الخطاب الإخواني والتأسيس للإرهاب

الخميس 22/فبراير/2018 - 07:03 م
طباعة الخطاب الإخواني والتأسيس
 
الخطاب الإخواني والتأسيس
كثيرة هي الدراسات التي تناولت جماعة الإخوان المسلمين، سواء في مصر أو امتدادها الجغرافي في قارات العالم تقريبا، من حيث الانتشار والأفكار ونقد الأيديولوجيا السياسية للجماعة 
ويقدم لنا الكاتب بابكر فيصل بابكر، في قراءته هذه نقدا لمفهوم البيعة لدى الجماعة وكما يذكر في مقدمته ان فشل تجربة جماعة الإخوان المسلمين في الحكم لا يرتبط بالتطبيق العملي فقط كما يقول مناصروها، بل هو فشل كامن في أصول الأفكار وطرائق التنشئة التي يتربى عليها العضو المنتمي للجماعة، وبالتالي فإن أية حديث أو محاولة لمراجعة التجربة يجب ألا تقتصر على نقد الممارسة العملية، بل أن تبدأ من النظر والتنقيب في تلك الأصول النظرية وفي أساليب التربية المرتبطة بها.
وحسب الدراسة التي نشرت على موقع "الحرة" على حلقتين، يعتبر مفهوم البيعة من المفاهيم الأساسية التي لا يكتمل دونها انتساب العضو للجماعة، أي أن يصبح عضوا عاملا، وهو المدخل الذي يتم من خلاله ضمان خضوع ذلك العضو لأفكار الجماعة وأهدافها وأساليب التربية الداخلية، وهي كذلك تمثل سبيل الاطمئنان إلى تأكيد ولائه لقيادتها.
وتنبني بيعة جماعة الإخوان المسلمين كما وردت في "رسالة التعاليم" للمرشد المؤسس حسن البنا على عشرة أركان هي: الفهم، الإخلاص، العمل، الجهاد، التضحية، الطاعة، الثبات، التجرد، الأخوة، والثقة، وترتبط بهذه الأركان "واجبات الأخ العامل" التي تتضمن ثمانية وثلاثين واجبا.
ويتناول الباحث ركن العمل، لتبيان تعارضه الجذري مع أساليب العمل داخل الأحزاب السياسية التي تتبنى المناهج الحديثة المستندة على الاختيار الحر والتداول الديموقراطي للآراء من أجل اتخاذ القرارات، وكذلك مخالفتها للرؤى التي تقوم عليها الأحزاب المدنية التي تنشأ في الأساس لتحقيق المصلحة الوطنية كغاية أخيرة وهدف نهائي.
ويستشد الباحث بمقولات حسن البنا في "الرسائل" حيث يوضح حسن البنا في رسالة "إلى الشباب" أن إعادة ذلك الكيان الدولي للمسلمين لن تتم إلا باستعادة المستعمرات الإسلامية السابقة في أوروبا
الخطاب الإخواني والتأسيس
يقول حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس إن دعوة الإخوان المسلمين "دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة إقتصادية، وفكرة إجتماعية"، وهذا تعريف مبهم وفضفاض لا يمكن ربطه بالمفهوم المعروف للحزب السياسي.
ومن ناحية أخرى فإن البنا ينفي أن تكون الجماعة حزبا يسعى لخوض غمار العملية السياسية، فتجده يقول في رسالة المؤتمر السادس "أما أننا سياسيون حزبيون نناصر حزبا ونناهض آخر فلسنا كذلك ولن نكونه، ولا يستطيع أحد أن يأتي على هذا بدليل أو شبه دليل".
هذا الغموض الذي اكتنف تعريف طبيعة الجماعة خلق منذ البداية تداخلا ضارا بين المفاهيم الدينية والأخرى السياسية التي تقوم عليها الأحزاب وتستقطب بها عضويتها وتبني عليها أسس التنشئة والتربية الداخلية. وعندما جاءت التجربة العملية في مصر، وقررت الجماعة خوض العملية السياسية من أجل الوصول للسلطة لم تجد مناصا من إنشاء حزب يحتفظ بمسافة من الجماعة ويسعى لتحقيق أهدافها، وهنا برزت المعضلة.
وحسب الباحث فقد فشل الحزب الذي خرج من عباءة الجماعة في ممارسة دوره كحزب سياسي له هياكل معروفة وبرنامج وقيادة، حيث ظلت قيادة الجماعة ممثلة في مكتب الإرشاد تسير عمل الحزب بصورة مبطنة، وأضحى مرشد الجماعة هو الرئيس الفعلي للحزب ذلك لأن رئيس الحزب المعلن محكوم ببيعة أداها للمرشد ولا يستطيع الخروج عليها، ولم يك لديه أية صلاحيات سوى تلك المستمدة من وجوده كعضو في مكتب الإرشاد مع آخرين.
والبيعة مفهوم إسلامي ليس له صلة بعملية الاختيار الحر والانتخاب في الأحزاب والنظم الديموقراطية الحديثة. والبيعة بحسب التجربة التاريخية الإسلامية تظل في عنق المسلم حتى وفاة المبايع، خليفة أو إماما وهي لا تحتمل التغيير، ولا تُنتقض إلا بشروط معينة، وإذا تم نقضها بغير تلك الشروط فإن ذلك يعتبر خروجا على الحاكم يستوجب القتال.
الركن الأول من أركان بيعة الأخوان المسلمين هو "العمل" الذي يُعرفه البنا بأنه "ثمرة العلم والإخلاص"، ويقول إن "مراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق" هي سبع مراتب تشمل: إصلاح نفسه، وتكوين بيت مسلم، وإرشاد المجتمع، وتحرير الوطن، وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق، وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، وأخيرا أستاذية العالم.
وحسب الباحث لا تتورع دعوة الإخوان المسلمين عن استخدام آية قرآنية تدعو لقتال الآخر غير المسلم من أجل إكمال السيطرة على العالم
وعلى الرغم من الغموض والضبابية التي تعتري الكيفية التي ستصبح بها الحكومة "إسلامية بحق"، خصوصا بعد التجربة الفاشلة في السودان، إلا أن الخطورة تكمن في الحديث عن إعادة الكيان الدولي للمسلمين، حيث تقول البيعة: "إعادة الكیان الدولي للأمة الإسلامية بتحریر أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافتها وجمع كلمتها، حتى یؤدى ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة".
ويوضح البنا في رسالة "إلى الشباب" أن إعادة ذلك الكيان الدولي للمسلمين لن تتم إلا باستعادة المستعمرات الإسلامية السابقة في أوروبا: "ونريد بعد ذلك أن تعود راية الله خافقة عالية على تلك البقاع التي سعدت بالإسلام حينا من الدهر ودوى فيها صوت المؤذن بالتكبير والتهليل، ثم أراد لها نكد الطالع أن ينحسر عنها ضياؤه فتعود إلى الكفر بعد الإسلام. فالأندلس وصقلية والبلقان وجنوب إيطاليا وجزائر بحر الروم، كلها مستعمرات إسلامية يجب أن تعود إلى أحضان الإسلام، ويجب أن يعود البحر الأبيض والبحر الأحمر بحيرتين إسلاميتين كما كانتا من قبل".
وأما أستاذية العالم فتشرحها البيعة بالقول: "وأستاذیة العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ویكون الدین كله لله" الأنفال: 39، "ویأْبى الله إِلا أَن یُتِمَّ نوره ولو كَره الكَافرون" التوبة: 32".
نحن هنا بإزاء دعوة كونية لا ترتبط بالحدود الوطنية التي تلتزم بها الأحزاب، وهي دعوة تنادي بعودة الخلافة الإسلامية، بل أكثر من ذلك هى لا تتورع عن استخدام آية قرآنية تدعو لقتال الآخر غير المسلم من أجل إكمال السيطرة على العالم.
هذه الفكرة الأممية العابرة للحدود كان قد شرحها البنا في رسالة "الإخوان تحت راية القرآن" بالقول: "ولكننا أيها الناس: فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج، لا يحدده موضع، ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ذلك لأنه نظام رب العالمين، ومنهاج رسوله الأمين".
الخطاب الإخواني والتأسيس
وكذلك يوضح البنا في رسالة "إلى الشباب" الهدف النهائي من أستاذية العالم بقوله: "نريد بعد ذلك ومعه أن نعلن دعوتنا على العالم وأن نبلغ الناس جميعا، وأن نعم بها آفاق الأرض، وأن نُخضع لها كل جبار، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم".
ولا تتحقق هذه الأستاذية إلا عبر مفهوم "الجهاد" الذي يشكل أحد أركان البيعة الإخوانية، والذي يقول عنه البنا في نص البيعة "وأريد بالجهاد.. الفريضة الماضية إلى يوم القیامة والمقصود بقول رسول الله صلى الله علیه وسلم: "من مات ولم یغز ولم ینو الغزو مات میتة جاهلية"، وأول مراتبه إنكار القلب، وأعلاها القتال في سبيل الله".
من المؤكد أن استعادة الخلافة وتحرير المستعمرات الإسلامية السابقة وإخضاع كل جبار لن يتم إلا عن طريق تطبيق المرتبة الأعلى للجهاد والمتمثلة في "القتال في سبيل الله" إذ ليس من المُتصور أن تتحقق عبر إنكار القلب.
وهذا الأمر يتبين من خلال الركن الثالث في البيعة والمتمثل في "التجرد"، والذي يشرحه البنا بالقول: "أريد بالتجرد: أن تخلص لفكرتك مما سواھا من المبادئ والأشخاص، لأنها أسمى الفكر وأجمعها وأعلى (صبغةَ لله ومن أَحسن من الله صبغة) البقرة: 138".
إن خطورة وصف أفكار الجماعة بأنها "أعلى صبغة لله" تتمثل في تنشئة كادر يعتقد في أنه يمتلك الحق المطلق وأن من سواه من المسلمين أو غيرهم ليسوا سوى منحرفين عن ذلك الحق، وهو الأمر الذي أعلنه البنا صراحة في خطابه أمام "اجتماع رؤساء المناطق ومراكز الجهاد" حيث قال "إن لنا سلاحا لا يفل ولا تنال منه الليالي والأيام هو "الحق" والحق باق خالد والله يقول: (بل نقذف بالحق على الْباطل فيدمغه فإِذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون) الأنبياء: 18).
ما يفاقم من الأثر السلبي لظاهرة العنف وتكوين الكادر الحربي في الإخوان المسلمين هو الركن الرابع من أركان البيعة المتمثل في "الطاعة"
امتلاك الإخوان للحق يمنحهم سلطة تمثيل الإسلام، وبالتالي تصنيف المسلمين وغيرهم من خلال بعدهم أو قربهم من فكرة الإخوان بإعتبار أنها هي المعيار الذي يقاس عليه الإسلام الحق وما عداها هو الباطل. وهكذا يصنف البنا الناس بالقول "والناس عند الأخ "المسلم" الصادق واحد من ستة أصناف: مسلم مجاھد، أو مسلم قاعد، أو مسلم آثم، أو ذمي معاھد، أو محايد، أو محارب، ولكل حكمه في میزان الإسلام".
هذا التصنيف هو المدعاة الأكبر لاستخدام العنف من قبل أعضاء الجماعة ضد الآخر المختلف. وهو كذلك المسؤول عن تكوين النفسية الحربية لدى الكادر، وهي نفسية لا تتماشى مع أبسط القواعد التي ينشأ عليها الحزب السياسي ومع الديموقراطية التي تنبني في الأساس على فكرة إدارة الاختلاف بالطرق السلمية.
ويقسم البنا الطاعة الواجبة بحسب مراحل في الدعوة الثلاث والمتمثلة في: التعريف والتكوين والتنفيذ. ويقول إن الطاعة التامة في المرحلة الأولى (مرحلة التعريف) والتي تعنى بالدعوة عن طريق نشر الفكرة العامة بين الناس لیست لازمة بقدر ما یلزم فیها احترام النظم والمبادئ العامة للجماعة، أما (مرحلة التكوين) فيقول إنها تُعنى: "باستخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد وضم بعضها إلى بعض، ونظام الدعوة ـ في هذه المرحلة ـ صوفي بحت من الناحیة الروحیة، وعسكري بحت من الناحیة العملیة، وشعار هاتین الناحیتین "أمر وطاعة" من غیر تردد ولا مراجعة ولا شك ولا حرج، وتمثل الكتائب الإخوانیة هذه المرحلة من حياة الدعوة. والدعوة فیها خاصة لا یتصل بها إلا من استعد استعدادا تاما حقیقیا لتحمل أعباء جهاد طویل المدى كثیر التبعات، وأول بوادر هذا الاستعداد كمال الطاعة" كما جاء في "رسالة التعاليم" للبنا.
أما مرحلة التنفيذ، بحسب "رسالة التعاليم"، فهي: "مرحلة جهاد لا هوادة فیه، وعمل متواصل في سبیل الوصول إلى الغایة، وامتحان وابتلاء لا یصبر علیهما إلا الصادقون، ولا يكفل النجاح في هذه المرحلة إلا كمال الطاعة كذلك وعلى هذا بایع الصف الأول من الإخوان المسلمین في یوم 5 ربیع الأول سنة 1359 هجري (نيسان/أبريل 1940)، وأنت بانضمامك إلى هذه الكتیبة، وتقبلك لهذه الرسالة، وتعهدك بهذه البیعة، تكون في الدور الثاني، وبالقرب من الدور الثالث، فقدِّر التبعة التي التزمتها وأعد نفسك للوفاء بها".
نحن هنا بصدد تربية عسكرية وتقسيمات حربية "كتائب"، ولسنا إزاء تنشئة حزبية وتشكيلات مدنية. وأهم ما يميز هذا البناء المقاتل هو الطاعة المطلقة للقيادة، وهذا نقيض ما يحدث في التنظيم السياسي الحديث الذي لا ينهض ويقوى إلا بتوفر حرية النقد والاختلاف، ولا ينمو ويتطور إلا بالحيوية المدفوعة بالمسائلة التي تطال القيادة وتضعها تحت المراقبة الدائمة لضمان عدم الانحراف.

شارك