بريطانيا والحرب على داعش.. حسابات المكسب والخسارة

الخميس 03/ديسمبر/2015 - 05:27 م
طباعة بريطانيا والحرب على
 
 كانت- ولا تزال- "الحرب العراقية" حاضرةً في أذهان البريطانيين عندما دفعهم توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق إلى حرب لم يجنوا منها سوى مزيد من دماء جنود الامبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس- والخراب والدمار للدولة العراقية والشعب العراقي. 
بريطانيا والحرب على
بريطانيا تعاملت مع التدخل في شن حرب مباشرة على "داعش" منذ بداية التدخل الدولي ضدها في أغسطس 2014م بمنطق حسابات المكسب والخسارة؛ حيث أعلنت في وقت سابق على لسان الجنرال نيكولاس هوتن رئيس أركان الجيش البريطاني عن أن بريطانيا "تتخلى عن حلفائها" بعدم تدخلها عسكريا في سوريا لقتال داعش، وقال: "إننا نتخلى إلى حد ما عن حلفائنا؛ لأننا لسنا عنصرًا فاعلًا بشكل كامل" في قتال تنظيم داعش، وأنه لا معنى على الإطلاق لتوقف عمليات القصف التي يقوم بها الجيش البريطاني في العراق، على الحدود السورية، وأعتقد أننا لن نتمكن من الانتصار على أيديولوجيةٍ عسكريًا، وأنه على المملكة المتحدة "ألا تضطلع بدور عسكري حاسم"، في وجود الفاعلين الإقليميين والبلدان المسلمة والجيوش المحلية".
بريطانيا والحرب على
حديث الجنرال الأمريكي الكبير سرعان ما تبخر بمنطق المكسب والخسارة أيضًا عقب توجه أوروبا نحو محاربة "داعش"، بعد شعورها بالخطر على "داخلها الأمن"، بعد تفجيرات باريس وتحركت بشكل مباشر نحو شن غارات ضد التنظيم في سوريا، باعتبار أن الأمر أصبح يمس أمنها الداخلي، وهو ما أكد عليه جورج أوزبورن وزير المالية البريطاني، قائلا: "لا بد من معالجة أزمة المهاجرين في أوروبا في منبعها، وإنه قد يتم إجراء تصويت في البرلمان في نهاية 2015م بشأن قصف تنظيم "داعش" في سوريا لأنه يتعين على بريطانيا وأوروبا إيجاد وسيلة لمعالجة الصراع في سوريا، بالإضافة إلى منح اللجوء للفارين بشكل حقيقي من الاضطهاد، ولا بد من مواجهة المشكلة في المنبع وهي نظام الأسد الشرير وإرهابيو داعش، ولا بد من خطة شاملة لسوريا أكثر استقراراً وأكثر سلاماً".
بريطانيا والحرب على
 رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون لم يترك الفرصة، وقرر إجراء تصويت في البرلمان لتمهيد الطريق أمام توجيه ضربات جوية لتنظيم "داعش" في سوريا، وهو ما تحقق بالفعل من خلال تصويت مجلس العموم البريطاني بأغلبية 397 صوتاً مقابل 223، بالموافقة على شن غارات جوية ضد "داعش" في سوريا بعد نقاش دام أكثر من 10 ساعات، لتقوم الطائرات البريطانية بشن أولى غاراتها في سوريا، على حقول نفط يسيطر عليها التنظيم في الشرق السوري، ويؤكد عليه مايكل فالون وزير الدفاع البريطاني قائلا: "إن قاذفات بريطانية هاجمت حقول نفط في شرق سوريا في الساعات الأولى من صباح الخميس 3-12-2015م ووافقت أمس على سلسلة أهداف في حقول نفط وفي آبار، ونجحت صواريخ التورنادو في ضرب تلك الأهداف."
بريطانيا والحرب على
 ولتبرير التدخل البريطاني بمنطق براجماتي بحت أكد ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني على أن تصويت البرلمان على الضربات في سوريا قرار صحيح، وأن البرلمان اتخذ القرار الصحيح للمحافظة على أمن البلاد، والعمل العسكري في سوريا هو جزء من استراتيجية أوسع، وأن شن غارات جوية تستهدف تنظيم "داعش" في سوريا لن يزيد احتمال أن ينفذ المتطرفون هجمات على بريطانيا، وأن بريطانيا موجودة بالفعل في مقدمة الدول المستهدفة في قائمة داعش، وإذا وقع هجوم على بريطانيا خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة فسيخرج من يحاولون القول إنه بسبب غاراتنا الجوية لا أعتقد أن هذا هو السبب، والتنظيم يسعى بالفعل لمهاجمتنا منذ العام الماضي، وأن الخلاف بين الدول الغربية وروسيا بشأن مستقبل رئيس النظام السوري بشار الأسد تقلص وسيتقلص أكثر. 
بريطانيا والحرب على
 وبحسابات المكسب والخسارة تكون بريطانيا قد حققت ما يلي:
1- إعادة سيناريو التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية ولكن هذه المرة وفق معطيات جديدة وظروف مختلفة. 
2- تحقيق انتصار حتى ولو كان هامشياً من أجل تنويع اللاعبين الدوليين المتورطون حت الآن في سوريا والعراق.
3- وضع بريطانيا في مواجهة التدخل الروسي، وهذا الأمر سيكون لصالح حكومة الرئيس بشار الأسد، وسيزيد من تعقيد المشهد السوري.
4- آلية التنسيق التي سيخلقها التواجد البريطاني ستخلق استراتيجية متكاملة، وتركز من جهود مكافحة تنظيم داعش الدموي . 
5- التدخل البريطاني سيمنع أي تمدد لعمل عسكري بريطاني في سوريا ما لم تكن هناك استراتيجية دولية متماسكة لديها الفرصة الواقعية لهزيمة تنظيم الدولة، وإنهاء حالة الحرب في سورية.
6- سيقلل التدخل البريطاني من شنّ داعش لغارات في عقر دارها بريطانيا.  
7- يخشى بعض نواب مجلس العموم من أن توسيع التدخل البريطاني سيدفع إلى تورط المملكة في حرب أخرى في الشرق الأوسط.
جيرمي باكسمان، الكاتب
جيرمي باكسمان، الكاتب الصحفي في جريدة "ديلي تليجراف"
 وهذا ما أكد عليه جيرمي باكسمان، الكاتب الصحفي في جريدة "ديلي تليجراف"، قائلا: إن قرار الذهاب إلى محاربة "داعش" قد يكون صائباً، ولكنه ينطوي على مخاطر لا يجب تجاهلها أن تصويت نواب من حزب العمل لصالح الاقتراح الحكومي قد يكون أزال عائقاً أمام التدخل، ولكنه لا يضمن نجاح المهمة، ذلك أن الاختبار الحقيقي لكاميرون لا يقتصر على الانتصار في المعركة السياسية مع زعيم حزب العمال المُعارض، إنما في كسب الحرب مع "داعش".
بريطانيا والحرب على
مما سبق نستطيع أن نؤكد على أن بريطانيا عاملت وتتعامل مع "داعش" بمنطق المكسب والخسارة، وسوف تشن غاراتها أيضًا بهذا المنطق، ولكن يبقى السؤال: هل ستمنع هذه الغارات وهذا التدخل من شن داعش لهجمات داخل بريطانيا؟ هذا ما ستكشف عنه الأسابيع المقبلة، وربما الأعوام المقبلة. 

شارك