من الصومال إلى أفغانستان عبر اليمن.. شبكة تمويل تغذي «داعش» وتهدد المسيحيين
الثلاثاء 27/أكتوبر/2026 - 10:47 ص
طباعة
روبيرالفارس
تتزايد المخاوف الدولية من قدرة تنظيم «داعش» الإرهابي على إعادة بناء شبكاته المالية العابرة للحدود، مستفيدًا من العملات الرقمية ووسائل الاتصال المشفرة لتأمين الموارد اللازمة لفروعه المنتشرة في مناطق مختلفة من العالم، في وقت تحذر فيه منظمات معنية بالحريات الدينية من استمرار التهديد الذي يشكله التنظيم للمجتمعات المسيحية، خصوصًا في المناطق التي تعاني ضعف المؤسسات الأمنية والصراعات المسلحة.
وفي هذا السياق، كشف تقرير لمنظمة «الاهتمام المسيحي الدولي» (International Christian Concern – ICC)، ومقرها العاصمة الأمريكية واشنطن، عن شبكة مالية تربط فروع تنظيم «داعش» في الصومال واليمن وأفغانستان، وتستخدم العملات المشفرة لنقل الأموال بعيدًا عن الأنظمة المصرفية التقليدية، بما يسمح للتنظيم بمواصلة تمويل أنشطته رغم الضغوط الأمنية والعقوبات الدولية.
وبحسب المعلومات التي أوردها التقرير، يلعب فرع التنظيم في الصومال دورًا في توفير التمويل لتنظيم «داعش – ولاية خراسان»، الذي ينشط بصورة أساسية في أفغانستان وباكستان، مستفيدًا من قنوات مالية تمر عبر اليمن، في مؤشر على استمرار التنسيق بين الفروع الإقليمية للتنظيم رغم التباعد الجغرافي بينها.
ونقل التقرير عن تقديرات أممية أن فرع «داعش» في الصومال يحول ما لا يقل عن 25 ألف دولار شهريًا إلى ولاية خراسان باستخدام العملات المشفرة، وهو مبلغ يعكس وجود قنوات تمويل منتظمة، وليس مجرد تحويلات مالية عارضة، وفق المعلومات التي عرضتها المنظمة.
وتكتسب هذه الشبكة أهمية خاصة بالنظر إلى أن التنظيم فقد خلال السنوات الماضية معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها في العراق وسوريا، لكنه احتفظ بقدرات على العمل عبر خلايا وفروع إقليمية وشبكات مالية تتجاوز الحدود الوطنية.
وأشار التقرير إلى أن الروابط المالية بين فرعي التنظيم في الصومال واليمن تعززت عقب مقتل بلال السوداني، الذي كان يُعد أحد أبرز المسؤولين عن إدارة وتسهيل التمويل داخل التنظيم، خلال عملية عسكرية نفذتها القوات الأمريكية في الصومال عام 2023.
وبحسب التقرير، أسهمت هذه الروابط في دعم قدرات فرع التنظيم بالصومال، بما في ذلك الحصول على أسلحة ومتفجرات وطائرات مسيّرة، وهو ما يعكس العلاقة بين التدفقات المالية واستمرار التهديدات الأمنية.
ولا تقتصر خطورة هذه التحويلات على حجم الأموال المتداولة، وإنما تمتد إلى طبيعة الشبكة نفسها، إذ تسمح وسائل الدفع الرقمية والاتصالات المشفرة بربط مجموعات متباعدة جغرافيًا، وتزيد صعوبة تتبع بعض المعاملات وتحديد المستفيدين النهائيين منها، خصوصًا عندما تُستخدم أدوات لإخفاء الهوية أو وسطاء غير خاضعين للرقابة.
المسيحيون ضمن أهداف التنظيم
وفي الجانب المتعلق بالحريات الدينية، حذرت منظمة «الاهتمام المسيحي الدولي» من أن المجتمعات المسيحية لا تزال ضمن الفئات المستهدفة في خطاب تنظيم «داعش» وعملياته، مشيرة إلى أن التنظيم يوظف تفسيرات دينية متطرفة لتبرير الاعتداء على أتباع الديانات الأخرى.
واستشهد التقرير بمواد دعائية منسوبة إلى التنظيم تتضمن تحريضًا على استهداف المسيحيين واليهود واحتفالاتهم الدينية، معتبرًا أن هذه الرسائل تعكس استمرار حضور العداء الديني في أيديولوجيته، إلى جانب أهدافه السياسية والعسكرية.
ويعيد هذا التحذير إلى الأذهان الجرائم التي ارتكبها التنظيم بحق المسيحيين في العراق وسوريا، خصوصًا بعد سيطرته على الموصل وأجزاء من سهل نينوى عام 2014، حين اضطر عشرات الآلاف من المسيحيين إلى النزوح، وتعرضت كنائس وأديرة ومنازل للتدمير والنهب، فضلًا عن عمليات الخطف والقتل والتهديد.
كما امتد استهداف المسيحيين إلى مناطق أخرى، من بينها ليبيا، حيث أقدم عناصر تابعون للتنظيم عام 2015 على قتل 21 مسيحيًا، معظمهم من العمال المصريين الأقباط، في جريمة أثارت إدانات دولية واسعة، وأصبحت إحدى أبرز الشواهد على استهداف التنظيم للمدنيين بسبب انتمائهم الديني.
وفي أفغانستان وباكستان، يمثل نشاط «داعش – ولاية خراسان» مصدر تهديد للأقليات الدينية والمدنيين عمومًا، وإن كانت طبيعة المجتمعات المستهدفة تختلف من منطقة إلى أخرى. ولذلك فإن التحذير من احتمال استهداف المسيحيين لا يعني وجود معلومات مؤكدة عن مخطط محدد ضد كنيسة أو مجتمع مسيحي بعينه.
منظمة «الاهتمام المسيحي الدولي»
تُعد منظمة «الاهتمام المسيحي الدولي» (ICC) مؤسسة مسيحية أمريكية غير ربحية، تأسست عام 1995 على يد ستيف سنايدر، وتتخذ من منطقة واشنطن مقرًا لها، وتعمل على رصد الانتهاكات التي يتعرض لها المسيحيون بسبب معتقداتهم الدينية، وتقديم المساعدات للمتضررين، والدفاع عن حقوقهم أمام المؤسسات السياسية والحقوقية.
وتعرّف المنظمة نفسها بأنها مؤسسة مسيحية إنجيلية غير مرتبطة بطائفة بعينها، وتقدم الدعم للمسيحيين من خلفيات كنسية متعددة، من بينهم الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت.
وتعتمد في عملها على ثلاثة محاور رئيسية: تقديم المساعدات الإنسانية للمسيحيين المتضررين من الاضطهاد، والمناصرة السياسية والحقوقية من خلال التواصل مع صناع القرار، والتوعية الإعلامية عبر نشر التقارير والتحقيقات المتعلقة بالتمييز والعنف الديني
وتنفذ المنظمة مشروعات في أكثر من عشرين دولة، تشمل مناطق في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، بالتعاون مع شركاء محليين. وتشمل أنشطتها مساعدة الأسر التي فقدت مصادر رزقها، ودعم المجتمعات التي تعرضت كنائسها للهجمات، ومساندة عائلات الضحايا، إلى جانب مشروعات تهدف إلى تعزيز قدرة المجتمعات المسيحية على الاستمرار في مناطقها.
وتختلف طبيعة المنظمة عن الهيئات الأممية أو الأجهزة الاستخباراتية؛ فهي مؤسسة دينية حقوقية ذات نشاط إغاثي ومناصري، وتستند تقاريرها إلى أبحاثها ومصادر ميدانية ومعلومات منشورة لدى المؤسسات الدولية. ومن ثم، ينبغي التمييز بين المعلومات التي توثقها مباشرة والتقديرات الأمنية والأممية التي تنقلها عن جهات أخرى.
وفي 24 أكتوبر 2026، أعلن رئيس المنظمة شون رايت، في بيان بعنوان «على الحكومات أن تتحد لقطع شرايين التمويل المالي للإرهاب»، ضرورة اتخاذ إجراءات دولية أكثر صرامة لتعطيل الشبكات المالية للجماعات الإرهابية. واستند إلى تقرير جديد للمنظمة بعنوان «اقتصاد الإرهاب في خراسان: عمليات تنظيم الدولة الإسلامية ضد المسيحيين»، تناول شبكات التمويل المرتبطة بالصومال واليمن، واستخدام العملات المشفرة، والتحديات التي تواجه الحكومات في تتبع المعاملات غير المشروعة.
تحذيرات من استمرار تدفق الأموال
وتتقاطع تحذيرات المنظمة مع معلومات وردت في تقارير دولية عن تنامي الدور المالي لفرع «داعش» في الصومال، ولا سيما المكتب المعروف باسم «الكرار»، الذي تحول إلى إحدى قنوات جمع الأموال وإعادة توزيعها على فروع التنظيم.
وأشارت دراسة لمعهد دراسات وتحليلات الدفاع الهندي، نُشرت عام 2026، إلى أن فرع التنظيم في الصومال أصبح مركزًا ماليًا مهمًا، وأنه أدار منذ عام 2023 تحويلات شهرية بالعملات المشفرة إلى فرع خراسان بقيمة 25 ألف دولار. ويجب التعامل مع هذا الرقم بوصفه تقديرًا موثقًا لفترة سابقة، وليس دليلًا مستقلًا على استمرار المبلغ نفسه في أكتوبر 2026.
كما تناول تقرير أممي صدر عام 2025 استمرار حصول فرع خراسان على موارد من شبكة «الكرار» في الصومال، إلى جانب التبرعات وعمليات الخطف مقابل الفدية، مشيرًا إلى تزايد تعقيد استخدام العملات الرقمية في نقل الأموال.
وفي ضوء هذه المعطيات، دعت منظمة «الاهتمام المسيحي الدولي» إلى تعزيز التعاون بين الحكومات وأجهزة الاستخبارات والمؤسسات المالية، وتشديد الرقابة على المعاملات المشبوهة، وملاحقة شبكات الابتزاز والخطف التي توفر الموارد للجماعات الإرهابية.
وتؤكد هذه التحذيرات أن مواجهة «داعش» لم تعد تقتصر على ملاحقة عناصره المسلحة أو منع سيطرته على الأراضي، بل تتطلب أيضًا تفكيك البنية الاقتصادية التي تسمح له بالاستمرار وإعادة تنظيم صفوفه.
وبالنسبة للمجتمعات المسيحية التي عانت بالفعل موجات من العنف والتهجير، فإن استمرار هذه الشبكات يمثل مصدر قلق إضافيًا بشأن مستقبلها، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى الحماية الأمنية الفعالة.
وتبقى الرسالة الأساسية التي يطرحها التقرير أن حماية المسيحيين وغيرهم من المدنيين المهددين بالإرهاب لا تبدأ فقط عند وقوع الاعتداءات، وإنما تتطلب تجفيف مصادر تمويل الجماعات التي تخطط لها، ومنع تحويل الأموال غير المشروعة إلى أدوات جديدة للقتل والتهجير.
