مكرم عبيد الوطني حتى النخاع .. الخطيب المفوه.. السياسي البارع
الأربعاء 26/أكتوبر/2016 - 03:06 م
طباعة
من أهم الشخصيات القبطية في القرن العشرين شخصية السياسي والقانوني مكرم عبيد باشا الذي شغل منصب وزير مالية مصر الأسبق كما يعد واحد من أهم المفكرين المصريين في حقبة الخمسينيات، وهو صاحب المقولة الشهير "نحن مسلمون وطناً ونصارى ديناً، اللهم اجعلنا نحن المسلمين لك، وللوطن أنصارًا.. اللهم اجعلنا نحن نصارى لك، وللوطن مسلمين".
وكان مكرم عبيد باشا وفديا ومقربا من سعد زغلول باشا بل ولقب في فترة من الفترات بـ "ابن سعد" وعندما توفي سعد أصبح مكرم عبيد باشا سكرتيرًا لحزب الوفد، وقد ولد في 25 أكتوبر من العام 1889.
وينتمي مكرم باشا عبيد لأحد أشهر العائلات القبطية في محافظة قنا، ودرس القانون في جامعة أكسفورد، وحصل على ما يعادل درجة الدكتوراه في 1912، ثم عمل سكرتيرًا في جريدة "الوقائع المصرية".
وبعدها جاء اختياره سكرتيرًا للمستشار الإنجليزي فترة الحرب العالمية الأولى، إلا أنه ترك هذا المنصب، بسبب مطالبته للاحتلال البريطاني بحقوق المصريين، ما تسبب في قرار الاستغناء عنه، ومن ثم عُين أستاذا في كلية الحقوق.
وفي 1919، انضم إلى حزب الوفد، وبرز دوره عندما نُفي سعد باشا زغلول، فألقى الخطب والمقالات، حتى أصبح أحد أشهر الخطباء لثورة 1919، ما تسبب في إلقاء القبض عليه ونفيه هو الآخر.
وتم تعيينه وزيرًا للمواصلات في حكومة مصطفى باشا النحاس في 1928، وفي 1935 أصبح سكرتيرًا عامًا لحزب الوفد، وبعد معاهدة 1936 عُين مكرم عبيد وزيرًا للمالية، كما شارك في الحكومات الثلاث التي تم تشكيلها برئاسة النقراشي وأحمد ماهر في 1946.
ويعد هو صاحب فكرة النقابات العمالية، كما وضع نظام التسليف العقاري الوطني، وهو أيضًا صاحب الأخذ بنظام الضريبة التصاعدية للدخل، وكان عبيد قد تولى مهمة الدفاع عن الأديب والمفكر، عباس العقاد، عند اتهامه بسب الذات الملكية.
ودائمًا ما كانت كلماته تعكس الإيمان الشديد بأهمية أن يكون الهلال والصليب يدًا واحدة من أجل الوطن، ومن أقواله في هذا الصدد: "اللهم يا رب المسلمين والنصارى اجعلنا نحن المسلمين لك وللوطن أنصارا، واجعلنا نحن نصارى لك، وللوطن مسلمين"، "مصر ليست وطنا نعيش فيه بل وطن يعيش فينا"التي اقتبسها منه البابا شنودة الثالث ونسبت له و"إننى كما أقرأ الإنجيل أقرأ القرآن وأستشهد بآياته بل وأتعظ بعظاته لأننى أؤمن بالواحد الديان سبحانه في كمال علمه وصفاته".
ووافته المنية في 5 يونيو 1961، وشارك في تأبينه بالكنيسة المرقسية بحي الأزبكية، الراحل أنور السادات نيابة عن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.
وليم مكرم عبيد.. هكذا عرف بين أصدقائه في "قنـا" حتى وقت قريب من ثورة 1919، إلا أنه شطب اسم وليم بسبب موقفه المناهض للاستعمار البريطاني، حقيقة لم يكن موقف شطب الاسم هو الدليل القاطع على وطنية الرجل وعشقه تراب وطنه، حيث ترك لنا موروثًا من الأدعية والخطب كلها تشعرنا بأننا أمام مصري نشأ على نبذ التعصب الديني.
الباشا الوزير في إحدى الخطب التي ألقاها بعد انضمامه لحزب الوفد قال أمام مئات من المصريين: "إن مصر ليس وطنًا نعيش فيه بل وطنٌ يعيش فينا ونحن مسلمون وطنًا ونصارى دينًا، اللهم اجعلنا نحن المسلمين لك، وللوطن أنصارًا، اللهم اجعلنا نحن نصارى لك، وللوطن مسلمين".
الفارس
هكذا استطاع على مدى رحلته في عالم السياسة أن يحتفظ لنفسه بلقب "فارس الوحدة الوطنية" لما ضربه من أمثلة تخلى فيها عن التعصب للدين مقابل التعصب للوطن، حتى استطاع أن يحفر لنفسه في وجدان المصريين مكانًا لم يستطع أن يصل إليه أحد، خاصة قبل عودته لمنصب وزير المالية.
وهنا لنا وقفة أمام هذا الموقف الذي جعل بعض المؤرخين يستشعرون في مكرم عبيد صفات النبي المخلص صاحب الرسالة، ففي نهاية العشرينيات من القرن الماضي شكل مصطفى باشا النحاس وزارته وعُيّن مكرم عبيد وزيرًا للمواصلات، وفي عام 1935 أصبح سكرتير عام لحزب الوفد، فكان من أبرز أعضاء الحزب والجبهة الوطنية شعبية لدى الشعب، وبعد معاهدة 1936 عُين مكرم عبيد وزيرًا للمالية، وشارك في الوزارات الثلاث التي تشكلت برئاسة كل من أحمد ماهر والنقراشي في عام 1946، في هذا الوقت حبس مكرم عبيد وفي محبسه أراد الرجل أن يتصالح مع ذاته رغم أنه لم يزج بنفسه في شبهات تقوده للسجن فقال دعاءه الشهير: "اللهم سبحانك فيما ارتضيت، وفيما أرضيت، فقد هيأت لي من يذكرنى عند ربى، فجعلنى على خزائن الأرض أمينًا، بعد أن كنت في زاوية من زوايا الأرض سجينا".
يعتبر مكرم عبيد شخصية متميزة في سجل التاريخ المصري، حيث كان يتعامل بوصفه المصري الذي تجسدت أفكاره الوطنية في مقولات اكتسبت زخمًا تاريخيًا ويرددها المصريون في أوقات الشدة التي تطل فيها أشباح الفتنة برءوسها، وهو نموذج السياسي الذي يتمنى المصريون حاليًا أن يعود مرة أخرى في ظل الحالة الحالية من تغليب المصالح الشخصية على حساب المصلحة الوطنية.
فهو وزير مالية مصر وأبرز خطيب سياسي في العصر الحديث، والمحامى الضليع الذي دافع عن قضايا الشعب المصري بالفصاحة والبلاغة والنزاهة والصلابة في جميع مواقفه السياسية، حيث ولد في الخامس والعشرين من شهر أكتوبر عام 1889 بـ"قنــا"، لعائلة من أشهر العائلات القبطية وأثراها، حيث التحق بالمدرسة الأمريكية في أسيوط درس القانون في أكسفورد، وحصل على درجة امتياز في القانون عام 1908، واستكمل دراسته القانونية في ليون بفرنسا وحصل على ما يعادل الدكتوراه في عام 1912.
شغل مكرم عبيد منصب سكرتير جريدة الوقائع المصرية بوزارة الحقانية في عام 1912، كما اختير سكرتيرًا خاصًا للمستشار القانونى الإنجليزي خلال مدة الحرب العالمية الأولى، ولكنه لم يبق كثيرًا في هذا المنصب، حيث استغنى عنه بسبب كتابته مذكرة معارضة للمستشار الإنجليزي شارحًا فيها صعوبة التوفيق بين منصبه الحكومي وشعوره الوطني، وأبهرت تلك المذكرة المستشار البريطاني، وتضمنت مطالب الأمة المصرية وحقوقها ضد الاحتلال، ثم عُين بعد ذلك أستاذًا بمدرسة الحقوق لعامين كاملين وفي عام 1919 انضم إلى حزب الوفد وعمل في مجال الترجمة والدعاية في الخارج ضد الاحتلال الإنجليزي حتى إن الجريدة الناطقة بلسان حزب الوفد أطلقت عليه لقب "الخطيب المفوه".
مع سعد زغلول
علاقته بزعيم الأمة سعد زغلول من أهم مراحل حياته، حيث أصبح الناطق بلسانه إلى حد أنه عرف بــ"ابن سعد" خاصة بعدما نفى سعد زغلول إلى جزيرة سيشل، حيث ثار مكرم عبيد وقام بإلقاء الخطب والمقالات، مما تسبب في القبض عليه ونفيه هو الآخر، حتى أنه قال في إحدى خطبه: "ليس في الأمة من يمكنه أن يقول أنا الأمة إلا سعد، ومهما يكن من الأمر فسعد هو سعد فاوض أو لم يفاوض"، وأيضًا في ذكرى الزعيم: "إنه لم يتخذ أي منا من ذكراه عبرة فيجاهد في سبيل وطنه كان هو الحي الميت وحق لي أن أقول: أيها الميت الحى، أنت سعد! أيها الحى الميت.. أنت عبد!"
عندما توفي سعد أصبح مكرم عبيد باشا سكرتيرًا لحزب الوفد، بينما أصبح مصطفى النحاس رئيس الذي عين عبيد وزيرًا للمواصلات في وزارته التي شكلها بعد وفاة سعد باشا، ثم عين وزيرًا للمالية ومنح لقب الباشاوية بعد معاهدة 1936، كما أنه شارك في الوزارات الثلاث التي تشكلت برئاسة كل من أحمد ماهر والنقراشى في عام 1946.
كان لعبيد العديد من الآثار الإيجابية أثناء توليه وزارة المالية، حيث يعتبر هو صاحب فكرة النقابات العمالية وتكوينها كذلك فإنه أول من وضع فكرة "الحد الأدنى لأجور العمال في مصر"، وتوازن الأجور مع الأسعار، كما أنه عمل على توفير العلاج الطبي والتأمين الاجتماعي للعمال، وترتب على ذلك إنصاف العمال والموظفين والطبقات الكادحة، وبالإضافة إلى ذلك فإنها يعتبر واضع نظام التسليف العقارى الوطني وفكرة الأخذ بنظام الضريبة التصاعدية للدخل، كما كان يقرن معنى الوطنية بتمصير ملكية الأراضي الزراعية ونزعها من الأجانب.
وعلى الجانب السياسي اقترح عدة مبادئ أساسية يقوم عليها حكم البلاد من بينها إلغاء كل القيود على الحريات الأولية، كحرية الرأى والصحافة والاجتماع وذكر القيد الوارد على الحريات في دستور 1930 رافضًا عبارة "إلا إذا كان ذلك ضروريًا لوقاية النظام الاجتماعي"، والتي وصفها بالعبارة المطاطة التي تفسح لأي حاكم مستبد المجال للعبث بالحريات المقدسة، وكذلك أوجب إلغاء القيد على حرية الصحافة بنفس الدستور في عبارة "في حدود القانون" والتي وردت بالمادة 15، حيث قال إن القانون قد لا يكون في حدود الدستور وأيضًا فإنها تحدث عن وجوب إلغاء الحبس الاحتياطي في جرائم الرأى، وحظر إقالة الوزارة إلا إذا سحب البرلمان الثقة منها، وحظر إعلان الأحكام العرفية، فلا يجوز إعلانها إلا إذا اشتبكت البلاد في حرب فعلية داخل حدودها.
الخلاف مع النحاس
لم تمض حياة مكرم عبيد على وتيرة التفاهم والتصالح، حيث وقع في عام 1942 أكبر خلاف له مع رئيس الوفد مصطفى باشا النحاس، وهو الخلاف الذي كان سببه الرئيسي "زينب هانم"، زوجة النحاس، والتي أرادت إزاحة مكرم حتى يمكن تجهيز فؤاد باشا سراج الدين لخلافة النحاس، على الرغم من أن الفضل يعود إلى مكرم عبيد في ضم سراج الدين لحزب "الوفد" هو الخلاف الذي أدى إلى انشقاق عبيد عن الوفد وتشكيله "الكتلة الوفدية" التي أصدر لها جريدة خاصة، حيث شاركت في الوزارات التي تشكلت برئاسة أحمد ماهر والنقراشى عام 1946.
لم يكتف عبيد بذلك فحسب وإنما استغل عمله كوزير للمالية في وزارة الوفد لرصد الكثير من التصرفات المدعمة بالوثائق التي تتهم النحاس بالفساد وأخذ الرشاوى من الناس وعدم مراعاة مصالح الشعب ودونها في عريضة بأحوال البلد رفعها إلى الملك وعرفت هذه العريضة لاحقًا بــ"الكتاب الأسود"، والذي روي فيه مشاهداته في حزب الوفد، وما اعتبره وقتها من الفضائح والمصائب، وقدمها كاستجواب لمجلس النواب ظل يعرضه لمدة ثلاثة أيام، إلا أن حسن ياسين كان قد تقدم باقتراح لإسقاط عضوية مكرم باشا من مجلس النواب، حيث قال إن هذا الرجل الذي كان سكرتيرًا للوفد وصديقًا لمصطفى النحاس وابنًا لسعد زغلول لم يعد جديرًا بشرف النيابة، وتم التصويت في الجلسة نفسها، بالرغم من أن فكرى أباظة طلب إحالة الموضوع للجنة الشئون الداخلية في المجلس، رفض طلبه، وفصل مكرم عبيد من مجلس النواب، وأغلق باب المناقشة في الاستجواب. وبعد عدة أسابيع وأثناء الحرب العالمية الثانية أصدر مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء، أمرًا عسكريًا باعتقال مكرم عبيد باشا، وبالفعل تم اعتقاله بمقتضى الأحكام العرفية وأودع السجن.
وقد وجه الكتاب الأسود الاتهام إلى النحاس باشا بثلاثين واقعة منها بيع منزل كان استأجره بالإسكندرية بمبلغ ٥٠٠ جنيه وشراؤه ٨٠ فدانًا من فؤاد سراج الدين وزير داخليته باسم حرمه بثمن أقل من الثمن الحقيقي.. هذا إلى جانب شراء النحاس سيارة موديل كوتسيكا بمبلغ ١٥٠٠ جنيه، في حين أنها كانت معروضة بـ٣٠٠٠ جنيه، ونشر الموضوع بأكمله في جريدة الأهرام يوم ٢٤ مايو ١٩٤٣.
الوفد والكتاب الأسود
كما يذكر المؤرخ د. يونان لبيب رزق، في كتابه "الوفد والكتاب الأسود" كيف استشرى الفساد والمحسوبية وتفشى الوساطة والرشوة والتلاعب في تعيين العمد والمشايخ، وتعطيل الأحكام القضائية والتهريب والتدخل في صفقات التموين في السوق السوداء إلى جانب وقائع استغلال شخصي لرئيس الوفد، منها قيام السفارة المصرية بلندن بشراء معطف فراء لقرينة رئيس حزب الوفد، وكذلك قبعات للرأس وفصل مئات الموظفين صنفهم الوفد أنصارًا لخصومه مع تعيين آخرين موالين لهم من رجال الوفد.
غير المفهوم
هناك نقطة سوداء في تاريخ مكرم عبيد غير مفهومة على الإطلاق وهي صداقته مع حسن البنا رغم نوايا وفتاوى تكفير الأقباط التي كانت تنشرها مجلة الدعوة، وحالة التعصب الرهيب التي نشرها الإخوان بمصر، بالإضافة إلى ذلك استطاع مكرم عبيد باشا أن يُكَون علاقة خاصة الشكل مع جماعة الإخوان المسلمين؛ حيث كان الرجل الوحيد الذي شارك في جنازة مؤسس الإخوان حسن البنا؛ حيث منع "البوليس السياسي" في هذا الوقت أن يقترب أي رجل من منزل البنا وإلا تعرض للاعتقال باستثناء مكرم عبيد نظرًا لمنصبه الحكومي. وهي نقطة تحتاج لبحث مستقل.
وفي 5 يونيو 1961 رحل الزعيم مكرم عبيد فارس الوحدة الوطنية الذي تتجسد حاجتنا إليه الآن، وقد شارك أنور السادات نيابة عن الرئيس جمال عبدالناصر في تأبينه بالكنيسة المرقسية بالأزبكية، مشيدًا بالنضال الوطني لمكرم عبيد من أجل الاستقلال.
