سفارة العراق الجديدة بالفاتيكان.. رسالة دبلوماسية لحماية المسيحيين وتعزيز التعددية

الثلاثاء 20/أكتوبر/2026 - 10:34 ص
طباعة سفارة العراق الجديدة روبير الفارس
 
 
 
افتتاح المقر الجديد للسفارة العراقية لدى الكرسي الرسولي ليس مجرد مناسبة بروتوكولية للاحتفال بستة عقود من العلاقات الدبلوماسية بين بغداد والفاتيكان، بل يحمل دلالات سياسية وإنسانية تتصل بمستقبل المسيحيين في العراق، وبقدرة الدولة على حماية التنوع الديني الذي شكّل جزءًا أصيلًا من هوية بلاد ما بين النهرين.
فقد  افتتح وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين المقر الجديد للسفارة، بحضور الكاردينال بيترو بارولين، أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان، والبطريرك الكلداني مار بولس الثالث نونا، وعدد من الشخصيات الدينية والدبلوماسية، بالتزامن مع مرور 60 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين العراق والكرسي الرسولي عام 1966.
ووصف بارولين افتتاح المقر بأنه «علامة رجاء» في عالم تتزايد فيه مشاعر انعدام الثقة، مؤكدًا أن الدبلوماسية تمثل البديل الحقيقي عن اللجوء إلى العنف في تسوية النزاعات. كما شدد على أن المسيحيين العراقيين جزء لا يتجزأ من تاريخ بلادهم، ليس باعتبارهم جماعة دينية تعيش على هامش المجتمع، بل بوصفهم مواطنين أصيلين شاركوا في بناء العراق وصياغة هويته الثقافية والحضارية.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل التراجع الحاد الذي شهده عدد المسيحيين العراقيين خلال العقود الماضية، نتيجة الحروب والعنف الطائفي والتهجير، وصولًا إلى الجرائم التي ارتكبها تنظيم «داعش» بحقهم، وما زالت آثارها السكانية والاجتماعية حاضرة حتى اليوم.

 ستة عقود من العلاقات.. 

بدأت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين العراق والكرسي الرسولي عام 1966، لكن الروابط الدينية والتاريخية بين الكنيسة وبلاد ما بين النهرين أقدم بكثير. وقد أشار بارولين إلى وجود ممثل رسولي في المنطقة منذ منتصف القرن التاسع عشر، مؤكدًا أن استمرار قنوات الاتصال بين الجانبين كان مهمًا خصوصًا خلال الفصول الأكثر إيلامًا من تاريخ العراق.
وتكمن أهمية السفارة الجديدة في أنها توفر إطارًا مؤسسيًا دائمًا للحوار، يتجاوز اللقاءات الاحتفالية والمناسبات الرسمية. فالعلاقات بين العراق والفاتيكان تتصل بقضايا السلام والمصالحة والتعايش الديني، فضلًا عن دور الكنيسة في التعليم والعمل الاجتماعي ودعم المجتمعات المتضررة من الحروب.
ويكتسب هذا الدور أهمية إضافية لأن الكرسي الرسولي يمتلك شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية والكنسية، تتيح له إثارة قضايا الأقليات الدينية أمام الحكومات والمؤسسات الدولية، والدعوة إلى حماية حقوقها، وتشجيع المساعدات الإنسانية ومشروعات إعادة الإعمار.
لكن افتتاح مقر جديد لا يعني، في حد ذاته، حدوث تحول فوري في أوضاع المسيحيين. فالدلالة الحقيقية للخطوة ستتوقف على مدى قدرة العلاقات الثنائية على الانتقال من تأكيد المبادئ إلى التعاون العملي في حماية المواطنين، وتسوية النزاعات المتعلقة بممتلكاتهم، وتوفير الظروف التي تسمح للنازحين بالعودة إلى مناطقهم الأصلية.

 المسيحيون العراقيون

يُعد التراجع السكاني أحد أخطر التحديات التي تواجه المسيحيين في العراق. فقبل عام 2003، كانت تقديرات عددهم تتراوح بين نحو 800 ألف و1.4 مليون نسمة، فيما تشير تقديرات كنسية وإعلامية حديثة إلى أن العدد أصبح أقل من 300 ألف، مع وجود اختلاف بين المصادر بشأن الأرقام الدقيقة
ولم يحدث هذا التراجع بسبب عامل واحد، بل نتيجة تراكم الحروب والعنف الطائفي وعمليات الخطف والاغتيال والتفجيرات، ثم التهجير الواسع الذي أعقب سيطرة تنظيم «داعش» على الموصل وسهل نينوى عام 2014.
وقد اضطر عشرات الآلاف من المسيحيين إلى الفرار من بلداتهم، تاركين وراءهم منازلهم وأراضيهم وكنائسهم. وعلى الرغم من استعادة المناطق التي سيطر عليها التنظيم وإعادة بناء عدد من المنازل والكنائس، فإن عودة السكان لم تصل إلى المستوى الذي كانت تأمله المؤسسات الكنسية.
وفي مقابلة مع «فاتيكان نيوز»  اعتبر البطريرك الكلداني مار بولس الثالث نونا أن عودة المسيحيين تمثل التحدي الأكبر أمام الكنيسة العراقية، مشيرًا إلى أن كثيرين هاجروا إلى الخارج، بينما اختارت أسر أخرى البقاء في مناطق أكثر استقرارًا. وشدد على أن العودة تحتاج إلى الثقة بالمستقبل، والأمان، وفرص العمل، والقدرة على بناء حياة مستقرة دون تمييز أو تدخلات تعرقل الحياة اليومية
وهنا تظهر الصلة المباشرة بين افتتاح السفارة الجديدة ومستقبل المسيحيين: فالتواصل الدبلوماسي مع الفاتيكان يمكن أن يكون إحدى الأدوات التي تساعد على إبقاء قضيتهم حاضرة دوليًا، لكنه لا يغني عن إصلاح الأوضاع الأمنية والاقتصادية والقانونية داخل العراق.

 أزمة سهل نينوى.. 

تمثل مناطق سهل نينوى، بما فيها قرقوش وتلكيف وبرطلة ومناطق أخرى ذات حضور مسيحي تاريخي، اختبارًا حقيقيًا لمدى نجاح السياسات الرامية إلى حماية التنوع الديني في العراق.
فإعادة بناء المنازل والكنائس خطوة مهمة، لكنها لا تضمن وحدها عودة العائلات. إذ تتداخل مع ذلك مشكلات الأمن، والنفوذ المسلح، والنزاعات على الأراضي والعقارات، ونقص الخدمات وفرص العمل، إلى جانب مخاوف من تغير التركيبة السكانية في بعض المناطق.
وقد أعادت هذه المخاوف الظهور بقوة في 2026، مع إثارة سياسيين مسيحيين قضايا تتعلق باستعادة الأراضي إلى أصحابها الأصليين، والتحذير من توزيع قطع أراضٍ بطريقة قد تؤثر في التركيبة السكانية لبلدات ذات تاريخ مسيحي. كما أقرت الحكومة البريطانية، في رد برلماني صدر في سبتمبر 2026، بأنها تتابع المخاوف المتعلقة بالنزاعات على الأراضي والنزوح والتغيرات الديموغرافية في سهل نينوى، مؤكدة أهمية حماية حقوق جميع المكونات.
وهذه الملفات تضع الحكومة العراقية أمام مسؤولية أساسية: ضمان تطبيق القانون على الجميع، وحماية الملكية الخاصة، ومنع الاستيلاء على الممتلكات أو عرقلة عودة أصحابها، وتعزيز سلطة مؤسسات الدولة في المناطق التي تتعدد فيها القوى المسلحة والنفوذ السياسي.
كما أن معالجة هذه الأوضاع لا تخدم المسيحيين وحدهم، بل تسهم في ترسيخ دولة المواطنة التي لا ترتبط فيها الحقوق بالانتماء الديني أو القومي أو السياسي.

 المدارس وجامعة أربيل.. 

لم يقتصر خطاب بارولين على الدبلوماسية والتاريخ، بل اتجه إلى مستقبل الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن الكنيسة ستواصل تقديم التعليم الجيد من خلال مدارسها وجامعة أربيل الكاثوليكية، للإسهام في بناء عراق ينعم بالسلام والاستقرار.
وتحمل هذه الإشارة دلالة مهمة؛ فالتعليم أحد المجالات التي تستطيع الكنيسة من خلالها تقديم إسهام ملموس في المجتمع العراقي، بعيدًا عن الاقتصار على الخطاب الديني أو المطالب السياسية.
وقد تأسست الجامعة الكاثوليكية في أربيل عام 2015، في أعقاب النزوح الذي تسببت فيه هجمات تنظيم «داعش»، بهدف توفير التعليم للشباب، ومن بينهم النازحون من الأقليات الدينية. وتستقبل الجامعة طلابًا مسيحيين ومسلمين وإيزيديين، وتسعى إلى تعزيز الحوار والتفاهم من خلال التعليم ودراسة تاريخ الأديان والثقافات.
وهذا النموذج مهم لأنه يربط بقاء المسيحيين بمستقبل العراق كله. فالكنيسة لا تسعى فقط إلى الحفاظ على جماعة دينية داخل مؤسسات مغلقة، بل إلى إعداد أجيال قادرة على المشاركة في المجتمع، والعمل، وبناء علاقات مع أبناء الديانات الأخرى.
غير أن نجاح هذا الدور يتطلب بيئة تسمح للشباب بتخيل مستقبلهم داخل العراق. فالتعليم وحده لا يكفي إذا لم تتوافر فرص العمل والأمان والاستقرار، وإذا ظل الشباب يرون الهجرة الطريق الأكثر ضمانًا لحياة أفضل.

 من «علامة رجاء» إلى التزامات عملية

إن وصف بارولين افتتاح السفارة بأنه «علامة رجاء» يستند إلى فكرة أن الحوار بين الدول يمكن أن يفتح مسارات للتعاون حتى في أوقات الأزمات. لكنه يحمل أيضًا رسالة ضمنية بشأن مسؤولية المؤسسات السياسية والدينية في تحويل الأمل إلى واقع.
وفي كلمته، استحضر بارولين النبي  إبراهيم بوصفه أبًا مشتركًا، وربط بين الجذور الروحية والتاريخية الممتدة في بلاد ما بين النهرين وبين المسؤولية المشتركة عن بناء مستقبل يسوده السلام. كما استذكر الزيارة التاريخية التي قام بها البابا فرنسيس إلى العراق في مارس 2021، والتي أكدت أهمية الحوار بين الأديان والتعايش.
ويمكن ترجمة هذه الرسالة إلى مجموعة من الأولويات العملية هي  
اولا  حماية المسيحيين وسائر الأقليات من الاعتداءات والتهديدات، وضمان تطبيق القانون ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
ثانيا تسوية النزاعات على الأراضي والمنازل في سهل نينوى، وتأمين عودة أصحاب الممتلكات إلى مناطقهم.
ثالثا  دعم إعادة الإعمار وتوفير الخدمات الأساسية وفرص العمل، بما يجعل العودة خيارًا واقعيًا ومستدامًا.
رابعا تعزيز التعليم والتعاون الثقافي بين المؤسسات العراقية والكنيسة، مع ضمان المساواة في الحقوق والفرص لجميع المواطنين.

خامسا استخدام العلاقات الدبلوماسية لتشجيع التعاون الدولي في دعم المجتمعات المتضررة، ومتابعة تنفيذ التعهدات الحكومية المتعلقة بحماية الأقليات.
وقد أعلنت الحكومة العراقية في يوليو 2026 أن تشجيع عودة المسيحيين الذين اضطروا إلى مغادرة البلاد يمثل أولوية وطنية، مع الحديث عن تسهيلات ودعم سكني للعائدين. ورحبت أوساط كنسية بهذه التعهدات، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن العودة تحتاج إلى إجراءات فعلية تعيد الثقة بالمستقبل.

 العراق الذي يحتاج إلى جميع أبنائه

وقد  تكمن القيمة الأعمق لافتتاح السفارة الجديدة في الرسالة التي يفترض أن تحملها إلى الداخل العراقي والخارج معًا: أن المسيحيين ليسوا بقايا جماعة تاريخية يمكن الاستغناء عنها، ولا ضيوفًا يحتاجون إلى إذن للبقاء، بل مواطنون أصليون ينتمون إلى أرض العراق وتاريخه.و
إن استمرار وجودهم لا يتوقف على حماية الكنائس وحدها، بل على ضمان حقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية، وصيانة ممتلكاتهم، وتأمين مستقبل أبنائهم، ووقف العوامل التي تدفعهم إلى الهجرة.
وبالنسبة إلى الفاتيكان، تتيح العلاقات الدبلوماسية المستمرة فرصة لمواصلة الدفاع عن هذه القضايا والتعاون مع السلطات العراقية والمؤسسات الكنسية والمجتمع الدولي. أما بالنسبة إلى بغداد، فإن الحفاظ على المسيحيين يمثل اختبارًا لمدى قدرتها على بناء دولة تتسع لجميع مكوناتها، وتترجم مبدأ المواطنة إلى حقوق ملموسة.
فالسفارة الجديدة قد تكون بالفعل «علامة رجاء»، لكن نجاح هذا الرجاء لن يُقاس بجمال المبنى أو رمزية المناسبة، بل بعدد العائلات التي تستطيع العودة إلى منازلها، وبمدى شعور المسيحيين العراقيين بالأمان، وبقدرتهم على بناء مستقبل لأبنائهم في وطنهم.

شارك