أشهر العمليات الإرهابية في تاريخ الإخوان... [الجزء الأول]

الخميس 13/فبراير/2014 - 05:30 م
طباعة رسم لحادث اغتيال رسم لحادث اغتيال أحمد ماهر باشا
 

البدايات

لقد شكلت قضية موقف الإخوان من العنف والإرهاب مرتكزاً أساسياً لأغلب الدراسات التي كتبت في تاريخ الإخوان، جلّها حملت مبررات عديدة لهذا النوع من استخدام العنف في السياسة.
ونستطيع رصد بدايات تشكل النظام الخاص للجماعة - بالتقريب بين أعوام 1940-1942 - فقد تضخمت جماعة الإخوان المسلمين إبان حكومة الوفد (1942– 1944) بشكل هائل، وتحولت إلى قوة مليونية مستغلة في ذلك ما قامت به من اتفاق غير معلن مع الحزب الحاكم، يتيح لها العمل بحرية في أنحاد البلاد شريطة عدم اللجوء إلى العنف، وفي محاولة من الجماعة لاستيعاب التوسع التنظيمي خلال تلك الفترة، قام البنا باستحداث "نظام الأُسَر" في هيكليتها التنظيمية، وهو نوع من الخلايا التي لا يزيد عدد أعضاء كل منها عن خمسة أعضاء، ويبدو أن مؤسس الإخوان شكل خلال هذه الفترة "النظام الخاص"، أو ما سيعرف خارج الجماعة بـ"الجهاز السري"، ولكن لا يوجد تاريخ دقيق لبدء تشكيل هذا النظام، ومما يشير إلى عدم الدقة في تحديد متى أنشئ الجهاز الخاص أن أعضاء الإخوان أنفسهم حددوا تاريخ إنشاء هذا الجهاز ما بين 1930 و1947، وهو ما يدل على غموضه وسريته التامة.
ويشير البعض إلى أن "البنا" حدد وظائف هذا التشكيل بـ "شن الحرب على الاستعمار البريطاني، وقتال الذين يخاصمون الجماعة وردعهم، وإحياء فريضة الجهاد"؛ وهو ما يعني أن البنا قد فكر لأول مرة في إيجاد تشكيل مؤسساتي، يتصدى لمن يخاصم الدعوة ويردعه".
تألف النظام الخاص من ثلاث شعب أساسية هي: التشكيل المدني، تشكيل الجيش وتشكيل البوليس، وألحقت بالنظام تشكيلات تخصصية مثل "جهاز التسليح" وجهاز الأخبار، وقد عمل الجهاز الأخير كجهاز استخباري للجماعة.
ويعتبر الكثير من المؤرخين أن إنشاء "النظام الخاص" جاء كتطور منطقي وطبيعي لفكر حسن البنا، ففي رسالة المؤتمر الخامس 1938 يجيب البنا في وضوح وجلاء عن سؤال: "هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم؟، بالقول: "الإخوان المسلمون لا بدّ أن يكونوا أقوياء ولا بدّ أن يعملوا في قوة".

الإخوان المسلمون والإرهاب

الإخوان المسلمون
عندما صدر قرار حل الجماعة بتاريخ 8 ديسمبر سنة 1948 أرفقت به مذكرة تفسيرية تورد بعضاً مما ارتكبته الجماعة من أعمال إرهابية، ورد مرشدها العام – آنذاك – حسن البنا، بمذكرة مضادة على طريقة "ومن خدع الحرب أن يضلّل المسلم عدو الله بالكلام حتى يتمكن منه فيقتله"، وهي أحد تعبيرات البنا الشهيرة، ولكن فضيلة المرشد لم يدرك ساعتها أن بعضاً من رجاله سوف يأتون في زمن لاحق فيذكرون الحقيقة كاملة ليضعوه بعد رحيله بسنوات عديدة في مأزق الاتهام بالكذب.
جاء في المذكرة التفسيرية حول حوادث إلقاء قنابل على عدد من أقسام الشرطة بالقاهرة ما يلي: "كما وقعت بتاريخ 24 ديسمبر سنة 1946 حوادث إلقاء قنابل انفجرت في عدة أماكن بمدينة القاهرة وضبط من مرتكبيها اثنان من جماعة الإخوان قُدِّما لمحكمة الجنايات فقضت بإدانة أحدهما في الجناية 767 لسنة 1946 قسم عابدين".
وفي معرض رده على هذا الاتهام يقول البنا: "والشخص الذي أدين في قضية الجناية رقم 767 لسنة 1946 قسم عابدين بمناسبة حوادث 24 ديسمبر 1946، لم يثبت أنه أمر بهذا من قبل الإخوان أو اشترك معه فيه أحد منهم، وقد كانت هذه الحوادث شائعة في ذلك الوقت بين الشباب بمناسبة الفورة الوطنية التي لازمت المفاوضات السابقة، ولقد حدث بالإسكندرية أكثر مما حدث بالقاهرة، وضبط من الشباب عدد أكبر وصدرت ضدهم أحكام مناسبة، ولم يقل أحد إنهم من الإخوان المسلمين فتحمل الهيئة تبعة هذا التصرف الذي لاحق فيه ولا مبرر له".
وبعد أربعين عاماً بالتمام والكمال يأتي واحد من تلاميذ البنا وعضو من أعضاء النظام الخاص ليكذبه صراحة، يروي "محمود الصباغ" في كتابه "حقيقة التنظيم الخاص"، الحقيقة كاملة فيقول: "كان لا بدّ للنظام الخاص وقد تطورت الأمور إلى هذا الحد أن يُري كلاً من الحكومة والإنجليز أن محاولتهما لتقنين احتلال الإنجليز لمصر لن تمر دون قتال مسلّح، فعمد إلى تفجير قنابل في جميع أقسام البوليس في القاهرة يوم 3/12/1946 بعد العاشرة مساءً، وقد روعي أن تكون هذه القنابل صوتية، بقصد التظاهر المسلح فقط دون أن يترتب على انفجارها خسائر في الأرواح، وقد بلغت دقة العملية أنها تمت بعد العاشرة مساء في جميع أقسام البوليس، ومنها أقسام بوليس الموسكي والجمالية والأزبكية ومصر القديمة ونقطة بوليس السلخانة، ولم يضبط الفاعل في أي من هذه الحوادث، فاشتدّ رعب الحكومة من غضبة الشعب، وفكرت كثيراً قبل إبرام ما عزمت عليه، ثم توالى إلقاء القنابل على أقسام بوليس عابدين والخليفة ومركز إمبابة".

تفجير الملك جورج ومراوغة البنا

صلاح شادي
صلاح شادي
وتمضي المذكرة لتذكر حادثاً آخر - ولكن هذه المرة مع اختلاف الزمان والمكان - ففي عام 1947 حاول الإخوان المسلمون تفجير فندق "الملك جورج" بالإسماعيلية، تقول مذكرة حل الجماعة: "وثبت في تحقيق الجناية رقم 4726 لسنة 1947 أن أحد أفراد جماعة الإخوان قد ألقى قنبلة بفندق الملك جورج بتلك المدينة، فانفجرت وأصيب من شظاياها عدة أشخاص كما أصيب ملقيها نفسه بإصابات بالغة"، ويرد البنا في ثقة: "الجناية رقم 4726 لسنة 1947 ثبت أن الذي اتهم فيها غير مسؤول عن عمله، وسقط الاتهام ضده، وما زال في المستشفى إلى الآن، فما وجه الاستشهاد بها في مذكرة رسمية؟، وهل تكون هيئة الإخوان مسؤولة عن عمل شخص يتبين أنه هو نفسه غير مسؤول عن عمله؟!.
وهذه المرة نلجأ إلى رجل آخر من تلاميذ البنا هو "صلاح شادي" رئيس جهاز الوحدات، الذي يذكر في كتابه "حصاد العمر"، "والتقى أمرنا داخل قسم الوحدات على القيام بعملية إرهاب داخل فندق الملك جورج، وكلفنا الأخ رفعت النجار - من سلاح الطيران - بالقيام بهذه العملية بأن يحمل دوسيهاً له مادة ناسفة يشعلها ثم يتركها في ردهة الفندق إلى جوار الحائط خلف ستارة مدلاة على حائط الردهة، ثم ينهض بعد ذلك ويمضي خارج الفندق."، ويضيف شادي: "جرى التنفيذ على أحسن وجه، ولكن ظهر للأخ "رفعت" عند مغادرته المكان أحد رجال المخابرات من الحراس الإنجليز، الذي أثار شكوكه هذا الدوسيه المتروك، فتوجه الحارس ليمسك به، في حين أصر الأخ "رفعت" على إنجاز التفجير، فعاد إلى الدوسيه وأمسكه بيديه، ومنع اقتراب أي شخص منه حتى يتم التفجير في أثناء إمساكه به وليكن ما يكون".، وشاءت الأقدار أن يصاب المنفذ في الحادث ويقبض عليه"، ولما كانت التهمة ثابتة عليه فإن صلاح شادي يعترف صراحة: "وأحضرنا له بعض الإخوة المحامين الذين دفعوا بأن قدراته النفسية والعقلية لا تضعانه في مستوى المسؤولية الجنائية".، وهو ما ذكره البنا في المذكرة بالحرف، في الوقت الذي يعلم فيه أسرار القصة كامة.

حادث الجبل

حادث الجبل
هكذا عرف به في أدبيات الإخوان، حيث اعتادت كوادر النظام الخاص على التدريب على استخدام الأسلحة في منطقة جبل المقطم، وتذكر مذكرة حلّ الجماعة أنه "في 19 يناير سنة 1948 ضبط خمسة عشر شخصاً من جماعة الإخوان المسلمين بمنطقة جبل المقطم يتدربون على استخدام الأسلحة النارية والمفرقعات والقنابل، وكانوا يحرزون كميات كبيرة من هذه الأنواع وغيرها من أدوات التدمير والقتل"، ويرد البنا: "هؤلاء الخمسة عشر الذين ضبطوا بعضهم من الإخوان ومعظمهم لا صلة له بالإخوان أصلاً، ولقد برروا عملهم بأنهم يستعدون للتطوع لإنقاذ فلسطين حينما أبطأت الحكومة في إعداد المتطوعين وحشد الجماهير، وقد قبلت الحكومة منهم هذا التبرير وأفرجت عنهم النيابة في الحال، فما وجه إدانة الإخوان في عمل هؤلاء الأفراد خصوصاً وقد لوحظ أنه نص في قرار النيابة بأن الحفظ لنبل المقصد وشرف الغاية".
ويأتي عام 1987 وينكشف المستور ففي كتابه، "النقط فوق الحروف"، يشرح "أحمد عادل كمال" - أحد أقطاب النظام الخاص في جماعة الإخوان المسلمين - قصة حادث الجبل بالتفصيل، فيقول: "كلفنا بالبحث عن مكان مناسب بجبل المقطم يصلح للتدريب على استخدام الأسلحة والمفرقعات، فكان جبل المقطم، فهو لا يحتاج إلى إجازات أو سفر، والمطلوب أن يكون المكان موغلاً في الجبل ميسور الوصول إليه بالسيارة، وأن يكون صالحاً كميدان ضرب نار، وأن يكون مستوراً عن العين، وأن يكون به ما يصلح أبراج مراقبة للحراسة، وبدأ التدريب في ذلك الموقع بمعدل مجموعتين في اليوم الواحد، مجموعة تذهب مع الفجر حتى العصر وأخرى تذهب مع العصر وتعود مع الفجر، وكان الذهاب والعودة يتم بسيارة ستيشن واجن، وكان الترتيب ألا ترى مجموعة الأخرى، وأن يكون هناك - بصفة دائمة في مكان مرتفع - من يرقب المجال حول الموقع بمنظار مكبّر، هذا الحارس كان في استطاعته أن يرى أيّة سيارة قادمة بسرعة قبل أن تصل بثلث ساعة على الأقل، وكانت هناك حفر مُعدّة ليوضع بها كل السلاح والذخيرة ويردم عليها لدى أول إشارة، وبذلك تبقى المجموعة في حالة معسكر وليس معها ممنوعات قانونية". ويضيف كمال: "واستمر ذهاب المجموعات وعودتها بمعدل مرتين كل يوم ولمدة طويلة حتى صنعت السيارة مدقاً واضحاً مميزاً في الجبل، وحتى لفتت نظر الحجارة في محاجر الجبل بأول الطريق، وبلغ الخبر إلى البوليس ونحن لا نشعر، وكان مسؤول التدريب يدرب مجموعة هناك، ومن تكرار التدريب في أمن وسلام فقد تغاضى عن حذره فتجاوز عن وضع الحارس مكانه ولم يشعر، والمجموعة معه، إلا بقمم الجبل حوله قد ظهرت من فوقها قوات البوليس شاهرة سلاحها وتطالبهم بالتسليم وهم منهمكون في تدريبهم، كان ذلك يوم 19/1/1948 ونشرت الصحف الخبر"، ونأتي إلى النقطة المهمّة في شهادة كمال، حيث يؤكد: "وحتى هذه الحالة كان هناك إعداد لمواجهتها، أجاب إخواننا المقبوض عليهم بأنهم متطوعون لقضية فلسطين، وهي إجابة كان متّفقاً عليها، وفي نفس الوقت كانت هناك استمارات بأسمائهم تمّ تحريرها في مركز التطوع لقضية فلسطين، كما تمّ اتصال بالحاج محمد أمين الحسيني، مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا، وشرحنا له الوضع على حقيقته، وكان متجاوباً معنا تماماً، فأقر بأن المقبوض عليهم متطوعون من أجل فلسطين، وأن السلاح سلاح الهيئة، وبذلك أفرج عن الإخوان وسلم السلاح إلى الهيئة العربية العليا"، هكذا تشارك إخوان مصر - بقيادة البنا - وإخوان فلسطين بقيادة مفتي القدس أمين الحسيني، في خداع السلطات المصرية التي أفرجت عن الشباب لنبل المقصد وشرف الغاية، ولم يكتف البنا بذلك ولكنه راح يسجلها نقطة لصالح جماعته ببجاحة يحسد عليها، كما يفعل الآن أحفاده.
وينهي عادل كمال شهادته بالقول: "ومع ذلك فقد كان للحادث أثر بعيد، ذلك أنه عثر مع المسؤول عن المجموعة - رحمه الله - على كشف اشتهر فيما بعد بأنه "كشف الجبل"، يحوي مئة اسم من أسماء إخوان النظام الخاص وأرقامهم السرية مرّتبين في مجموعات، هي المجموعات التي كان مزمعاً تدريبها تباعا من منطقة جنوب القاهرة، ولم يعلم أحد من المسؤولين عن النظام في حينها شيئاً عن "كشف الجبل"، ولم يذكره المسؤول، ولكن ذلك الكشف ظهر بعد ذلك في القضايا وكان من قرائن الاتهام القوية، فضلاً عن أنه كشف الأسماء التي احتواها.

"الخازندار" واستهداف القضاة

الخازندار واستهداف
لم تتورّع جماعة الإخوان المسلمين من أن تمدّ إجرامها إلى القضاء الذي ظل رجاله في محراب العدالة سندا للمصريين جميعاً، وملاذا لهم ينعمون فيه بثقة التقاضي ويطمئنون فيه إلى ضميره الحي، وفي محاولة من الجماعة لإرهاب القضاة عن طريق استهداف علم منهم - "القاضي أحمد الخازندار بك" - وكيل محكمة استئناف القاهرة، الذي حكم بإدانة بعض أعضاء الجماعة لجرائم اقترفوها باستخدام القنابل. 
ولأن نور الشمس يراه حتى من كان به رمد، فسوف نبدأ بشهادة الدكتور عبد العزيز كامل، الذي حضر ما أطلق عليه "محاكمة عبد الرحمن السندي"، عقب مقتل الخازندار، وسطّر في كتابه "في نهر الحياة" شهادته على المحاكمة. 
يقول الرجل تحت عنوان "دم الخازندار" :
"في صبيحة هذا اليوم  - يقصد يوم مقتل القاضي الخازندار في الثاني والعشرين من مارس 1948 - بينما كان المستشار أحمد الخازندار (بك) في طريقه من منزله في حلوان إلى عمله، عاجله اثنان من شباب الإخوان بإطلاق النار عليه فأردياه قتيلا، وأمكن القبض على الاثنين: محمود زينهم وحسن عبد الحافظ. 
وكان للحادث دويّ عميق، تصارعت فيه تيارات فكرية متعددة، فقد أعاد إلى الأذهان مواقف "الخازندار" من قضايا سابقة أدان فيها بعض شباب الإخوان لاعتدائهم على جنود بريطانيين في ناحية الإسكندرية، وحكم على الشابين بالأشغال الشاقة المؤبدة في 22 نوفمبر عام 1947، ولكن أطلق سراحه لعدم كفاية الأدلة، ولم يكن "الخازندار" محبوباً أو حتى موصوفاُ بالحيدة بين الإخوان، فبينما يرون عملهم وطنياً ودينيا، كانوا يرون موقف "الخازندار" موقفا قضائيا متعسفا. 
ولا أود أن أسرد الوقائع كلها هنا، ولكن أود أن أسجّل جلسة خاصة شهدتها في المركز العام للإخوان المسلمين - برئاسة الأستاذ البنا - وحضور النظام الخاص في هذا الموضوع.
مصطفى مشهور
مصطفى مشهور
وأسجّل هنا ما تعيه ذاكرتي من أحداث هذه الليلة البعيدة. 
وسنرى كيف تتغير المشاهد في الذهن وتعاد صياغتها، ويرويها صاحبها معدلة، وهو يؤمن أنها الحقيقة التي شاهدها، وهذه هي حكمة الشاهدين والأربعة شهود في الإسلام. 
كنت في ربيع عام 1948 مدرسا في معهد المعلمين في أسيوط، وبعد مصرع "الخازندار"، جاءتني رسالة عن اجتماع عاجل مع الأستاذ المرشد في القاهرة، واستأذنت عميد المعهد الأستاذ عبدالعزيز سلامة في السفر، ولم أكن أغيب عن عملي أو أعتذر، ونظر إلىِّ نظرة طويلة، ووافق على السفر في هدوء دون أن يسأل، وإنما طلب منّي أن أحدد أيام الغياب، ولم أستطع فقال: سأحتفظ بخطاب الاستئذان عندي حتى عودتك، وأرجو أن تكون قريبة، وأن تطمئن على الأهل، وكن حريصاً والله معك".
ويستمر الرجل في روايته فيذكر في ص 46: "كان بإحساسه الداخلي - يقصد مدير المدرسة - يشعر أن الأمر متعلق بالإخوان بعد مصرع "الخازندار"، والكل يتحدث ويعلق: القضاة، المحامون، رجال التعليم، ومهما يكن من أمر الآراء التي تشعّبت، فإنها كانت تلتقي عند إدانة الإخوان واستنكار الحادث، فقد كان عدواناً سافراً على القضاء... 
وكانت عودتي إلى القاهرة مفاجأة للأهل، أمي وإخوتي، ولزمت الصمت، وذهبت إلى المركز العام. 
كان الاجتماع في حجرة المكتبة بالدور الثاني، هذه المكتبة التي تبرع بجزء كبير منها سمو الأمير محمد علي توفيق - ولي العهد وقتئذ - على إثر كلمات طيبة من سليمان متولي "بك"، مراقب عام المدارس الأميرية، فأرسلها مكتبة كاملة بخزانات الكتب، وكانت هذه الحجرة بالذات أقرب الحجرات إلى فكري وقلبي، وكم قضيت فيها الساعات قارئاً، باحثاً، أو متحدثا مع أعضاء قسم الأسر.
 ولكن هذه الجلسة كانت ذات طبيعة خاصة، ولعلها من أعمق جلسات الإخوان أثراً في نفسي، ولا زلت أذكر الأستاذ - يقصد الأستاذ حسن البنا - وجلسته، وعليه يبدو التوتر، أراه في حركة عينيه السريعة، والتفاته العصبي، ووجهه الكظيم، وإلى جواره قادة النظام الخاص: عبد الرحمن السندي، رئيس النظام، وكان لا يقل توتراً وتحفزاً عن الأستاذ، ثم أحمد حسنين، ومحمود الصباغ، وسيد فايز، وأحمد زكي، وإبراهيم الطيب، ويوسف طلعت، وحلمي عبد المجيد ، وحسني عبد الباقي، وسيد سابق، وصالح عشماوي، وأحمد حجازي، ومصطفى مشهور، ومحمود عساف. 
كان محور الحديث مصرع المستشار أحمد الخازندار. 
قال الأستاذ: إن كل ما صدر منه من قول تعليقاً على أحكام الخازندار في قضايا الإخوان - لو ربنا يخلصنا منه، أو لو نخلص منه، أو لو واحد يخلصنا منه – 
لاحظ مطلب البنا يوجهه لقائد النظام الخاص عبد الرحمن السندي، معنى لا يخرج عن الأمنية، ولا يصل إلى الأمر، فالأمر محدد وإلى شخص محدد، وهو لم يصدر أمراً، ولم يكلف أحداً بتنفيذ ذلك، ففهم "عبد الرحمن" هذه الأمنية أمراً، واتخذ إجراءاته التنفيذية وفوجئ الأستاذ بالتنفيذ. 
حدثني الصديق الأستاذ مختار عبد العليم المحامي، أن الأستاذ في صلاة العشاء - مساء يوم الحادث - سها في عدد الركعات وصلّى الفرض ثلاث ركعات، وأكمل ركعة السهو، وما أذكر طول صلاتي مع الأستاذ أنه سها مرة، وعلم الأستاذ مختار بهذا ممن كان مع الاستاذ في صلاته. 
وسمعت منه أيضاً أن الدكتور عزيز فهمي المحامي قابله في المركز العام، فوجد الأستاذ جالساَ في حجرة منعزلة، وحيداً واضعاً رأسه بين يديه في تفكير عميق، وألم لم يستطع إخفاءه، وهو ناقم أشد النقمة على الحادث. 
وما أذكر أن الأستاذ عقد مثل هذا الاجتماع طوال حياته في الإخوان بهذه الصورة... 
وكان واضحاً أن الخلاف شديد بين المرشد وعبد الرحمن، فأمام كبار المسؤولين سيبدو إن كان الأستاذ قد أمر، أو أن عبد الرحمن تصرّف من تلقاء نفسه، وفي ماذا؟، في قتل المستشار وتسجيل عدوان دموي على القضاء في مصر؟".
المرشد والسندي يلقيان الاتهام كل على الآخر:
ووجهت حديثي إلى الأستاذ قائلاً:
أريد من فضيلتكم إجابة محددة - بنعم أو لا - على أسئلة مباشرة لو سمحتم. 
فأذن بذلك فقلت:
-  هل أصدرت فضيلتكم أمراً صريحاً لعبد الرحمن بهذا الحادث؟
-  قال: لا 
-  قلت: هل تحمل دم الخازندار على رأسك وتلقى به الله يوم القيامة؟
-  قال: لا 
-  قلت: إذن فضيلتكم لم تأمر ولا تحمل مسؤولية هذا أمام الله.
-  قال: نعم 
فوجهت القول إلى عبد الرحمن السندي، واستأذنت الأستاذ في ذلك فأذن.
-  ممن تلقّيت الأمر بهذا؟
-  فقال: من الأستاذ (يقصد المرشد حسن البنا)
 -  فقلت: هل تحمل دم الخازندار على رأسك يوم القيامة؟
-  قال: لا
-  قلت: وهذا الشباب الذي دفعتم به إلى قتل الخازندار من يحمل مسؤوليته؟
والأستاذ ينكر وأنت تنكر، والأستاذ يتبرأ وأنت تتبرأ.
أمنية المرشد أمر واجب النفاذ :
قال عبد الرحمن: عندما يقول الأستاذ إنه يتمنى الخلاص من الخازندار، فرغبته في الخلاص أمر منه.
-  قلت: مثل هذه الأمور ليست بالمفهوم أو بالرغبة، وأسئلتي محددة وإجاباتيكم محددة، وكل منكما يتبرأ من دم الخازندار، ومن المسؤولية عن هذا الشباب الذى أمر بقتل الخازندار، ولا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يلق الله بدم حرام، هذا حديث رسول الله .
-  ثم قلت له: والآن هل تُترك المسائل على ما هي عليه، أم تحتاج منك إلى صورة جديدة من صور القيادة وتحديد المسؤوليات؟
- قال: (يقصد المرشد العام حسن البنا) لا بدّ من صورة جديدة وتحديد مسؤوليات
واستقر رأيه على تكوين لجنة تضم كبار المسؤولين عن النظام، بحيث لا ينفرد عبد الرحمن برأي ولا تصرف، وتأخذ اللجنة توجيهاتها الواضحة المحددة من الأستاذ، وأن يوزن هذا بميزان ديني يقتضي أن تكون من بين أعضائها – بالإضافة إلى أنها تتلقى أوامرها من الأستاذ – رجل دين على علم وإيمان، ومن هنا جاء دور الشيخ سيد سابق ميزانا لحركة الآلة العنيفة. 
وكانت هذه هي المرة الأولى التي يجلس فيها عبد الرحمن مجلس المحاسبة والمؤاخذة أمام الأستاذ وقيادات النظام، بل لعلها المرة الأولى التي يجلس فيها الأستاذ أيضاً مجلس المواجهة الصريحة أمام نفسه وأمام قادة النظام، إلى الدرجة التي يقول فيها لعبد الرحمن (يقصد حسن البنا) :
- أنا لم أقل لك ولا أحمل المسؤولية
 - وعبد الرحمن يرد:
-  لا أنت قلت لي وتتحمل المسؤولية
ويتبرأ كل منهما من دم الخازندار، ويخشى أمر أن يحمله على رأسه يوم القيامة، وانتهت الجلسة. 
وعدت إلى المنزل....

ولا تعليق منا، فالكلام لا يحتاج إلى تعليق.
( يتبع .. الجزء الثاني) 

شارك