استراتيجية الإكراه السياسي: كيف تستغل حركة الشباب العشائر في الصومال؟

الخميس 22/أكتوبر/2026 - 07:32 ص
طباعة استراتيجية الإكراه علي رجب
 

لا يعد تفاعل حركة الشباب مع العشائر الصومالية بأي حال من الأحوال استراتيجية جديدة أو طارئة على المشهد الأمني والسياسي في البلاد، فقد حافظت الجماعة على مدار سنوات طويلة على تفاعلات مستمرة ومدروسة مع الهياكل العشائرية، وذلك عبر الاعتماد على شيوخ مختارين بعناية فائقة، أو مخترقين، أو منتدبين ذاتيا، حيث يتم وضعهم عمدا وبدقة كبدائل للسلطات العشائرية التقليدية الشرعية والمثبتة مجتمعيا.
 ويدرك الخبراء والمختصون الذين يبرزون على دراية عميقة بهياكل الجماعة الداخلية، أو أولئك الذين يشاركون بشكل مباشر في جهود مكافحة الإرهاب في الصومال وعموم منطقة قرن أفريقيا، أن شبكات شيوخ العشائر تشكل في الواقع أحد الأعمدة المالية والتشغيلية الحرجة التي تستند إليها الجماعة في استمرار عملياتها.

شيوخ بديلون لخدمة أجندة الإكراه والابتزاز
إن الشيوخ المفضلين لدى حركة الشباب ليسوا بالضرورة أولئك الذين يتمتعون باحترام حقيقي أو قبول شعبي واسع داخل مجتمعاتهم المحلية، بل هم أولئك الأفراد الذين يظهرون استعدادا تاما لخدمة مصالح الجماعة على حساب شعوبهم وقبائلهم. يسهل هؤلاء الأفراد عمليات الابتزاز المنهجي، ويقومون بجمع الأموال بالقوة والتهديد، فضلا عن تجنيد العناصر الشابة في صفوف الجماعة، وممارسة الضغوط على رجال الأعمال وإقناعهم بضرورة تمويل الجماعة أو تقديم الدعم والتعاون معها
. وفي نهاية المطاف، يقدم هؤلاء الشيوخ غطاء هشا من الشرعية التقليدية لتواجد الحركة وسيطرتها الميدانية داخل الأراضي العشائرية، ومن خلال هذه الشبكات الإكراهية والتلاعبية، تستغل الجماعة الهياكل العشائرية التقليدية لتعزيز نفوذها، واستخلاص الموارد المالية، وتقويض الحكم الشرعي للدولة.

أبعاد سياسية وتداعيات في هيران وجلجالود
لذلك، لا ينبغي أبدا تفسير تفاعل الشباب الأخير مع العشائر في مناطق هيران وجلجالود على أنه مجرد مبادرة مصالحة روتينية أو تعبير عفوي عن مصالح العشائر وتطلعاتها.
 بل هو من الأفضل فهمه كمناورة سياسية متعمدة ومدروسة بعناية، مصممة خصيصا لإضعاف تعاون العشائر مع الحكومة الاتحادية في الصومال، وتقويض سلطة الدولة المركزية، وتعزيز ادعاء الجماعة بالتعايش كقوة بديلة وموازية داخل الأراضي التي تمارس فيها الحكومة أيضا نفوذها الرسمي.
 وهنا تستحق مذكرات التفاهم المبلغ عنها بين الأطراف المختلفة تدقيقا واهتماما خاصا، حيث قد تشير شروطها الخفية والمعلنة إلى محاولة خطيرة لتوثيق ترتيبات متوازية يعمل فيها سلطات العشائر والشباب داخل الإقليم نفسه، وربما يتم ذلك كله على حساب سلطة الحكومة وترتيبات الأمن القومي.

التوقيت السياسي ومحاولات استغلال حالة عدم اليقين
يبدو هذا التفاعل المكثف أيضا بمثابة إشارة واضحة إلى إحياء جهود الشباب في التواصل مع العشائر بعد نحو أربع سنوات من الضغط الحكومي المكثف والقيود الأكثر شدة على قدرة الجماعة على زراعة وعلاقات مع هياكل عشائرية تتماشى مع سياسات الدولة. 
ويأتي التوقيت هنا حاملا لأهمية بالغة؛ فمع اقتراب الحكومة الاتحادية من نهاية ولايتها الدستورية، قد يسعى اللاعبون المنافسون والمصالح الخاصة بشكل متزايد إلى أدوات بديلة للضغط والنفوذ السياسي والانتقام، وذلك ردا على قرارات الحكومة الاستراتيجية. 
ومن ثم، قد يخدم تجديد تفاعل الشباب مع مكونات العشائر لا أهدافه طويلة الأمد في استخلاص المال والتجنيد والنفوذ الإقليمي فحسب، بل يخدم أيضا جهودا أوسع بكثير لاستغلال حالة عدم اليقين السياسي وإضعاف التحالفات المتبقية للحكومة الاتحادية.

استنتاجات استراتيجية وقراءات خاطئة
وخلاصة القول، إن القضية المركزية والجوهرية ليست ببساطة في حقيقة أن الشباب يتفاعل مع عشائر الصومال، بل تكمن في سعيه الدؤوب لتحويل هياكل العشائر إلى أدوات طيعة للإكراه، واستخلاص المال، والعرقلة السياسية، والشرعنة الإقليمية.
 إن أي تقييم سياسي أو أمني يتجاهل هذا النمط الثابت والمثبت تاريخيا يخاطر بشدة بقراءة نوايا الجماعة خطأ والتقليل من حجم الآثار الاستراتيجية الخطيرة المترتبة على تجديد تواصلها في محافظتي هيران وجلجالود.

شارك