مشروع قانون المعونات الأجنبية في نيجيريا.. مخاوف من تقييد توثيق الجرائم ضد المسيحيين

الثلاثاء 20/أكتوبر/2026 - 10:37 ص
طباعة مشروع قانون المعونات روبير الفارس
 


يتصاعد الجدل في نيجيريا حول مشروع قانون جديد لتنظيم المعونات الأجنبية، وسط تحذيرات منظمات حقوقية وقيادات دينية من أن يؤدي إلى توسيع الرقابة الحكومية على المؤسسات المستقلة، بما قد يهدد قدرتها على توثيق الانتهاكات الدينية، وكشف الهجمات التي تستهدف المسيحيين، ونقل شهادات الضحايا إلى الرأي العام المحلي والدولي.
ويحمل المشروع رقم SB. 1034، ويُعرف باسم «مشروع قانون تنظيم المعونات الأجنبية والشفافية والإفصاح لعام 2026». وقد اجتاز القراءة الثانية في مجلس الشيوخ ، وأُحيل إلى اللجنة المختصة لدراسته وإجراء المشاورات بشأنه، في انتظار استكمال الإجراءات التشريعية اللازمة. وبذلك، لا يزال المشروع مقترحًا لم يصبح قانونًا نافذًا حتى الآن، وفق آخر المعلومات المنشورة التي أمكن التحقق منها. 
وتتركز المخاوف في أن السلطات قد تحصل، بموجب الإطار التنظيمي المقترح، على صلاحيات واسعة للإشراف على المؤسسات التي تتلقى تمويلًا من الخارج، بما فيها المنظمات الحقوقية والإنسانية والكنائس وغيرها من المؤسسات الدينية. ويحذر منتقدو المشروع من أن هذه الصلاحيات قد تتحول إلى أداة للضغط على الجهات التي تكشف أوجه القصور الأمني أو توثق الانتهاكات التي تتعرض لها الأقليات الدينية.

 هيئة جديدة وصلاحيات واسعة للرقابة

يتضمن مشروع القانون إنشاء «هيئة تنظيم المعونات الأجنبية»، تتولى الإشراف على الأموال والمساعدات الخارجية والمنح والتبرعات والمشروعات الممولة من الخارج، مع فرض متطلبات إضافية للتسجيل والإفصاح والتدقيق المالي والامتثال التنظيمي.
وتقول الجهات المؤيدة للمشروع إن الغرض منه هو تعزيز الشفافية والمساءلة، ومنع إساءة استخدام الأموال الأجنبية، وتنسيق برامج المساعدات، وضمان توافقها مع خطط التنمية الوطنية. وهي أهداف لا تعترض عليها منظمات المجتمع المدني من حيث المبدأ، لكن الخلاف يدور حول طبيعة الصلاحيات الممنوحة للهيئة الجديدة، ومدى وضوح المعايير التي ستُستخدم في تقييم أنشطة المؤسسات المستفيدة من التمويل.
وتبرز إحدى نقاط الخلاف في اشتراط توافق الأنشطة الممولة من الخارج مع أولويات التنمية الوطنية في نيجيريا. وترى منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن الصياغة العامة لهذا الشرط تثير مخاوف بشأن إمكان استخدامه لتقييد المؤسسات التي تحقق في انتهاكات حقوق الإنسان أو تنتقد أداء السلطات أو تطالب بمحاسبة المسؤولين.
وحذرت المنظمة من أن عدم الالتزام بالمتطلبات المقترحة قد يعرّض الجهات المخالفة لغرامات مالية أو إلغاء تراخيص التشغيل، فضلًا عن عقوبات أخرى قد تصل إلى السجن. 
وتزداد حساسية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بمنظمات توثق الهجمات على المدنيين، إذ قد تجد نفسها مضطرة إلى الموازنة بين مواصلة عملها الحقوقي والحفاظ على قدرتها على الحصول على التمويل والاستمرار في تقديم خدماتها.

الأساقفة الكاثوليك يرفضون المشروع

انضم مؤتمر الأساقفة الكاثوليك في نيجيريا إلى الجهات المعارضة للمشروع، داعيًا الجمعية الوطنية والحكومة الفيدرالية إلى وقف إجراءات إقراره.
وجاء موقف الأساقفة في ختام اجتماعهم العام الثاني لعام 2026، . وحذروا من أن التشريع المقترح قد يؤثر سلبًا على الكنائس والمساجد والمدارس والمنظمات الإنسانية التي تقدم خدمات حيوية للفئات الأكثر ضعفًا، ولا سيما في المناطق المتضررة من النزاعات وانعدام الأمن.
واعترض الأساقفة بصورة خاصة على الأحكام التي قد تسمح برفض تسجيل المؤسسات أو عدم تجديد تسجيلها إذا اعتُبرت أنشطتها غير متوافقة مع «المصلحة الوطنية»، معتبرين أن مثل هذه الصياغة قد تمنح المسؤولين سلطات تقديرية واسعة، وتفتح الباب أمام تدخل حكومي مفرط في عمل المؤسسات المستقلة.
كما رأوا أن إنشاء إطار تنظيمي إضافي قد يفرض أعباء بيروقراطية جديدة، رغم خضوع المنظمات القائمة بالفعل لمتطلبات قانونية ومالية ورقابية.
ولا يقتصر تأثير هذه المخاوف على النشاط الكنسي المباشر؛ فالكنائس في نيجيريا تؤدي أدوارًا اجتماعية وإنسانية تتجاوز إقامة الشعائر الدينية، إذ تدير مدارس ومرافق صحية، وتقدم مساعدات للنازحين، وتدعم الأسر التي فقدت منازلها أو مصادر رزقها نتيجة الهجمات المسلحة.
وفي مناطق النزاع، قد يكون العاملون في المؤسسات الدينية من بين أول من يتلقى معلومات عن الاعتداءات، أو يتواصل مع الناجين، أو يقدم المساعدة العاجلة للمتضررين. ولذلك، فإن أي قيود تعوق عمل هذه المؤسسات يمكن أن تنعكس على وصول المساعدات وعلى تدفق المعلومات المتعلقة بالانتهاكات. 

 كيف يمكن أن يتأثر توثيق الجرائم ضد المسيحيين؟

تكمن الخطورة المحتملة للمشروع في تأثيره غير المباشر على عملية توثيق الانتهاكات. فالكشف عن الجرائم لا يعتمد على التقارير الصحفية وحدها، وإنما يحتاج إلى شبكة من الشهود والباحثين والمحامين والعاملين في المجال الإنساني والمؤسسات المحلية التي تجمع المعلومات من مواقع الأحداث.
وتكتسب هذه الشبكة أهمية خاصة في نيجيريا، حيث تواجه مناطق مختلفة من البلاد أعمال عنف تشمل هجمات الجماعات المتطرفة وعمليات الخطف والقتل والنزوح القسري والصراعات المحلية. ويتعرض مسيحيون في مناطق عدة لهجمات تستهدف أفرادًا وقرى وكنائس، فيما يتضرر مسلمون ومدنيون آخرون أيضًا من أعمال العنف وانعدام الأمن.
ومن شأن القيود التنظيمية الواسعة أن تؤثر في التوثيق عبر عدة مسارات مترابطة.

أولًا، قد يؤدي تأخر تسجيل المنح أو تعقيد إجراءات الموافقة والتدقيق إلى تعطيل التمويل الذي تحتاج إليه المنظمات لإرسال فرق ميدانية، والتحقق من أخبار الهجمات، وتوثيق أسماء القتلى والمفقودين، وتسجيل شهادات الناجين، وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا.

ثانيًا، قد تدفع المخاوف من العقوبات أو فقدان الترخيص بعض المؤسسات إلى تجنب التحقيق في حوادث حساسة، خصوصًا إذا كان نشر نتائجها قد يكشف إخفاقات أمنية أو يثير انتقادات لأداء مسؤولين حكوميين. ولا يعني ذلك أن المشروع يفرض صراحة حظرًا على توثيق الجرائم، بل إن القلق يتمثل في احتمال استخدام الصلاحيات التنظيمية أو التفسير الواسع لبعض مواده لخلق بيئة تدفع المؤسسات إلى الرقابة الذاتية.

ثالثًا، قد يؤدي الإفصاح الإلزامي عن الجهات المنفذة للمشروعات والأنشطة الممولة إلى تعريض بعض الباحثين والشهود والضحايا لمخاطر إضافية، إذا لم تُصن المعلومات الحساسة المتعلقة بهم. وقد حذرت خمس منظمات حقوقية، في بيان مشترك صدر في 12 أغسطس 2026، من أن اشتراط نشر معلومات عن الشركاء والأنشطة الممولة قد يعرّض المدافعين عن حقوق الإنسان والناجين والشهود للمراقبة أو المضايقة أو الانتقام.
رابعًا، قد يؤدي تراجع قدرة المنظمات المحلية على العمل إلى اتساع الفجوة بين الوقائع التي تحدث على الأرض والمعلومات التي تصل إلى المؤسسات الدولية. فالهجوم الذي يُسجل في البداية بوصفه حادثة منفردة قد يكشف، بعد مقارنة بيانات متعددة، عن نمط متكرر من الاعتداءات على قرى أو جماعات دينية بعينها.
ومن دون توثيق منتظم، قد يصبح من الصعب تحديد حجم الضرر، والتحقق من هوية الضحايا، ورصد تكرار الاعتداءات، ومقارنة الأوضاع بين المناطق والفترات الزمنية. كما قد تتراجع قدرة الباحثين على التمييز بين الجرائم ذات الدوافع الدينية والجرائم المرتبطة بالنزاعات المحلية أو النشاط الإجرامي، وهو تمييز ضروري لإنتاج تقارير دقيقة لا تخلط بين وقائع مختلفة.

 مخاطر على الأدلة والمساءلة الدولية

لا تقتصر أهمية توثيق الجرائم على تسجيل أعداد الضحايا أو نشر صور الدمار، بل تمتد إلى حفظ الأدلة التي يمكن الاستناد إليها في التحقيقات القضائية والحقوقية مستقبلًا.
ويشمل ذلك توثيق زمان الهجوم ومكانه، والتحقق من هويات الضحايا، وجمع شهادات الشهود، وتسجيل الأضرار التي لحقت بالمنازل والكنائس والمدارس، وحفظ المواد المصورة والوثائق ذات الصلة بطريقة تسمح بالتحقق منها لاحقًا.
وقد يؤدي تعطيل عمل الجهات التي تجمع هذه الأدلة إلى فقدان معلومات يصعب استعادتها مع مرور الوقت، خاصة عندما يضطر الناجون إلى النزوح، أو تتعرض المناطق المتضررة لهجمات جديدة، أو يتعذر على الصحفيين والباحثين الوصول إليها.
كذلك تعتمد المؤسسات الدولية والهيئات المعنية بحرية الدين وحقوق الإنسان على تقارير مستقلة لمقارنة المعلومات الواردة من مصادر متعددة، وتقييم مدى استجابة السلطات، وتحديد الاحتياجات الإنسانية، ومتابعة التحقيقات في الجرائم.
ومن ثم، فإن أي تراجع في قدرة المؤسسات المحلية على العمل قد يؤثر في جودة المعلومات المتاحة لصناع القرار، ويجعل الانتهاكات أقل ظهورًا على المستوى الدولي، حتى لو لم يؤدِّ إلى اختفاء الوقائع نفسها.
وفي هذا السياق، تؤكد «هيومن رايتس ووتش» أن استقلال المجتمع المدني ضروري لكشف التجاوزات ومساءلة المسؤولين، محذرة من أن إخضاع التمويل الخارجي لأولويات حكومية غير محددة بوضوح قد يقيد أنشطة المنظمات التي تراقب أداء السلطات وتطالب بالإصلاح. 

 بين الشفافية وحرية العمل الحقوقي

في المقابل، تظل الشفافية المالية ومكافحة الفساد وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها أهدافًا مشروعة. لكن التحدي يتمثل في تحقيق هذه الأهداف من دون إنشاء آليات تسمح بالتدخل غير المتناسب في استقلال المؤسسات الدينية والحقوقية والإنسانية.
وتطالب الجهات المعارضة للمشروع بسحبه، أو على الأقل مراجعة أحكامه بما يضمن حماية حرية تكوين الجمعيات والتعبير، وعدم إخضاع أنشطة حقوق الإنسان لمعايير فضفاضة يمكن تفسيرها بصورة انتقائية. كما تدعو إلى حماية سرية بيانات الشهود والضحايا، ووضع ضمانات تمنع استخدام إجراءات التسجيل والتدقيق المالي لمعاقبة المؤسسات بسبب طبيعة عملها الحقوقي.
ويظل موقف مؤتمر الأساقفة الكاثوليك ذا أهمية خاصة، لأن المؤسسات الكنسية تمثل في مناطق عديدة من نيجيريا جزءًا من البنية الأساسية للعمل الإنساني، كما تشكل مصدرًا للمعلومات المحلية عن احتياجات المجتمعات المتضررة من العنف.

و لا تكمن المسألة في التمويل الأجنبي وحده، بل في الضمانات التي تحكم استخدام السلطات التنظيمية. فإذا طُبقت قواعد شفافة ومحددة وخضعت لرقابة مستقلة، أمكن تعزيز المساءلة المالية من دون المساس بالعمل الحقوقي. أما إذا اتسمت الصلاحيات بالغموض واتسع نطاق العقوبات، فقد تصبح كلفة توثيق الانتهاكات أعلى، وقد تتردد المؤسسات في نشر المعلومات التي تحتاج إليها المجتمعات المتضررة للدفاع عن حقوقها.
وبالنسبة إلى المسيحيين في نيجيريا، فإن الحفاظ على إمكانية توثيق الاعتداءات التي يتعرضون لها ليس مجرد مسألة إعلامية، بل شرط أساسي لإبقاء معاناتهم مرئية، وحفظ حقوق الضحايا، والمطالبة بتحقيقات مستقلة، وضمان ألا تمر الجرائم من دون مساءلة.
ويبقى السؤال المطروح أمام المشرعين النيجيريين هو كيفية تنظيم المعونات الأجنبية من دون الإضرار باستقلال المؤسسات التي تقدم المساعدة وتوثق الانتهاكات. فحماية الأمن والشفافية لا ينبغي أن تتحول إلى سبب لإضعاف الرقابة المستقلة، لأن مكافحة العنف وحماية جميع المواطنين تتطلبان معلومات موثوقة، وشهودًا قادرين على الكلام، ومؤسسات تستطيع العمل دون خوف من العقاب بسبب كشف الحقيقة.

شارك