الاكراد.. وداعش.. ومستقبل اللاجئين في سوريا

الإثنين 12/فبراير/2018 - 07:01 م
طباعة الاكراد.. وداعش..
 
الاكراد.. وداعش..
لقد دمّرت الحرب في سورية  مقومات حياة الناس، والخدمات العامة، ومؤسسات الدولة، وحرمت المدن من وظائفها الاقتصادية والسياسية التي كانت تقوم بها قبيل 2011. كما أن النزاع في سوريا اجتذب العديد من القوى المحلية والأجنبية وفكَّك النسيج الاجتماعي للبلاد. وهذا يصح على وجه الخصوص في المناطق التي كانت تحت سيطرة تنظيم داعش، حيث برزت هناك ديناميكيات اقتصادية واجتماعية وعسكرية وسياسية معقّدة. ففي الرقة، على سبيل المثال، قبيل وبعد صعود نجم التنظيم، فرّ السكان المحليون برمتهم تقريباً من المدينة بسبب القتال. ودير الزور لم تعد تقوم بالدور الذي كانت تقوم به قبل الحرب كمركز سياسي واقتصادي محوري لشرق سورية. واليوم، تضارب القوى العسكرية والسياسية المُتعادية يجعل من الاستقرار أمراً غير محتمل. ثم تأتي التوترات العربية- الكردية لتضيف عاملاً معقّداً آخر على احتمال تحقيق تسوية مُستدامة في شرق سورية.
هذا ما يناقشه التقرير الأخير لمركز كارينجي لدراسات الشرق الأوسط والصادر في 2 فبراير الجاري 2018، والذي أعده للنشر خضر خضور وهو باحث غير مقيم بالمركز.
وقد ركز التقرير علي النزاعات في شرق سوريا خصوصا في محافظتي الرقة ودير الزور حيث سبّب النزاع السوري في كلٍ من المدينتين تفكّكاً وتحولات كبرى. وكل منطقة من هذه المناطق توضح بطريقتها الخاصة طبيعة التحديات العديدة والجمّة التي تنطوي عليها عودة اللاجئين. لكن مستقبل كلٍ من الرقة ودير الزور يبقى موضع إهمال، لأن أولئك الذين استعادوا الأراضي من أيدي تنظيم داعش ليس لديهم حتى الآن على الأقل، تصوّر لما يجب أن يحدث لاحقا. وهذا يعود جزئياً إلى أن أوضاع المحافظتين غير واضح، في ضوء العدد الكبير من القوى المُتجابهة فيهما.
الاكراد.. وداعش..
وهناك العديد من التحديات التي تواجه اعادة الأوضاع الى ما كانت عليه قبيل 2011،  أبرز هذه التحديات أن الرقة ستبقى معزولة إلى حد كبير عن المناطق المجاورة التي كانت مُرتبطة بها تاريخياً وتعتمد عليها اقتصاديا. فقبل اندلاع النزاع، كان الموقع المحوري للرقة بين محافظات دير الزور والحسكة وحلب قد حوّلها إلى مركز تجاري مهم يتم فيه على وجه الخصوص تداول المنتوجات الزراعية المُرسلة إلى حلب. ولأن الحكومة المركزية في دمشق تعتبر الرقة وشرق سورية عموماً مناطق تُنتج موارد استراتيجية، كالنفط والقطن والقمح، عمدت إلى تسهيل تدفق التجارة، مثلاً عبر تعيين مسؤولين موثوقين للإشراف على صوامع الغلال في المنطقة. وفي حين أن اقتصاد الحرب والسوق السوداء سيستمران على الأرجح في هذه المحافظات، إلا أنه من المستبعد أن يعاد في مستقبل قريب إحياء هذه الروابط التجارية السابقة وقُطعت خلال النزاع. ثم أن العدد الكبير من نقاط التفتيش التي تديرها مجموعات مسلّحة في المنطقة، جنباً إلى جنب مع الهياكل الإدارية المُتنافسة والمُتداخلة التي فُرضت في غياب السلطة المركزية السورية، يعني أن العلاقات التجارية السابقة لا يمكن إحياؤها بفعالية اليوم، ناهيك عن إمكانية تنظيمها على نحو سليم.
ثمة تحدٍ ثانٍ: يُرجّح أن تقاوم النخب المدنية في الرقة الخطة التي طبقتها قوات سورية الديمقراطية في بلدات أخرى. ولذا، ستحتاج هذه القوات، أولاً، إلى كسب ثقة الموظفين الرسميين، والمهندسين، والأطباء، ونشطاء المجتمع المدني الذين لا تستطيع المدينة من دونهم أن تستعيد تماسكها الاجتماعي. وهذا ينطبق على وجه الخصوص على أولئك الذين دشّنوا حياة جديدة وأسّسوا أعمالاً في تركيا، أو وجدوا عملاً وأقاموا علاقات جديدة، أو أدخلوا أولادهم إلى مدارس. وفيما قلة فقط تود البقاء في تركيا إلى ما لانهاية، إلا أن التدمير وفقدان الأمن في سورية منع معظم اللاجئين من العودة. والواقع أنه سيكون من الصعب على أيٍ كان طرق أبواب الرجوع فيما المدينة مُدمّرة إلى حد كبير، والهياكل الاجتماعية مشلولة كليا، ويفتقد القادة الجدد الذين جرى تمكينهم إلى الاستقلالية عن القادة الكرد في مجالات الأمن وصنع القرار. وثمة هنا لازمة يكررها السوريون في تركيا حين يُسألون عما إذا كانوا سيعودون إلى بلادهم، وهي: "نعود إلى أين"؟ ستحتاج النخب المحلية قبل اجتثاث حياتها ثانية لأن تتلقى ضمانات بأن الحكم الجديد في الرقة يستطيع الاستقرار والعمل على نحو سليم.
وهناك تحدٍ ثالث يكمن في طبيعة العلاقات مع النظام في دمشق ومع تركيا. فالنظام السوري له مصلحة عميقة في فشل نماذج الحوكمة التي تُطبّق خارج سلطته، فيما أنقرة تعارض بقوة تنامي النفوذ الكردي على طول حدودها مع سورية. هذا علاوة على أن العديد من القادة القبليين السابقين المُتحدرين من محافظة الرقة يقطنون الآن في دمشق، وأن النظام حافظ على الاتصالات القبلية التي قد تعمل كمعرقلة لأي عملية انتقال سياسي.
وقد أكد التقرير على الفروقات التي بين دير الزور والرقة وكان من أهمها التي تتعلّق أساساً بالجغرافيا. فمدينة دير الزور ضعف مساحة مدينة الرقة، ومحافظة دير الزور أكبر بكثير أيضاً من محافظة الرقة. وفي حين أن مدينة الرقة مُحاطة بقرى، تُزنِّر دير الزور مناطق أخرى مع وجود مسافات أكبر بكثير بين المراكز السكانية. يَقسم السكان المناطق حول مدينة دير الزور إلى رُبعيات: الريف الشرقي والغربي، ومناطق الجزيرة شمال دير الزور، والمناطق الجنوبية المعروفة باسم الشامية. ويفصل نهر الفرات الذي يخترق المدينة بين الربعين الشمالي والجنوبي.
الاكراد.. وداعش..
ويقول التقرير أنه بسبب أهمية مدينة دير الزور، بَذَلَ النظام السوري دماً ومالاً كثيفين للدفاع عن وجوده هناك بعد بدء الانتفاضة العام 2011 وخلال الحصار الذي فرضه تنظيم الدولة الإسلامية في الفترة بين أوائل 2015 و18 سبتمبر 2017 وهذا عنى أن النظام كان في أفضل تموضع للسيطرة على المدينة وضواحيها بعد كسر الحصار. التركيبة الاجتماعية لدير الزور معقّدة، فهي تتضمّن طبقة وسطى متعلّمة ونخباً من رجال الأعمال بعضهم لم يعد يقطن في المدنية لكنه يحافظ على روابط حيوية مع الاقتصاد. وفي حين أن نخب رجال الأعمال هذه لديها روابط بحكم الضرورة بالنظام، إلا أنها تميل إلى العمل بشكل مستقل، ما يعني أنه من غير المحتمل حدوث جهد موحّد لإعادة اللاجئين. علاوة على ذلك، الكثير من سكان مدينة دير الزور يأتون من خلفيات قبلية، وبالتالي الروابط بينهم تشكّل الجغرافيا المدنية التي تنحو إلى تأكيد انفصالهم وليس وحدتهم. وقد أُطلق على بعض الأحياء أسماء قبائل ارتبطت تاريخياً بهذه المناطق.
على رغم أن النظام استعاد دير الزور، إلا أن المدينة تعرّضت إلى دمار ماحق يشبه ما حلّ بأحياء حمص وحلب التي كانت تحت سيطرة المتمردين. معظم سكان دير الزور هُجِّروا، ولايبدو أن لدى النظام خطة لمعالجة هذا الأمر في وقت قريب. ولاحظ مسؤول في النظام في يونيو 2017، حين سُئل عن أفاق المصالحة، "نحن نتصالح مع الأرض وليس مع الناس". ما يشي به هذا البيان هو أولاً: أن مزيداً من الناس سيُهجرون نحو المناطق التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية فيما يتقدّم النظام، وثانياً أن أولوية هذا الأخير هي استعادة الأرض، مايوفّر له أوراق ضغط للتفاوض على عودة النازحين وفق شروطه. وهذا مُشابه للمنطق الذي طبقه النظام في النصف الشرقي لمدنية حلب الذي كان خالياً تقريباً حين سيطرت عليه الحكومة مجدداً في ديسمبر 2016.
كذلك ناقش التقرير العقبات أمام عودة النازحين للمدينتين ففي حالة الرقة ظهر اتجاهان   خلال الصراع السوري سيتحكّما إلى حد كبير بمستقبل محافظة الرقة. الأول، هو الكيفية التي غيّر فيها النزاع هياكل السلطة المحلية، خاصة منها الدور المهني للطبقة الوسطى، وانتفاء احتمال العودة إلى ما كان سائداً سابقا. والثاني، هو آليات الغربلة الأمنية الجديدة التي طورتها وطبقتها القوات المدعومة أميركياً والتي قاتلت لانتزاع محافظة دير الزور من قبضة الدولة الإسلامية. وقد كانت حصيلة هذين الاتجاهين بروز نخبة محلية جديدة، وكذلك تطبيق أنموذج أمني في الرقة يتّسم إلى حد بعيد بالعسف والعدوانية.
ويبدو الوضع في دير الزور مختلفاً إلى حد ما. ففي حين تطلّب الاستيلاء على محافظة الرقة أساساً تطويق واجتياح المدينة الرئيسة، انطوت الحملة العسكرية ضد تنظيم داعش في دير الزور على هجمات متعددة، شُنَّت ضد أهداف جغرافية مختلفة من قِبَل قوى متنوّعة ومن اتجاهات مختلفة. إضافة إلى ذلك، كانت القوات في دير الزور تتكوّن من مزيج أوسع من ذلك الذي كان في الرقة- وهنا المقصود ليس فقط قوات سورية الديمقراطية وقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة بل أيضاً مختلف فصائل الجيش السوري الحر وكذلك الجيش السوري والميليشيات المتحالفة معه. ثم ان الطبيعة المُتشظية للغاية للمنطقة، ستؤثر على الطريقة التي سيتم فيها تقاسم السيطرة بعد رحيل الدولة الإسلامية بين هذه القوات، وستسبك طبيعة الآليات الأمنية التي ستقام. وهذا بدوره سيحدد كلاً من آفاق الاستقرار وعودة اللاجئين.
وحول الدور الكردي يُرجّح أن تلعب التوترات بين العرب والأكراد دوراً رئيساً حيال مستقبل الاستقرار في شرق سورية. وهذا يشمل محافظتي الرقة ودير الزور، وكذلك محافظة الحسكة في أقصى الشمال وأجزاء من محافظة حلب. وحصيلة هذه التوترات ستؤثّر تأثيراً كبيراً على عودة اللاجئين إلى هذه المناطق.
الاكراد.. وداعش..
فلايزال العديد من العرب الذين يعيشون خارج سورية (في العديد من الحالات منذ نحو نصف عقد من الزمن) يعتقدون أن الأكراد يسعون إلى إقامة دولة تستند إلى العرق وبالتالي لا يثقون بهم. وأدى غياب أي جسر تواصل بين الطرفين إلى عرقلة الجهود للتفاوض حول عودة لاجئين يتكونون في غالبيتهم العظمى من العرب إلى مناطق يسيطر عليها الأكراد.
ويصل الباحث في الأخير الى أن هزيمة تنظيم داعش لن يمهّد الطريق تلقائياً أمام عودة اللاجئين إلى شرق سورية. ففي المناطق التي يتمّ فيها إرساء الاستقرار وتشجيع اللاجئين على العودة، ستكون للأطراف التي تتحكم في الأمن مصلحة في تطبيق نظام إعادة إدماج يضمن سلطتها ويُسقط الآراء المخالفة أو أي معارضة محتملة في أوساط السكان.
بعبارة أخرى، ستصبح على الأرجح عودة أولئك الذين غادروا البلاد أداة هيمنة يستخدمها أولئك الذين يمسكون بمقاليد السلطة، مع استخدام وسطاء السلطة المحلية لمسألة اللاجئين والنازحين داخلياً لموضعة أنفسهم في إطار النخبة الناشئة لسورية الجديدة. ومن المرجح أن تشمل هذه العملية صعود نجم قادة جدد، مع عمل أعضاء بارزين في المجتمع كأوجه إدارات جديدة، وإضفاء الشرعية على حكم الفصائل المسلحة الموالية إما للنظام السوري أو لقوات سورية الديمقراطية. الجدير ذكره هنا أن هذين الطرفين يسيران في مسار تصادمي في شرق سورية، حيث يعتبر كل طرف وجوده مهماً من الناحية الاستراتيجية – وحتى أيضاً من الناحية الوجودية. عين النظام ساهرة على الرقة بوجه خاص، نظراً إلى أن هدفه الأساسي يتمثّل في إعادة ربط محافظتي دير الزور وحلب، باعتبار الرقة نقطة الوصل بينهما. وبالنسبة إلى قوات سورية الديمقراطية، يُعتبر البقاء في شرق سورية مهماً بالقدر نفسه، فيما هي تسعى إلى تحويل مكاسبها الإقليمية إلى شرعية سياسية وعلاقات مُستدامة مع الولايات المتحدة.
لا ينبغي توقع عودة اللاجئين على نطاق واسع، في الوقت الذي تتصاعد فيه أوجه العداوة بين النظام وبين قوات سورية الديمقراطية. سيخشى الكثيرون من حصول هجمات بدافع الانتقام وغياب الاستقرار، حيث تتنافس الجهات الفاعلة المحلية على النفوذ في ساحة مُفككة بشكل كبير. وسيواصل الدمار الذي حلّ بالرقة ودير الزور، المادي والاقتصادي على السواء، والشكوك التي تولدها التوترات الكردية- العربية تبديد تلك الآفاق. لذلك لابدّ من أن يهدف أي حل لضمان عودة اللاجئين إلى معالجة هذه العوامل. علاوةً على ذلك، إذا ما تبدّلت معالم مناطق اللاجئين الأصلية بشكل كامل، بحيث تصبح غريبة عنهم بالفعل، يمكن أن يقنع الثمن الباهظ للعودة في نهاية المطاف أولئك الذين انتقلوا إلى أماكن أخرى، ولاسيما أوروبا، بالبقاء هناك بشكل دائم.
أحد الخيارات المتاحة لمعالجة هذا الوضع يمكن أن يتضمن اقتراحاً هجيناً، توضع بموجبه المؤسسات التابعة لقوات سورية الديمقراطية تحت مظلة الدولة السورية، مع إبقاء كوادر حزب العمال الكردستاني وموظفي الأمن في النظام بعيداً عن هيئات الحوكمة في المناطق التي انتُزعت من تنظيم الدولة الإسلامية. هذه الهيئات يمكن أن تدار من قِبَل موظفي الدولة السابقين، ومن شأن مثل هذه العملية أن تتجنب حدوث شرخ بين القادة المحليين المعينين من قبل قوات سورية الديمقراطية وبين النخب المحلية السابقة، وتحقيق توازن بين الكوادر المدربة على يد حزب العمال الكردستاني والنظام، وتشجيع التكنوقراط على العودة، والسماح بعودة أكثر سلاسة للاجئين. قد يكون من المستحسن أيضاً استكشاف كيف يمكن أن تتحوّل عمليات إعادة الإعمار وعودة النازحين إلى عوامل محفزة للحصول على أوراق ضغط واستعمالها ضدّ نظام الأسد كي يوافق على عملية انتقال السلطة. وهذا يمكن أن يضع حداً لسياسة النظام التي استمرت عقوداً طويلة، والمتمثلة في استخدام السلطة من أجل إحكام قبضته على السكان السوريين.
بيد أننا يجب ألا ننسى أن أي سياسة قابلة للتطبيق في شرق سورية، لابدّ وأن تكون جزءاً لا يتجزأ من إطار تسوية سياسية أوسع نطاقاً للبلد، تركّز على تهيئة الظروف لعودة اللاجئين بدلاً من التركيز ببساطة على وضع حدّ للأعمال العدائية. ومن شأن ذلك أن يعيد إلى مدن المحافظات أدوارها التقليدية في نظام المناطق المحلية في سورية. ويعني ذلك أيضاً إدماج موظفي الخدمة المدنية والمعلمين والمهنيين الذين غادروا المدن في عملية إعادة الإعمار، وخلق الشبكات الاجتماعية الجديدة التي تشجّع الناس على العودة من جديد. واليوم، يبدو أن هذا المسار عصيّ على التبصّر، حيث أن المحصلات السياسية في شرق سورية لا تزال ضبابية بسبب جداول الأعمال المعقدة والمتعارضة، الأمر الذي سيواصل التأثير على احتمالات عودة اللاجئين. أما بالنسبة إلى العديد من اللاجئين والنازحين داخلياً، فقد كان غياب الاستقرار وأعمال العنف هو الذي جعلهم يفرّون في المقام الأول، ووحده الاستقرار الحقيقي سيكون كفيلاً بتحفيزهم على العودة.

شارك