تحديد مواقع بطاريات الصواريخ ومنشآت الطائرات المسيّرة ومراكز القيادة ومنصات الإطلاق المتحركة. 
غير أن تنفيذ الضربات بواسطة الطائرات الأمريكية مباشرة قد يقلص الوقت بين اكتشاف الهدف ومهاجمته، مقارنة بتبادل المعلومات مع القوات الشريكة وما يتطلبه ذلك من إجراءات لنقل البيانات والحصول على الموافقات اللازمة.

ويشير التحليل إلى أن هذا الفارق الزمني قد يكون حاسمًا عند التعامل مع منصات إطلاق متحركة تستطيع إطلاق صواريخها وتغيير مواقعها خلال دقائق، ولذلك، يقترح حصر أي مشاركة جوية أمريكية مباشرة في أهداف تتطلب استجابة سريعة، بما يسمح باستثمار القدرات الاستخباراتية المتاحة دون تحمل مسؤولية إدارة الحرب.

وفي المقابل، يؤكد التحليل أن التدخل الأمريكي المباشر ليس شرطًا لنجاح الحملة، إذ تمتلك السعودية القدرات الجوية والاستخباراتية والموارد اللازمة لدعم الحكومة اليمنية، فيما أثبتت القوات اليمنية قدرتها على خوض المعارك البرية. 
وتكمن مصلحة واشنطن، وفق هذا الطرح، في مساعدة حلفائها على تحقيق أهدافهم، وليس في تصويرهم باعتبارهم عاجزين عن تحقيقها دون القوات الأمريكية.

باب المندب يربط تهديد الحوثيين بأمن الطاقة والتجارة العالمية

يشدد تحليل "فوكس نيوز" على أن الموقع الجغرافي لليمن يجعل تهديد الحوثيين للملاحة قضية تتجاوز حدود البلاد، في ظل تعزيز مواقعهم على ساحل البحر الأحمر وفي محيط باب المندب، ويشير إلى أن نحو 22% من تجارة الحاويات العالمية المنقولة بحرًا تمر عبر البحر الأحمر، ما يجعل تعطيل الملاحة فيه عاملًا مؤثرًا في حركة التجارة الدولية.

ويؤدي اضطراب حركة السفن عبر هذا الممر إلى اضطرارها للالتفاف حول قارة أفريقيا، الأمر الذي يطيل زمن الرحلات ويرفع تكاليف الشحن والتأمين، وبذلك لا تقتصر تداعيات العمليات الحوثية على السعودية والحكومة اليمنية، بل تمتد إلى الدول المعتمدة على طرق التجارة البحرية المرتبطة بالبحر الأحمر وقناة السويس.

ويحذر التحليل أيضًا من تنامي العلاقات بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، المرتبطة بتنظيم القاعدة والناشطة في شرق أفريقيا، ووفقًا لما أورده حذر مسؤولون أمريكيون من نقل الأسلحة والتدريب على استخدام الطائرات المسيّرة والمتفجرات، إلى جانب التنسيق التكتيكي بين الجماعتين.

ويثير هذا التقارب بحسب التحليل احتمال نشوء شبكة مسلحة تنشط على جانبي خليج عدن، بما قد يوسع نطاق التهديدات الأمنية في المنطقة ويحذر التحليل من افتراض أن أهداف هذه الشبكة ستظل محصورة في السعودية والحكومة اليمنية.

ويمتد القلق إلى أمن الطاقة، إذ تنقل السعودية النفط عبر مضيق هرمز، كما يوفر خط أنابيب "شرق–غرب" مسارًا بديلًا لنقل الخام عبر أراضي المملكة إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر، عندما يصبح المرور عبر هرمز محفوفًا بالمخاطر.

لكن التحليل يرى أن أهمية هذا المسار البديل تتراجع إذا تمكن الحوثيون من تهديد الملاحة في البحر الأحمر بالتزامن مع اضطراب حركة العبور عبر مضيق هرمز، وفي هذه الحالة تستطيع إيران وحلفاؤها ممارسة الضغط على نقطتي اختناق بحريتين رئيسيتين، بما ينعكس على إمدادات الطاقة والتجارة العالمية.

ويشير التحليل إلى أن الصين تعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات الطاقة القادمة من الخليج، فيما تعتمد أوروبا على منظومة التجارة والملاحة التي تربط البحر الأحمر بقناة السويس، كما أن إنتاج الولايات المتحدة من الطاقة لا يعزل المستهلكين الأمريكيين عن تقلبات أسعار النفط العالمية.

اتفاق الحديدة 2018.. درس في إدارة الصراع مع الحوثيين

يعود تحليل "فوكس نيوز" إلى معركة الحديدة عام 2018، حين تقدمت القوات اليمنية المدعومة من السعودية والإمارات إلى مشارف المدينة، وفرضت ضغوطًا على الميناء الرئيسي الذي كان الحوثيون يسيطرون عليه على ساحل البحر الأحمر.

وفي ذلك الوقت، خشيت الحكومات الغربية من أن تؤدي المعارك قرب الميناء إلى تعطيل إمدادات الغذاء والوقود والأدوية، ويقر التحليل بمشروعية هذه المخاوف الإنسانية، لكنه ينتقد وقف العملية العسكرية تحت ضغط غربي، معتبرًا أن اتفاق ستوكهولم الذي جمّد القتال ودعا إلى إعادة انتشار القوات خارج الحديدة لم يُنفذ على النحو المقرر.

وبحسب التحليل، احتفظ الحوثيون بالميناء الذي يمثل شريانًا اقتصاديًا وعسكريًا مهمًا لهم، واستغلوا السنوات اللاحقة لترسيخ حكمهم وتعزيز علاقاتهم بإيران والحصول على صواريخ وطائرات مسيّرة أكثر تطورًا.

ويرى التحليل أن وقف الهجوم على الحديدة حرم القوات الحكومية من استثمار تقدمها الميداني، وأسهم في تحويل الصراع إلى تهديد أوسع للسعودية والملاحة الدولية، ويخلص إلى أن وقف إطلاق النار، إذا لم يقترن بتسوية سياسية قابلة للتنفيذ، قد يمنح الطرف المستفيد من الهدنة فرصة لاستعادة قوته بدلًا من تحقيق سلام مستدام.

ولا يدعو هذا الطرح إلى تجاهل الاعتبارات الإنسانية، بل يركز على ضرورة التوفيق بينها وبين متطلبات التسوية السياسية، محذرًا من أن تجميد العمليات العسكرية دون معالجة أسباب الصراع قد يؤجل المواجهة ويجعلها أكثر خطورة في المستقبل.

استراتيجية الضغط على الحوثيين ومصالح واشنطن

يدعو التحليل إلى استثمار الزخم الميداني الذي تتمتع به الحكومة اليمنية وداعموها السعوديون، بهدف إبعاد الحوثيين عن باب المندب وتقليص قدرتهم على تهديد الملاحة الدولية، إلى جانب مواصلة الضغط على البنية التحتية العسكرية التي تتيح لهم تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

وفي هذا السياق، يطرح التحليل الدعم الاستخباراتي الأمريكي، إلى جانب المساندة الجوية المحدودة عند الحاجة، باعتبارهما وسيلتين لتعزيز فاعلية القوات اليمنية والسعودية، دون تحويل الدور الأمريكي إلى تدخل عسكري واسع.

ويربط التحليل بين نجاح هذه الاستراتيجية وقدرة القوات اليمنية على الحفاظ على وحدتها والحصول على الإمدادات اللازمة واستمرار الدعم السعودي، كما يؤكد أن مبرر المساندة الأمريكية يرتبط بالمصالح التي تتأثر بنتائج الصراع، وليس بالقول إن القوات اليمنية والسعودية لا تستطيع تحقيق تقدم من دون تدخل أمريكي مباشر.

ويرى المراقبون أن تحليل "فوكس نيوز" يطرح مقاربة تقوم على الجمع بين دعم الحكومة اليمنية والحد من الانخراط العسكري الأمريكي المباشر، مع التركيز على حماية الملاحة الدولية وتقليص قدرات الحوثيين الصاروخية والجوية. 
وتتمحور الفكرة الأساسية حول أن التهديد الذي تمثله الجماعة لا يقتصر على اليمن، بل يمتد إلى أمن الطاقة والتجارة البحرية ومصالح دولية متعددة. 
وفي الوقت نفسه، يظل نجاح هذا النهج مرتبطًا بقدرة القوات اليمنية على مواصلة عملياتها، واستمرار الدعم السعودي، وتحقيق تقدم ميداني لا يتوقف عند وقف إطلاق النار، بل يرتبط بتسوية سياسية قابلة للتنفيذ.

شارك