منح دراسية مجانية لأبناء المسيحيين والإيزيديين والصابئة في العراق.. هل تساهم في وقف الهجرة؟

الإثنين 19/أكتوبر/2026 - 11:09 ص
طباعة منح دراسية مجانية روبير الفارس
 


في خطوة تستهدف دعم الشباب وتعزيز فرصهم التعليمية، أعلن ديوان أوقاف الديانات المسيحية والإيزيدية والصابئة المندائية في العراق عن مبادرة من جامعة المصطفى في بغداد لتقديم منح دراسية مجانية بالكامل لأبناء المكونات الدينية الثلاثة، تشمل تكاليف الدراسة طوال سنواتها، في مختلف الكليات والأقسام والمراحل الدراسية، وفقًا لضوابط وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

وتأتي المبادرة، التي أعلن عنها الديوان  في إطار الجهود الرامية إلى تمكين الشباب من مواصلة تعليمهم الجامعي، وتخفيف الأعباء المالية عن أسرهم، وإتاحة فرص أكبر أمام أبناء المكونات الدينية لمواصلة دراستهم وبناء مستقبلهم داخل العراق، بدلًا من التفكير في الهجرة بحثًا عن فرص أفضل للحياة والعمل.

وأوضح الديوان أن الطلبة الراغبين في الاستفادة من المنح يتعين عليهم مراجعة مقره خلال أيام العمل الرسمي، مصطحبين الوثائق الدراسية والمستندات الثبوتية، للحصول على خطاب تأييد رسمي موجّه إلى الجامعة. وأكد أن المبادرة تأتي في سياق دعم الشباب وتمكينهم علميًا، بما يعزز قدرتهم على المشاركة في بناء مستقبل العراق.

 التعليم في مواجهة نزيف الهجرة

لا تقتصر أهمية هذه المبادرة على توفير مقاعد دراسية مجانية، بل تتجاوز ذلك إلى قضية أكثر عمقًا تتعلق بمستقبل الوجود المسيحي في العراق، الذي شهد تراجعًا ملحوظًا خلال العقود الماضية بفعل الحروب والصراعات والتهجير والهجرة إلى الخارج.
ويشير تقرير حكومي بريطاني بشأن أوضاع الأقليات الدينية في العراق، صدر في سبتمبر 2024، إلى أن أعداد المسيحيين العراقيين انخفضت بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة بسبب الهجرة، كما تناول التحديات التي تواجههم في مجالات العمل والتعليم والسكن والأمن، بما في ذلك التمييز الوظيفي ومشكلات الاستيلاء على الممتلكات والضغوط الاجتماعية.

وتكشف هذه المعطيات أن قرار الهجرة لا يرتبط دائمًا بالخوف من العنف المباشر، بل يتأثر أيضًا بمدى قدرة الشباب على الحصول على تعليم جيد، والعثور على وظيفة مناسبة، وتأمين السكن، وتأسيس أسرة، والشعور بأن لهم مستقبلًا مستقرًا في وطنهم.
ومن هنا، تمثل المنح الدراسية المجانية خطوة عملية لمعالجة أحد جوانب الأزمة؛ إذ يمكن أن تتيح للطلاب استكمال تعليمهم من دون أن تتحول التكاليف الجامعية إلى عبء إضافي على أسرهم، ولا سيما العائلات التي تضررت من الأزمات الاقتصادية أو فقدان مصادر الدخل.

 من مقاعد الدراسة إلى فرص العمل

لكن أهمية التعليم في الحد من الهجرة لا تتوقف عند الحصول على الشهادة الجامعية. فالتحدي الأكبر يتمثل في قدرة الخريجين على الانتقال من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل، والحصول على فرص تتناسب مع مؤهلاتهم، بعيدًا عن التمييز أو المحسوبية أو محدودية الفرص المتاحة.
وفي هذا السياق، حذّر رئيس أساقفة أربيل الكلداني، المطران بشار وردة، في تصريحات نشرتها وسائل إعلام كاثوليكية في سبتمبر 2026، من أن استمرار الوجود المسيحي في العراق يرتبط بتوافر الاستقرار وفرص العمل والتعليم والتأهيل المهني، مؤكدًا أهمية الاستثمار في الشباب وتهيئتهم للحصول على وظائف مستدامة.
وتبرز هذه الرؤية جانبًا أساسيًا في تقييم المبادرة الجديدة؛ فالمنحة المجانية قد تمنح الطالب فرصة لاكتساب المعرفة والمهارات، لكنها لن تحقق أثرها الكامل إذا اضطر بعد التخرج إلى البطالة أو إلى البحث عن وظيفة خارج العراق.
لذلك، فإن ربط المنح الجامعية ببرامج التدريب المهني والتأهيل لسوق العمل، وتوفير فرص التدريب داخل الشركات والمؤسسات، وتشجيع المشروعات الصغيرة، يمكن أن يحول المبادرة من دعم تعليمي مؤقت إلى أداة أوسع للتنمية والاستقرار.
كما أن إتاحة فرص متكافئة للخريجين في القطاعين العام والخاص من شأنها أن تعزز ثقة الشباب في مؤسسات الدولة، وتبعث برسالة مفادها أن انتماءهم الديني لا ينتقص من حقوقهم في التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة.

 الحفاظ على المسيحيين مسؤولية تتجاوز المنح

يمثل الوجود المسيحي في العراق جزءًا أصيلًا من تاريخ البلاد وتنوعها الحضاري والثقافي، وقد أسهم المسيحيون على امتداد قرون في مجالات التعليم والطب والثقافة والفنون والاقتصاد والحياة العامة. ومن ثم، فإن تراجع أعدادهم لا يمثل خسارة لمجتمعاتهم وحدها، بل يمس أيضًا التنوع التاريخي والثقافي للعراق.
وتزداد أهمية دعم الشباب في ظل ما خلفته سنوات الصراع من تهجير وتفكك اجتماعي وخسائر اقتصادية، وهي عوامل جعلت إعادة بناء الثقة في المستقبل مسألة لا تقل أهمية عن إعادة إعمار المنازل والكنائس والمناطق المتضررة.
وفي هذا الإطار، يمكن للمبادرات التعليمية أن تؤدي دورًا في تعزيز شعور الشباب بالانتماء، خصوصًا عندما تقترن بسياسات تضمن المساواة في الحقوق والفرص، وتحمي الممتلكات، وتكافح التمييز، وتوفر بيئة آمنة ومستقرة للعيش والعمل.
غير أن الحفاظ على الوجود المسيحي لا يمكن أن يقع على عاتق الكنائس أو المؤسسات الدينية وحدها، ولا يمكن اختزاله في تقديم مساعدات مالية أو منح دراسية. فهو يتطلب دورًا فاعلًا من الحكومة العراقية ومؤسسات التعليم وسوق العمل، إلى جانب الكنائس ومنظمات المجتمع المدني، من أجل توفير الظروف التي تجعل البقاء في الوطن خيارًا ممكنًا ومقنعًا للأجيال الجديدة.

 هل تستطيع المنح وقف الهجرة؟

من المبكر الحكم على أثر المبادرة في معدلات الهجرة، إذ لم تُعلن في المعلومات المنشورة أعداد المقاعد المتاحة أو حجم الإقبال المتوقع عليها، كما لم تتوافر بيانات تقيس أثرها الفعلي في قرارات الطلاب وأسرهم بشأن البقاء في العراق.
ومع ذلك، فإن توفير التعليم المجاني يمثل خطوة إيجابية، خصوصًا إذا استمر الدعم طوال سنوات الدراسة، وشمل تخصصات متنوعة، وأُتيحت الفرصة للاستفادة منه بشفافية وفق معايير واضحة.
ولتحقيق نتائج ملموسة، تبرز أهمية الإعلان عن أعداد المستفيدين، ومتابعة مسيرتهم الدراسية، وتقييم معدلات تخرجهم والتحاقهم بسوق العمل، إلى جانب تطوير برامج مماثلة في جامعات أخرى، وتوسيع نطاق التعاون بين المؤسسات التعليمية والجهات الحكومية والقطاع الخاص.
كما أن استمرار هذه المبادرات وتحويلها إلى برامج طويلة الأجل يمكن أن يمنح الأسر قدرًا أكبر من الثقة في مستقبل أبنائها، ويخفف أحد الأسباب الاقتصادية التي تدفع بعض الشباب إلى التفكير في مغادرة البلاد.
واذا كانت  المنح الدراسية  لا تستطيع وحدها وقف هجرة الأقليات من العراق، لكنها قد تمثل بداية مهمة إذا تحولت من مبادرة محدودة إلى سياسة مستدامة تستثمر في الإنسان وتربط التعليم بالعمل والاستقرار.
فالشاب الذي يجد فرصة للتعلم والعمل وتكوين أسرة والعيش بأمان في وطنه، يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرار البقاء. أما الحفاظ الحقيقي على الوجود المسيحي، فيبدأ حين يشعر أبناؤه بأن لهم مستقبلًا في العراق، لا مجرد ماضٍ عريق وذكريات متجذرة في أرضه.

شارك