دولة الإمام "متى تخلع مصر عمامة الفقيه"

الإثنين 03/أبريل/2017 - 04:21 م
طباعة دولة الإمام متى تخلع
 
الكتاب: دولة الإمام "متى تخلع مصر عمامة الفقيه"
المؤلفة: رباب كمال
دار النشر: ابن رشد 2016
دولة الإمام متى تخلع
ان دولة الإمام التي قصدتها لم تكن فقط دولة الرئيس والأزهر والأجهزة الأمنية، والقضاء، دولة الإمام هي دولة فيها رعايا مهاجرين للآخرة...وستجدهم - على اختلاف خلفياتهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية - يبحثون عن الإمام، والإمام هنا فكرة ...جعلتنا نمارس البلطجة على الناس باسم "السماء ".. فأصبحت ديمقراطيتنا فاشية باسم الأغلبية، حيث السلطة حاولت احتكار المجال الديني باستخدام أذرعها المؤسساتية (الأزهر والكنيسة) وهو ما تجلى في مشهد 3 يوليو 2013م، وعليه باتت الدولة تستخدم الدين بكثافة في مواجهتها للتيارات الدينية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يعيق عملية الإصلاح الديني وتجديد الخطاب، في ظل ملاحقة المبدعين تحت مقصلة ازدراء الأديان، فمثلا يعتقد العامة أن الدولة المصرية لا تعترف بإقامة الحدود كجزء من الشريعة، وفي حقيقة الأمر- من وجهة نظرها- فإن المشرع المصري عطل العمل بالحدود لتعذر إقامتها، وقد صرح المستشار أحمد الزند عام 2012بأن قضاة مصر يتوقون للعمل بأحكام الشريعة، وأنه يجب حل إشكالية الحدود المعطلة! بعدها دار حوار فوق المنصة، تطرقت من خلاله الكاتبة لأهم إشكاليات الخطاب الديني، ونقاط الضعف التي يعاني منها التيار المدني؛ فدعاة الدولة المدنية في رأيها قللوا من شأن إلغاء خانة الديانة من البطاقة، ولم ينتبهوا إلى تصريح نائب رئيس مجلس الدولة السيد المستشار عبد الفتاح حجازي، حين قال إن إلغاء هذا التمييز تخريب للدستور، مؤكدة أن الراهن ملتبس ومرتبك، ويحتاج للكثير من الحراك والجهد .
هذه الكلمات كانت من ملخص ما دار في مركز ودار ابن رشد للنشر الصادر عنها كتاب "دولة الامام" والذي نعرضه اليوم لتميز اسلوبه بالبساطة رغم اهمية الموضوع وفي الاعتقاد ان اختيار هذا الاسلوب جاء قصديا من الكاتبة لتصل رسالتها لأكبر عدد من المتلقين، تلك البساطة التي لم تخل ابدا بالموضوع لامتلاك الكاتبة لرؤية ناقدة نافذة لمشكلاتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية.
وان كان الكتاب مجموعة من المقالات التي نشرتها الكاتبة في اماكن متفرقة انما بينها لحمة موضوعية وترابط كبير لمناقشة قضية مفصلية في ثقافتنا والتي تتمحور حول السؤال في العنوان "متى تخلع مصر عباءة الفقيه؟" 
وتؤكد رباب كمال في كتابها على ان انكار الاعتداءات الطائفية التي تحدث في مصر لن يحد من الأزمة بل سوف يتسبب في المزيد من الاحتقان، فنحن فقط ندير أظهرنا للبركان على اعتقاد ان تجاهله سوف يوقف حطامه الصخري من الهطول على رؤوسنا.
وسيرا على هذا الدرب تؤكد الكاتبة انه لا يمكن اختزال معركة "وطن بلا تمييز" في إلغاء خانة الديانة من بطاقة الهوية، لأن قوانين العقوبات ونصوص الدستور مليئة الألغام الثيوقراطية، والأمر سيتطلب أكثر من مجرد إلغاء خانة الديانة. لربما ان الغاء خانة الديانة مجرد لفتة رمزية لكنها في غاية الاهمية ومكسب محوري ومن الممكن الاستناد في مطالبات تشريعية تؤسس لمدنية الدولة مستقبليا والطريق لا زال طويلا، حتى لا تتحول خانة الديانة الى خانة اليك المغلقة التي نوضع فيها بلا مخرج ولا حركة.
وتنتقل بنا رباب كمال الى ان بزوغ التيارات والكيانات العلمانية تحول ثقافي كبير، الا انه تيار وليد، نخشى ان يولد مبتسرا ويغرق في صراعات داخلية فيما بين العلمانيين والتنافس على كسرات الخبز.
وعلى حد تعبير رباب كمال فالهدف ليس العلمانية.. الهدف الوطن.. العلمانية وسيلة.. مجرد وسيلة.. نحن لا نملك الحلول.. نملك رؤى فقط عن كيفية البدء في التفكير في الحلول بعيدا عن أصنام ومقدسات العقل.. إذا تحولت العلمانية الى دين او مقدس له جهاد.. اذا تحولت العلمانية الى دين أو مقدس له جهاد.. تنسف الفكرة التي نشأت منها وعلى أساسها.
سنحتاج نحن ايضا الى تجديد الخطاب العلماني والوقوف على اوجه القصور والتقصير.. حتى لا تنتهي العلمانية الى مشروع اسلاموي آخر.
وناقشت الكاتبة في كتابها مسألة الحدود وتطبيقها والفرق بين فتاوى شيوخ الوسطية وفتاوى تنظيم الدولة "داعش" واوجزتها في عدد من النقاط:
1- لا يمكن ان نعتبر دعوى اقامة حد الردة من مفاهيم الوسطية، وانما دعوى للقتل وسفك الدماء ولذا يجب علينا تسمية الأشياء بأسمائها، ففتاوى حد الردة ما هي الا تحريض صريح على القتل يعاقب عليه القانون. الم تحرك مثل هذه الفتاوى الجهاديين في قتل خصومهم؟
لابد ان نسأل أنفسنا ما الفرق بين فتاوى شيوخ الوسطية وبين تنظيم الدولة "داعش" فالاختلاف ليس في الاعتراض على حد الردة وانما يختلف الطرفان على الجهة التي تنفذ حد الردة.
2- فتنظيم الدولة تنفذ هذه الحدود بنفسها بينما يتراءى لشيوخ الوسطية ان هذه مهمة ولي الأمر"الحاكم" تماما كما افتىالشيخ محمد الغزالي في محاكمة قتلة فرج فوده وتماما كما افتى الشيخ احمد كريمة حين قال حد الردة لا ينفذه آحاد الناس على قناة تليفزيونية.
3- يعتقد العامة ان الدولة المصرية لا تعمل بالحدود لأنها تعترف بها كجزء من الشريعة وفي حقيقة الامر ان المشرع المصري لم ينكر الحدود وانما عطل العمل بها لتعذر اقامتها وقد صرح وزير العدل المصري السابق احمد الزند عام 2012 ان القضاة في مصر يتوقون للعمل باحكام الشريعة وانه يجب ان يتم حل اشكالية الحدود المعطلة!!
4- كل ما سبق لا اهمية له ان كنا نعيش في دولة مدنية لا يحكمها الأزهر ولا تحكمها قوانين ثيوقراطية، فان كنا نعيش في بلد مدني لاعتبرت الدولة المصرية الشيوخ الذين اطلقوا فتاوى التكفير والردة بمثابة خارجين عن القانون قاموا بالتحريض على قتل مواطنين اختلفوا معهم فكريا وعقائديا، وهو الامر المرفوض في البلاد المتحضرة، ولا يمكن غض البصر في دولة مدنية عن أي شكل من أشكال التحريض على القتل حتى وان كانت فتوى تستند الى نص شرعي.. ولا توجد حصانة لمحرض على القتل لمجرد ان الدولة تطلق عليه اسم شيخ ازهري وسطي!!
أليست فتاوى الردة والتكفير من جرائم التحريض على القتل الذي يجب ان يعاقب عليه القانون؟ قد يقول البعض ان الدولة المصرية بريئة من مثل هذه الفتاوى، وهنا نسأل أليس الأزهر مؤسسة دينية حكومية؟ ألا تنتحر الدولة المصرية بسيف الأزهر؟
وحول 20 يونيو وعلاقتها بالفاشية الدينية قالت الكاتبة علينا ان ندرك ان 30 يونيو لم تقض على الفاشية الدينية في مصر، بعد ثلاثة اعوام من هذا التاريخ، اتضح اننا لم نقم بثورة تؤسس فعلا لمدنية الدولة ولا بثورة دينية لتجديد الخطاب الديني، بل قمنا بثورة عادت بنا من مشارف دولة الخلافة السنية التي أرادها الاسلاميون.. الى المربع صفر مربع ما قبل يناير 2011 أي عدنا للدولة التي تتقمص دورا مدنيا بالرغم من انها ذات ذراع ديني.
عدنا بالفعل من حافة دولة حمساوية النزعة، لكن هذا ليس بالضرورة انتصار للدولة المدنية التي لا زالت في مهب الريح والتي خاطرنا بحياتنا من اجلها في 30 يونيو وما سبقه من احتجاجات. والسؤال الاهم الذي يتوجب علينا طرحه.. هل هناك فعلا دولة مدنية بمرجعية دينية ام ان هذا ضحك على الذقون؟ 
ان هذا الكتاب الذي قمنا بعرضه لهو يعد من اهم الكتابات التي ناقشت مسألة دولة الامام ببساطة ويسر من مناحي متعددة اجتماعية وثقافية وسياسية.

شارك