الكنيسة الكلدانية تواجه خطر ضياع الذاكرة.. لجنة جديدة لإنقاذ التراث وحماية الهوية من الاندثار
الثلاثاء 27/أكتوبر/2026 - 10:51 ص
طباعة
روبيرالفارس
في خطوة تستهدف حماية الذاكرة التاريخية والروحية للكلدان، أعلن السينودس الكلداني المنعقد في العاصمة الإيطالية روما تأسيس لجنة متخصصة لحفظ التراث الكلداني وتوثيقه، في مبادرة تتجاوز جمع المخطوطات والوثائق القديمة إلى مشروع ثقافي وكنسي واسع يسعى إلى صون هوية شعب عريق، تعرض خلال العقود الماضية للحروب والهجرة والنزوح وتشتت أبنائه بين بلدان العالم.
ويأتي الإعلان عن إنشاء «لجنة التراث الكلداني» في وقت تواجه فيه الكنيسة تحديات متزايدة تتعلق بالحفاظ على خصوصيتها التاريخية واللغوية والطقسية، خصوصًا مع اتساع انتشار أبنائها خارج موطنهم التاريخي في العراق ومناطق الشرق الأوسط، الأمر الذي يجعل حماية التراث مسؤولية تتجاوز حدود الكنائس والأديرة لتشمل الأجيال الجديدة من الكلدان المقيمين في المهجر.
وبحسب ما أعلنه السينودس، تتولى اللجنة الجديدة توثيق مختلف عناصر التراث الكلداني، وفي مقدمتها اللغة والألحان الكنسية والمخطوطات التاريخية وأرشيفات الأبرشيات، إلى جانب الفنون والعمارة الدينية والكنائس والأديرة والمكتبات والمتاحف والمجلات والدوريات والأثاث الكنسي.
كما يمتد عمل اللجنة إلى توثيق تاريخ الجاليات الكلدانية، وسير الشهداء ورجال الدين والمكرسين والمكرسات، وجمع الوثائق والصور التاريخية التي تسجل مراحل تطور الكنيسة وحياة أبنائها، بهدف بناء ذاكرة مؤسسية متكاملة تحفظ الماضي وتجعله متاحًا للأجيال المقبلة.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من طبيعة التراث الكلداني نفسه، الذي يمثل أحد الروافد العريقة للمسيحية المشرقية، بما يحمله من تقاليد ليتورجية سريانية شرقية، وتراث لاهوتي وأدبي وموسيقي تشكل عبر قرون طويلة في بلاد ما بين النهرين.
فالكنيسة الكلدانية الكاثوليكية ليست مجرد مؤسسة دينية، وإنما تمثل أيضًا حاضنة لذاكرة تاريخية وثقافية ارتبطت بتاريخ العراق والمنطقة، وأسهمت من خلال مدارسها وأديرتها ومكتباتها ورجالها في حفظ المخطوطات ونقل المعرفة واللغة والطقوس عبر الأجيال.
حماية التراث في مواجهة الهجرة
وتبرز أهمية تأسيس اللجنة في ضوء التحولات الديموغرافية التي شهدتها المجتمعات المسيحية العراقية منذ أواخر القرن العشرين، وتفاقمت بعد عام 2003، ثم مع اجتياح تنظيم داعش لمدينة الموصل وسهل نينوى عام 2014.
فقد أدت موجات العنف والنزوح والهجرة إلى تفكك مجتمعات مسيحية تاريخية، وانتقال أعداد كبيرة من أبنائها إلى أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، وهو ما فرض تحديات جديدة على استمرار اللغة والتقاليد الكنسية داخل الأسر والجاليات.
ولم تقتصر خسائر تلك المراحل على المباني والممتلكات، بل امتدت إلى فقدان وثائق عائلية وأرشيفات محلية ومكتبات ومخطوطات، فضلًا عن تراجع نقل بعض التقاليد الشفهية والألحان القديمة بين الأجيال.
ومن هنا يمكن النظر إلى اللجنة الجديدة باعتبارها استجابة مؤسسية لخطر فقدان الذاكرة الجماعية، إذ إن بقاء الكنائس والمباني التاريخية وحده لا يكفي للحفاظ على الهوية إذا اختفت اللغة التي كُتبت بها الصلوات، أو اندثرت الألحان التي تناقلتها الأجيال، أو ضاعت الوثائق التي تسجل تاريخ المجتمعات المحلية.
ويكتسب توثيق تاريخ الجاليات الكلدانية أهمية خاصة، لأنه يسمح بتسجيل تجربة الهجرة ذاتها باعتبارها فصلًا جديدًا من تاريخ الكنيسة، وليس مجرد انقطاع عن موطنها الأصلي.
وتؤكد القرارات الرسمية للسينودس، الذي انعقد برئاسة البطريرك مار بولس الثالث نونا، اختيار المطران حبيب هرمز مسؤولًا عن لجنة التراث الكلداني، ضمن تسع لجان أقرها السينودس لتنظيم العمل الكنسي وتطويره. ويمنح هذا التشكيل اللجنة موقعًا مؤسسيًا يسمح لها بالتنسيق مع الأبرشيات والاستفادة من خبرات المتخصصين ورجال الدين والمؤمنين
اللغة والألحان.. حماية الهوية من الذوبان
ويمثل الحفاظ على اللغة السريانية بتراثها الكنسي الشرقي أحد أهم الأبعاد الثقافية للمبادرة، إذ ارتبطت بها النصوص الليتورجية والصلوات والأناشيد والمخطوطات التي شكلت الوجدان الديني للكلدان عبر قرون.
ومع انتقال أعداد كبيرة من العائلات إلى مجتمعات تتحدث الإنجليزية والألمانية والفرنسية وغيرها من اللغات، تزداد الحاجة إلى برامج تضمن انتقال هذا الميراث إلى الأبناء والأحفاد، حتى لا تتحول اللغة الطقسية إلى مجرد كلمات يرددها المؤمنون دون معرفة معانيها.
ويمكن للجنة، في هذا السياق، أن تؤدي دورًا مهمًا في تشجيع إعداد القواميس والمواد التعليمية والتسجيلات الصوتية للألحان القديمة، إلى جانب التعاون مع الجامعات والمعاهد المتخصصة في الدراسات السريانية والمسيحية الشرقية.
كما أن توثيق الألحان الكلدانية يحمل أهمية استثنائية، لأن كثيرًا من عناصر التراث الموسيقي الكنسي انتقلت بالتلقين الشفهي، مما يجعل تسجيلها ودراستها وسيلة لحمايتها من النسيان أو التغيير غير الموثق.
المخطوطات والكنائس.. ذاكرة العراق المهددة
ولا تقل أهمية حماية المخطوطات والأرشيفات عن حماية اللغة، فالمكتبات الكنسية في العراق احتفظت عبر التاريخ بنصوص دينية وفلسفية وتاريخية وأدبية تعكس إسهامات المسيحيين في الحياة الفكرية والحضارية للمنطقة.
وتتيح المبادرة الجديدة فرصة لوضع تصور شامل لحصر هذه المجموعات وتقييم حالتها، والعمل على ترميم ما يحتاج منها إلى صيانة، وإنشاء نسخ رقمية تضمن استمرار إتاحتها للباحثين حتى في حال تعرض النسخ الأصلية للتلف.
ومن شأن توثيق الكنائس والأديرة والعمارة الدينية أن يساهم كذلك في حماية جانب مهم من التاريخ العمراني العراقي، خاصة في المناطق التي شهدت تدميرًا أو تهجيرًا خلال سنوات الصراع.
ويمكن أن يمتد الأثر الثقافي للمشروع إلى تعزيز التعاون بين الكنيسة الكلدانية والمؤسسات العراقية المعنية بالآثار والتراث، بما يساعد على إدراج التراث المسيحي ضمن الاهتمام الوطني العام، باعتباره جزءًا أصيلًا من تاريخ العراق المشترك، وليس ملكية حصرية لجماعة دينية بعينها.
توثيق الشهداء والجاليات.. تاريخ البشر
ومن الجوانب اللافتة في أهداف اللجنة اهتمامها بتوثيق سير الشهداء والمكرسين والمكرسات، إلى جانب تاريخ الجاليات الكلدانية وصورها ووثائقها.
ويعكس هذا التوجه فهمًا للتراث باعتباره تاريخًا للبشر وتجاربهم، وليس مجرد مجموعة من الكتب والمباني والقطع الأثرية.
فتسجيل شهادات الناجين من العنف والتهجير، وحفظ سير رجال الدين والعلمانيين الذين أسهموا في خدمة مجتمعاتهم، يمكن أن يوفر مادة تاريخية مهمة لفهم التحولات التي عاشها المسيحيون في العراق خلال العقود الأخيرة.
كما يمكن أن يساعد المشروع في بناء جسور بين الكلدان المقيمين في العراق وأبناء الجاليات المنتشرة في الخارج، عبر إنشاء أرشيف مشترك يوثق تاريخ العائلات والمؤسسات والرعايا والمراكز الثقافية.
وتتجاوز أهمية هذه الخطوة البعد الديني، لأنها تفتح المجال أمام كتابة تاريخ اجتماعي أكثر شمولًا للمسيحيين العراقيين، يشمل مساهماتهم في التعليم والطب والصحافة والفنون والحياة العامة.
خطوة ثقافية قد تدعم البقاء في الوطن
ورغم أن لجنة التراث ليست مؤسسة معنية مباشرة بمكافحة الهجرة أو معالجة الأزمات الاقتصادية، فإن عملها قد يسهم بصورة غير مباشرة في تعزيز ارتباط الكلدان بوطنهم التاريخي.
فالحفاظ على الذاكرة المشتركة وإبراز إسهامات المسيحيين في بناء العراق يمكن أن يعززا الشعور بالانتماء، ويؤكدا أن الوجود المسيحي ليس طارئًا على البلاد، بل جزء من تكوينها الحضاري.
غير أن نجاح المبادرة سيظل مرتبطًا بقدرتها على الانتقال من القرارات التنظيمية إلى مشروعات ملموسة، مثل إنشاء أرشيف رقمي موحد، وإعداد فهرس شامل للمخطوطات والمقتنيات، وتدريب كوادر متخصصة في الحفظ والترميم، وإتاحة المواد التاريخية للباحثين وفق ضوابط واضحة.
ويكتسب المشروع أهمية إضافية إذا استطاع إشراك الشباب الكلداني في بلدان الانتشار، بحيث يتحول التراث من مادة محفوظة داخل المكتبات إلى عنصر حي في التعليم والثقافة والحياة الكنسية.
وكان البيان الختامي للسينودس قد أكد أهمية محافظة أبناء الكنيسة في بلدان الانتشار على إيمانهم وتراثهم ولغتهم وروابطهم بكنيستهم الأم، بالتوازي مع اندماجهم الإيجابي في المجتمعات التي يعيشون فيها.
وفي المحصلة، يمثل تأسيس لجنة التراث الكلداني محاولة لحماية أحد أقدم المكونات الثقافية والدينية في المشرق من مخاطر التشتت والنسيان. فالخطر الذي يواجه التراث لا يقتصر على تدمير كنيسة أو ضياع مخطوطة، بل يمتد إلى انقطاع الصلة بين الأجيال وتاريخها.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للمبادرة لن تقاس بعدد الوثائق التي تنجح اللجنة في جمعها فحسب، وإنما بقدرتها على تحويل الذاكرة الكلدانية إلى معرفة متاحة وحية، تربط أبناء الكنيسة بجذورهم، وتضمن استمرار حضور هذا التراث ضمن الذاكرة الحضارية للعراق والشرق الأوسط.
فالأمم والجماعات لا تفقد تاريخها عندما تنهار مبانيها وحدها، بل عندما يعجز أبناؤها عن تذكر حكايتها ونقلها إلى من يأتي بعدهم.
