كيف أصبح الحوثيون ورقة استراتيجية مهمة في حسابات إيران الإقليمية؟
السبت 17/أكتوبر/2026 - 11:51 ص
طباعة
فاطمة عبدالغني
تحولت جماعة الحوثيين في اليمن خلال العقد الماضي من حركة مسلحة محدودة النفوذ تتمركز في شمال غربي البلاد إلى أحد أبرز الفاعلين العسكريين في الشرق الأوسط، وورقة استراتيجية متزايدة الأهمية في حسابات إيران الإقليمية.
ومع تراجع قدرات جماعات حليفة لطهران، برز الحوثيون بوصفهم قوة قادرة على تهديد إسرائيل والسعودية والملاحة الدولية، مستفيدين من تطور ترسانتهم العسكرية، والدعم الإيراني، والقدرة على خوض حرب غير متكافئة أمام خصوم يمتلكون إمكانات عسكرية أكبر.
وسلط تقرير نشرته شبكة CBS News الأمريكية الضوء على التحول الذي شهدته الجماعة، مشيراً إلى أن قدرتها على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب تمركزها في مناطق جبلية محصنة واعتمادها أساليب حرب العصابات، مكنتها من إلحاق أضرار بخصومها رغم الفارق في الإمكانات العسكرية.
وجاء تصاعد دور الحوثيين في وقت تعرضت فيه حركة حماس وحزب الله اللبناني، وهما من أبرز مكونات ما تسميه إيران "محور المقاومة"، لضربات عسكرية إسرائيلية أضعفت قدراتهما، وفي المقابل تمكن الحوثيون من مواصلة تطوير تسليحهم وخبراتهم القتالية، بما عزز موقعهم في المواجهة الإقليمية.
وبحسب التقرير، بدأ الحوثيون شن هجمات على إسرائيل بعد وقت قصير من انضمام الولايات المتحدة إلى الهجمات الإسرائيلية الواسعة على إيران في 28 فبراير، في سياق الصراع المستمر في الشرق الأوسط، كما تصاعدت هجماتهم على السعودية، التي طلبت من واشنطن المشاركة في عملياتها العسكرية ضد الجماعة، فيما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه يدرس إمكانية الاستجابة للطلب بعد رفضه في البداية.
وامتدت تداعيات المواجهة إلى البنية التحتية النفطية وطرق التجارة البحرية، مع تهديد الحوثيين مضيق باب المندب، الذي يمثل إلى جانب مضيق هرمز ممراً استراتيجياً لشحنات النفط والغاز، ما أسهم في زيادة الضغوط على أسواق الطاقة العالمية.
الحوثيون وإيران.. كيف تطورت العلاقة إلى شراكة عسكرية استراتيجية؟
لطالما أكد مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون إلى جانب محللين إقليميين، أن الحوثيين يتلقون دعماً مالياً وعسكرياً من إيران، ووفقاً للتقرير انتقلت الجماعة من موقع هامشي نسبياً داخل شبكة حلفاء طهران إلى أحد أبرز الأطراف القادرة على التأثير في مسار المواجهة الإقليمية.
وقال محمد الباشا، مؤسس مجموعة "باشا ريبورت" الاستشارية المتخصصة في تقييم المخاطر، إن الحوثيين يمثلون أقوى قوة وكيلة داخل الشبكة الإيرانية، مشيراً إلى أن أي استراتيجية عسكرية أمريكية تستهدف إيران ينبغي أن تأخذ في الحسبان طبيعة رد الجماعة وتحركاتها المحتملة.
وشهدت القدرات العسكرية للحوثيين تطوراً متسارعاً بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 على إسرائيل، وبحسب الباشا حصلت الجماعة بعد ذلك التاريخ على معدات إيرانية أكثر تطوراً، فيما لم يقتصر الدعم على توفير الأسلحة، بل شمل المساعدة في تطوير مهارات اختراق منظومات الدفاع الجوي.
وانعكس هذا التطور في اعتماد تكتيكات تقوم على إطلاق هجمات متعددة المراحل باستخدام الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز، تتبعها صواريخ باليستية، بهدف إرباك أنظمة الدفاع الجوي وإغراقها بتهديدات متتابعة، ويشير التقرير إلى أن الحوثيين يستخدمون الأساليب نفسها في هجماتهم على السعودية.
ويرى يوئيل غوزانسكي، الباحث المتخصص في سياسات وأمن الخليج العربي بمعهد دراسات الأمن القومي، أن الجماعة تستفيد من قاعدة مؤيدين يتمتعون بالتزام أيديولوجي قوي، ومستعدين لتحمل الأعباء الاقتصادية والعزلة مقابل إلحاق أضرار بالسعودية والاقتصاد العالمي.
كما تمنح طبيعة الحرب غير المتكافئة الحوثيين فرصة لاستغلال انخفاض تكلفة بعض وسائل الهجوم مقارنة بتكلفة التصدي لها، وأوضح غوزانسكي أن الجماعة تستطيع تجميع صواريخ أرض-أرض في منشآت صغيرة داخل المناطق الجبلية، بما يتيح لها مواصلة تطوير قدراتها دون الحاجة إلى بنية صناعية ضخمة.
ماذا يريد الحوثيون من التصعيد ضد السعودية؟
لا تقتصر أهداف الحوثيين، وفق تقدير محمد الباشا الوارد في التقرير، على الرد على الهجمات العسكرية، بل تشمل توسيع نفوذهم السياسي والعسكري والسعي إلى فرض الاعتراف بهم بوصفهم سلطة شرعية في اليمن.
وكان المتحدث العسكري باسم الجماعة قد برر الهجمات على السعودية بأنها رد على ما وصفه بـ"عدوان سعودي وحشي على بلدنا وشعبنا"، لكن الباشا يرى أن استراتيجية الحوثيين تتجاوز هذا التبرير، لتشمل السعي إلى السيطرة على اليمن بأكمله، وإجبار الرياض على الاعتراف بشرعيتهم، ودفعها إلى تمويل توسعهم.
ويفسر هذا التقدير الجمع بين استمرار العمليات العسكرية داخل اليمن وتصعيد الهجمات الصاروخية ضد السعودية، إذ تسعى الجماعة وفق التحليل إلى استخدام الضغط العسكري الخارجي لتعزيز موقعها في الصراع الداخلي وتحقيق مكاسب سياسية.
وتستفيد الجماعة في ذلك من موقعها الجغرافي في جنوب شبه الجزيرة العربية، ومن تمركزها في مناطق جبلية يصعب الوصول إليها، فضلاً عن الانقسامات التي تعاني منها القوات المناهضة لها.
من حركة محلية إلى قوة عسكرية.. مسار صعود الحوثيين
تعود جذور الحركة الحوثية إلى البيئة الزيدية الشيعية في شمال اليمن، وهي بيئة تاريخية تمتد جذورها لقرون، ويشير التقرير إلى أن الزيديين يمثلون أقلية داخل المجتمع اليمني ذي الأغلبية السنية، مع تقديرات تضع نسبتهم عند نحو ثلث السكان.
وبدأت الحركة باعتبارها محاولة لحماية الثقافة والهوية الزيدية، قبل أن تتطور إلى جماعة مسلحة تتبنى خطاباً سياسياً وأيديولوجياً معادياً للولايات المتحدة وإسرائيل.
وجاء صعودها السياسي والعسكري مع الاضطرابات التي أعقبت انتفاضة الربيع العربي والإطاحة بالرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، واستغلت الجماعة هذه المرحلة لتوسيع قاعدة أنصارها في شمال البلاد، قبل أن تسيطر على العاصمة صنعاء عام 2014، وتدخل اليمن في مرحلة جديدة من الصراع مع الحكومة المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية ودول غربية.
وبعد سيطرتها على صنعاء، أحكم الحوثيون قبضتهم على مؤسسات عسكرية ومدنية رئيسية، بما فيها ألوية الصواريخ والقوات الخاصة، كما سيطروا على موارد وإيرادات أتاحت لهم تعزيز قدراتهم العسكرية، بحسب ما نقله التقرير عن الباشا.
وتمكنت الجماعة من الصمود أمام العمليات العسكرية التي قادتها السعودية بين عامي 2015 و2022. وخلال تلك الفترة ساهم مستشارون عسكريون من إيران وحزب الله اللبناني في تدريب المقاتلين والقادة الحوثيين، إلى جانب دعم تطوير قدرات تصنيع الأسلحة محلياً، بما فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة.
ويقدر محللون أن القوات التابعة للحوثيين تضم مئات الآلاف من المقاتلين الجاهزين للقتال، بينما تقول الجماعة إنها دربت أكثر من مليون مقاتل، وتعكس هذه الأرقام وفق التقرير، حجم التعبئة التي تعتمد عليها الجماعة، وإن كانت تقديرات المحللين والبيانات الصادرة عنها تختلف في نطاقها ومصدرها.
التصنيع المحلي والذكاء الاصطناعي.. تطور القدرات العسكرية الحوثية
لم يعد تطور القدرات العسكرية الحوثية مقتصراً على استيراد الأسلحة الجاهزة، بل امتد إلى محاولة تصنيع بعض الأنظمة محلياً وتطوير مكونات مرتبطة بالتوجيه والملاحة والتحكم.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن شركة التكنولوجيا الأمريكية "أنثروبيك" أعلنت في سبتمبر الماضي أنها رصدت جهات تشكل تهديداً أمنياً وتتمركز في شمال اليمن، استخدمت برنامج "كلود كود" للمساعدة في مهام هندسية وبرمجية مرتبطة بأنظمة التوجيه والملاحة والتحكم.
وبحسب الشركة، شملت الأنظمة التي سعت تلك الجهات إلى تطويرها صواريخ موجهة وصواريخ باليستية متعددة المراحل، إلا أنها لم تكشف عن هوية الجهات المعنية، كما أوضحت أنها لا تملك أدلة تثبت نجاحها في إنتاج منظومة عملياتية قابلة للاستخدام الفعلي.
ولا يثبت ما ورد في التقرير أن الحوثيين أنفسهم استخدموا هذه البرمجيات أو نجحوا في تطوير الأسلحة المذكورة، لكنه يسلط الضوء على احتمال توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في أنشطة مرتبطة بتطوير القدرات العسكرية في شمال اليمن.
ورغم التقدم في التصنيع والتجميع المحلي، يظل الدعم الإيراني عاملاً أساسياً في تطوير القدرات المتقدمة للجماعة، فقد كتب فابيان هينز، محلل الأسلحة في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أن الحوثيين ما زالوا يعتمدون على إيران في التقنيات الأساسية والقدرات العسكرية المتطورة.
ويعكس ذلك تحولاً في طبيعة الدعم الإيراني، من توفير بعض منظومات التسليح الجاهزة إلى المساهمة في تمكين الجماعة من إنتاج أجزاء من قدراتها محلياً، مع استمرار اعتمادها على الخارج للحصول على التقنيات والمكونات المتقدمة.
لماذا تزداد الأهمية الاستراتيجية للحوثيين بالنسبة إلى إيران؟
أدى تراجع قدرات بعض الجماعات الحليفة لإيران إلى زيادة أهمية الحوثيين في الحسابات الإقليمية لطهران، فالجماعة توفر وسيلة للضغط على السعودية وإسرائيل، وتهديد حركة الملاحة الدولية، وإظهار القدرة على التأثير في مناطق بعيدة عن الحدود الإيرانية.
وقال غوزانسكي لشبكة CBS News إن الحوثيين يمثلون أداة منخفضة التكلفة نسبياً وقادرة على الصمود، بما يسمح لإيران بتوسيع نطاق نفوذها العسكري والاستراتيجي، وأشار إلى أن القيمة الاستراتيجية للجماعة بالنسبة إلى طهران بلغت مستوى بالغ الأهمية، رغم احتفاظ الحوثيين بقدر من الاستقلالية في اتخاذ قراراتهم.
وتستند هذه الأهمية أيضاً إلى ظروف الصراع اليمني نفسه، فالموقع الجغرافي للجماعة في جنوب شبه الجزيرة العربية، وتمركزها في مناطق جبلية محصنة، يحدان من خيارات المواجهة البرية المباشرة، وفي المقابل تواجه القوات المناهضة للحوثيين انقسامات بين تشكيلاتها العسكرية وتعمل ضمن هياكل قيادة منفصلة، بينما تتمتع الجماعة بدرجة أكبر من التنسيق الداخلي، وفقاً للمحللين الذين استند إليهم التقرير.
لكن استمرار الصراع يفرض أعباء إنسانية واسعة على اليمنيين، وتشير تقديرات الأمم المتحدة الواردة في التقرير إلى وفاة نحو 377 ألف شخص منذ اندلاع الحرب، معظمهم نتيجة أسباب غير مباشرة مرتبطة بالصراع، مثل المجاعة والأمراض.
كما أورد التقرير بيانات عن نزوح السكان والخسائر الناجمة عن العمليات العسكرية المباشرة، ووفق بيانات منظمة الصحة العالمية، سجلت وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية 959 قتيلاً و4207 مصابين في عشر محافظات خلال الفترة من بداية سبتمبر إلى الثاني من أكتوبر، بينما أعلنت وزارة الصحة التابعة للحوثيين مقتل 107 أشخاص وإصابة 278 خلال الفترة نفسها، وتختلف هذه الأرقام من حيث نطاق التغطية والجهة التي أصدرتها، ولذلك ينبغي التعامل معها وفق مصادرها وحدودها المعلنة.
ويكشف صعود الحوثيين عن تحول في طبيعة التهديدات الإقليمية، إذ لم تعد الجماعة مجرد طرف في الصراع اليمني، بل أصبحت وفق التحليل الذي نشرته شبكة CBS News، أحد العناصر المؤثرة في حسابات إيران العسكرية، بفضل الجمع بين الدعم الخارجي والتصنيع المحلي وأساليب الحرب غير المتكافئة والاستفادة من الجغرافيا اليمنية.
ومع ذلك، فإن استمرار اعتماد الجماعة على إيران في التقنيات الأساسية والمتقدمة يوضح أن تطور قدراتها لا يعني انفصالها عن مصادر الدعم الخارجي، وفي الوقت نفسه تظل الانقسامات داخل القوى المناهضة لها واستمرار الحرب والأزمة الإنسانية عوامل مؤثرة في مسار الصراع، الذي تتجاوز تداعياته حدود اليمن إلى أمن السعودية وإسرائيل والممرات البحرية وأسواق الطاقة العالمية.
