كنائس هولندا تفتح أبوابها للاجئين و تتحدى تصاعد الخطاب المناهض للهجرة

الثلاثاء 27/أكتوبر/2026 - 10:49 ص
طباعة كنائس هولندا تفتح روبير الفارس
 
 



في وقت تتصاعد فيه داخل عدد من الدول الأوروبية الدعوات إلى تشديد سياسات الهجرة واللجوء، وتزداد الضغوط السياسية والشعبية للحد من استقبال الوافدين الجدد، اختارت 19 كنيسة ومنظمة مسيحية في هولندا تقديم استجابة مختلفة للأزمة، بإطلاق مبادرة إنسانية مشتركة تفتح من خلالها أبواب المؤسسات الكنسية لإيواء اللاجئين الذين حصلوا على تصاريح إقامة، لكنهم لم يجدوا بعد مساكن دائمة تتيح لهم بدء حياتهم الجديدة.
وتحمل المبادرة اسم «Actie Onderdak»، أي «حملة الإيواء»، وتقوم على دعوة الكنائس والأبرشيات والجماعات المسيحية المحلية إلى توفير أماكن إقامة مؤقتة للعائلات اللاجئة، لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، في المنازل والملحقات والمباني المتاحة التابعة للمؤسسات الدينية، في محاولة لتخفيف الضغط المتزايد على مراكز استقبال اللاجئين التي تعاني الاكتظاظ.
وتكتسب المبادرة أهمية خاصة لأنها لا تستهدف الوافدين الجدد الذين لا تزال طلبات لجوئهم قيد الدراسة، وإنما تركز على الأشخاص الذين اعترفت السلطات الهولندية بحقهم في الإقامة، لكنهم ما زالوا مضطرين إلى البقاء داخل مراكز الاستقبال بسبب عدم توافر مساكن مناسبة لهم.
وتعكس هذه المشكلة أحد أوجه أزمة الإسكان التي تواجهها هولندا منذ سنوات، حيث يؤدي نقص المساكن، ولا سيما الوحدات الاجتماعية منخفضة التكلفة، إلى إطالة فترات انتظار اللاجئين الحاصلين على الإقامة، وهو ما يحرمهم من الاستقرار ويؤخر اندماجهم في المجتمع، ويشغل في الوقت نفسه أماكن داخل مراكز الاستقبال يحتاج إليها طالبو اللجوء الجدد.
وتُنفذ المبادرة بالتنسيق مع الهيئة المركزية لاستقبال طالبي اللجوء في هولندا (COA)، وبدعم من منظمة «INLIA»، وهي منظمة مسيحية هولندية تعمل في مجال مساعدة اللاجئين والأشخاص الذين يواجهون أوضاعًا قانونية أو إنسانية صعبة.
وبحسب تفاصيل المبادرة، يجري العمل على تغطية التكاليف التشغيلية المرتبطة باستضافة العائلات، مع وضع ترتيبات لانتقالها إلى مساكن دائمة أو إيجاد بدائل مناسبة عند انتهاء فترة الإيواء المؤقت، بما يحد من احتمال تعرض المستفيدين لأزمة سكن جديدة.
وتشارك في المبادرة مؤسسات كنسية بارزة، بينها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية والكنيسة البروتستانتية الهولندية، في نموذج للتعاون بين الطوائف المسيحية حول قضية إنسانية واجتماعية تتجاوز الاختلافات المذهبية.
ولا تقتصر أهمية المبادرة على توفير سقف مؤقت للعائلات، بل تمتد إلى مساعدتها على الخروج من العزلة التي تفرضها مراكز الاستقبال، وإتاحة فرص للتواصل مع السكان المحليين، والتعرف على المجتمع الهولندي، وبدء خطوات الاندماج في الحياة اليومية.

 الكنائس تتحرك في مواجهة أزمة الاستقبال

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن مجلس الكنائس الهولندي إلى أن المبادرة انطلقت في 20 أكتوبر 2026، بقيادة المجلس والكنيستين البروتستانتية والكاثوليكية، وبمساندة عدد من الهيئات المسيحية الأخرى. وتوضح هذه البيانات أن المبادرة تحظى بدعم كنسي واسع، وإن كانت لا تقدم حصرًا تفصيليًا يؤكد رقم 19 جهة بوصفها جميع الجهات المؤسسة.
وبعد ثلاثة أيام فقط من إطلاقها، أعلن مجلس الكنائس أن عشرات الكنائس والأبرشيات والجماعات الدينية تواصلت للاستفسار عن المشاركة، وأن نحو عشرين جماعة كنسية بدأت اتخاذ خطوات عملية للمساهمة في الحملة.
وتتيح المبادرة استخدام مبانٍ كنسية غير مستغلة، ومنازل القساوسة الخالية، وأجزاء من الأديرة، أو مساكن تستأجرها الكنائس بصورة مؤقتة. وتوفر منظمة INLIA الدعم القانوني والمالي والتنظيمي، فضلًا عن خدمة مساعدة تعمل على مدار الساعة.
وفي رسالة إلى الكنائس المحلية، دعا القس "كيس فان إكريس"، المسؤول البارز في الكنيسة البروتستانتية الهولندية، الجماعات المسيحية إلى عدم الاكتفاء بمراقبة الأزمة، وإنما تحويل الإيمان إلى عمل ملموس يخدم المحتاجين. كما شجع أسقف روتردام" هانس فان دن" هذه المؤسسات الكاثوليكية على دراسة إمكان توفير أماكن للإيواء

 أوروبا بين الترحيب باللاجئين ورفضهم  

وتأتي هذه المبادرة في لحظة أوروبية تتسم بتباين واضح في المواقف من الهجرة. ففي الوقت الذي تواصل فيه الكنائس والمنظمات الإنسانية الدفاع عن استقبال الفارين من الحروب والاضطهاد، تتجه حكومات وقوى سياسية في عدد من الدول الأوروبية إلى تشديد إجراءات الدخول واللجوء والترحيل، وسط جدل يتعلق بالأمن والهوية الوطنية والضغوط الاقتصادية وأزمة الخدمات العامة.
وقد دخل الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء حيز التطبيق في 12 يونيو 2026، متضمنًا إجراءات أكثر تنظيمًا لفحص الوافدين على الحدود، وتسريع البت في طلبات اللجوء والعودة، إلى جانب آليات للتضامن وتقاسم المسؤوليات بين الدول الأعضاء. ويعكس الميثاق محاولة أوروبية للجمع بين ضبط الحدود والالتزام بحماية الأشخاص المستحقين للجوء
وفي المقابل، تستمر المبادرات التضامنية التي تقودها المؤسسات الدينية والمجتمعات المدنية، خصوصًا في دعم العائلات والأطفال والأشخاص الذين حصلوا بالفعل على الحماية القانونية.
وتبرز هنا خصوصية المبادرة الهولندية؛ فهي لا تطالب بفتح الحدود دون ضوابط، ولا تسعى إلى تجاوز قوانين الهجرة، وإنما تقدم حلًا عمليًا لمشكلة أشخاص اعترفت الدولة بحقهم في الإقامة، لكن أزمة الإسكان تحول دون انتقالهم إلى حياة مستقرة.

وقد أكدت منظمة «MissieNederland» الإنجيلية، إحدى الجهات الداعمة للحملة، أن المبادرة ليست إعلانًا لموقف سياسي من الجدل حول الهجرة، بل مساهمة إنسانية في إسكان العائلات ودمجها داخل المدن والقرى الهولندية.

رسالة مسيحية تتجاوز حدود هولندا

وتعكس المبادرة امتدادًا لتقاليد مسيحية قديمة تقوم على إكرام الغريب ومساعدة المحتاج، وهي المبادئ التي استندت إليها الكنائس المشاركة في دعوتها إلى توفير أماكن آمنة للعائلات اللاجئة.
وتكشف أيضًا عن تحول دور بعض المؤسسات الكنسية الأوروبية من الاكتفاء بالمساعدات الغذائية والمالية إلى المشاركة المباشرة في معالجة الأزمات الاجتماعية، عبر توفير المساكن وتنظيم العمل التطوعي والتعاون مع الجهات الحكومية.
ومع ذلك، فإن نجاح التجربة سيظل مرتبطًا بقدرة البلديات على توفير مساكن مستقرة بعد انتهاء فترة الاستضافة، حتى لا يتحول الحل المؤقت إلى مجرد تأجيل للمشكلة الأساسية.
وفي ظل الانقسامات الأوروبية حول الهجرة، تقدم كنائس هولندا نموذجًا للتعاون بين الدولة والمجتمع الديني، وتطرح سؤالًا يتجاوز حدود البلاد: هل تستطيع المؤسسات الكنسية أن تحافظ على دورها بوصفها مساحة للترحيب والتضامن الإنساني، في وقت تتزايد فيه المخاوف السياسية والاجتماعية من استقبال اللاجئين؟
وتحمل المبادرة رسالة واضحة مفادها أن التعامل مع اللاجئين لا ينبغي أن يقتصر على الأرقام والملفات والإجراءات الحدودية؛ فخلف كل طلب لجوء عائلة تبحث عن الأمان، وأطفال ينتظرون الاستقرار، وأشخاص يأملون في بداية جديدة. وبينما تنشغل أوروبا بالجدل حول إغلاق الحدود، اختارت هذه الكنائس أن تفتح أبوابها.

شارك