كيف تهدد جماعة الإخوان المسلمين المصالح الأمريكية في السودان وليبيا؟

الجمعة 23/أكتوبر/2026 - 01:44 م
طباعة كيف تهدد جماعة الإخوان فاطمة عبدالغني
 
لا تقتصر التحديات التي تواجه الولايات المتحدة في السودان وليبيا على إنهاء الصراعات الداخلية والتوصل إلى تسويات سياسية، بل تمتد إلى مستقبل الجماعات الإسلامية المسلحة وعلاقاتها بقوى خارجية، وما قد يترتب على استمرار نفوذها من مخاطر أمنية وبحرية واقتصادية. 
وفي هذا السياق، يرى بول دو كينوي، في مقال نشرته مجلة "ذا ناشيونال إنترست"، أن نجاح الدبلوماسية الأمريكية في تحقيق الاستقرار يتطلب منع هذه الجماعات من استعادة نفوذها عبر اتفاقيات السلام وتقاسم السلطة.

ويحذر الكاتب من أن التسويات السياسية التي لا تتعامل مع الهياكل المسلحة المرتبطة بأطراف خارجية قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات بدلًا من إنهائها، مشيرًا إلى أن حالتي السودان وليبيا تكشفان عن تحديات تتجاوز حدودهما، لتطال أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط وتدفقات الطاقة الدولية.

تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية ومخاطر النفوذ الإيراني

يشير دو كينوي إلى أن الولايات المتحدة رفعت اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في ديسمبر 2020، قبل أن تصنف إدارة الرئيس دونالد ترامب، في مارس 2026، جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمة إرهابية عالمية مصنفة تصنيفًا خاصًا ومنظمة إرهابية أجنبية. 
واستند التصنيف، بحسب المقال، إلى ارتباط الجناح المسلح الرئيسي للجماعة، لواء البراء بن مالك، بالحرس الثوري الإيراني وضلوعه في أعمال عنف جماعي ضد المدنيين.

ويعود الكاتب بجذور نفوذ الحركة الإسلامية السودانية إلى ثلاثة عقود من حكم عمر البشير، حين تمكنت شخصيات مرتبطة بها من ترسيخ حضورها داخل المؤسسات الأمنية والوزارات الحكومية والشبكات الاقتصادية، من خلال حزب المؤتمر الوطني والأحزاب التي سبقته. 
كما فرضت واشنطن عقوبات على علي كرتي، وزير الخارجية السوداني السابق وأحد أبرز قيادات الحركة الإسلامية، في سبتمبر 2023، على خلفية اتهامه بتقويض الانتقال الديمقراطي وعرقلة جهود السلام.

ويرى المقال أن الحرب الأهلية الدائرة في السودان أوجدت فرصًا أمام هذه الشبكات لاستعادة نفوذها، إذ قاتل لواء البراء بن مالك إلى جانب القوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان في مواجهة قوات الدعم السريع. 
ويضع ذلك مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي ووزارة الخارجية للشؤون العربية والأفريقية، أمام تحديين متزامنين: المساهمة في إنهاء الحرب، والحيلولة دون استمرار نفوذ الجماعات الإسلامية المصنفة إرهابية في مستقبل البلاد السياسي.

ويحذر دو كينوي من أن بقاء اللواء بعد انتهاء الحرب، أو السماح له بالمشاركة في أي ترتيبات مستقبلية لتقاسم السلطة، قد يخلق تهديدًا طويل الأمد لأمن البحر الأحمر وتدفقات الطاقة الدولية. 
ويستند في ذلك إلى ما يصفه بقدرة الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، ومنها الحوثيون في اليمن، على تهديد الملاحة التجارية وإسرائيل والقوات البحرية الأمريكية.

إيران وشبكات الإسلام السياسي خارج الانقسامات الطائفية

يربط الكاتب بين التحديات في السودان وليبيا وبين اتساع نطاق التعاون الإيراني مع جماعات إسلامية مسلحة، من بينها حماس والحوثيون وحزب الله، ويشير إلى أن التباينات الطائفية لم تمنع هذه الأطراف من إقامة شراكات عندما تتقاطع مصالحها، مستشهدًا بما أورده عن تقديم إيران نحو 93% من الميزانية العسكرية لحماس حتى عام 2023.

ويعتبر دو كينوي أن تراجع قدرات بعض حلفاء إيران الإقليميين، نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية، لا يعني بالضرورة انتهاء الشبكات المرتبطة بها، محذرًا من استغلال التسويات السياسية لإعادة بناء نفوذها أو توسيع عضويتها.

وفي هذا الإطار، يؤكد الكاتب أن تصنيف الجماعات المستهدفة بإجراءات مكافحة الإرهاب لا يكفي وحده، ما لم تقترن به تدابير تمنعها من استعادة نفوذها القسري من خلال الترتيبات الدبلوماسية أو التسويات الداخلية. 
ويشير إلى أن واشنطن صنفت، قبل مارس 2026، فروعًا لجماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان ضمن إجراءاتها لمكافحة الإرهاب.

ليبيا.. نفوذ الإخوان والدور التركي

في ليبيا، يوضح المقال أن شخصيات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين أسست حزب العدالة والبناء بعد سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، وحل الحزب في المركز الثاني خلال الانتخابات الوطنية عام 2012، وشغل خمس حقائب وزارية في حكومة الائتلاف الوطني حتى عام 2014، فيما امتد نفوذه إلى جوانب من الحكم المحلي والمجتمع المدني.

ويشير دو كينوي إلى أن تركيا، في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، دعمت حزب العدالة والبناء والحكومة في غرب ليبيا خلال مواجهاتها العسكرية مع الحكومة المنافسة في الشرق، كما يستشهد بأبحاث المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية بشأن دعم أنقرة السابق لحركات سياسية مرتبطة بالإخوان المسلمين، واستضافتها منفيين إسلاميين من ليبيا ومصر وغزة وغيرها.

ويضيف المقال أن البرلمان التركي مدد، في ديسمبر 2025، انتشار القوات التركية في ليبيا لعامين إضافيين اعتبارًا من يناير 2026، وفي تطور لاحق أقرت حكومة شرق ليبيا في 20 أكتوبر 2026 اتفاقية بحرية مع تركيا، أثارت اعتراضات من اليونان وقبرص ومصر وبعض السياسيين الأمريكيين الذين وصفوها بأنها غير قانونية ومزعزعة للاستقرار.

ويرى الكاتب أن هذه التطورات تستدعي اهتمام واشنطن، نظرًا إلى ارتباط أمن شرق المتوسط بتوازنات حلف شمال الأطلسي، وبخطوط النقل البحري التي تنقل منتجات الطاقة من الخليج العربي إلى الأسواق الأوروبية، ويحذر من أن أي اضطراب في المنطقة قد يزيد الضغوط على أسواق الطاقة الدولية ويضر بالمصالح الاقتصادية الأمريكية.

أمن الطاقة وتحديات الاستراتيجية الأمريكية

يبرز المقال أهمية الدور اليوناني في خطط الولايات المتحدة لنقل الغاز الطبيعي المسال إلى البلقان وأوروبا الوسطى وأوكرانيا، بما يدعم توجهًا لاستبدال واردات الطاقة الروسية بإمدادات أمريكية وأخرى من حوض بحر قزوين عبر خطوط أنابيب تمر بتركيا.

ويحذر دو كينوي من أن تدهور العلاقات اليونانية التركية، على خلفية السياسة التركية في ليبيا، قد يعرقل هذه الترتيبات ويؤثر في أمن الطاقة الأوروبي، فضلًا عن إبقاء المجال مفتوحًا أمام روسيا للمنافسة في دبلوماسية الطاقة. 
ومن ثم، يربط الكاتب بين احتواء نفوذ الجماعات الإسلامية في ليبيا والحفاظ على استقرار شرق المتوسط والمصالح الاقتصادية الأمريكية.

ويدعو المقال واشنطن إلى تبني استراتيجية إقليمية تتجاوز التفاوض على اتفاقيات السلام، بحيث تشمل في السودان فرض قيود قابلة للتنفيذ على الدعم العسكري الإيراني ومنع الجماعات المصنفة إرهابية من الوصول إلى السلطة. 
أما في ليبيا، فيدعو إلى توحيد الهياكل الأمنية، وإبقاء حزب العدالة والبناء في المعارضة، وإضعاف العناصر المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين داخله، مع منع العلاقات التجارية مع تركيا أو غيرها من الإضرار باستقرار شرق المتوسط.

كما يشدد الكاتب على استمرار إخضاع لواء البراء بن مالك للاستخبارات الأمريكية والعقوبات وإجراءات مكافحة الإرهاب، وعلى ضرورة تغيير مسار التدخل التركي في ليبيا بعيدًا عن دعم الإسلام السياسي أو التسبب في اضطرابات إضافية للأمن البحري.

ويرى المراقبون، أن التحدي الأمريكي في السودان وليبيا لا يتعلق فقط بإنهاء الصراعات أو التوصل إلى اتفاقيات سياسية، بل بقدرة واشنطن على منع الجماعات المسلحة وشبكات النفوذ الخارجية من استثمار تلك الاتفاقيات لاستعادة حضورها. 
ووفقًا لطرح دو كينوي، فإن استقرار البلدين يرتبط أيضًا بأمن البحر الأحمر وشرق المتوسط، وبحماية طرق التجارة وإمدادات الطاقة، ما يجعل نجاح الدبلوماسية الأمريكية مرهونًا بمدى قدرتها على معالجة أسباب عدم الاستقرار، لا الاكتفاء بتسويات قد تعيد إنتاجه.

شارك