"حسن العشماوي" ورفض مفهوم الحاكمية والحكومة الدينية

الأحد 02/فبراير/2020 - 09:30 ص
طباعة حسن العشماوي ورفض حسام الحداد
 
ولد حسن محمد العشماوي في مدينة المنيا بصعيد مصر 1921م، وتلقى تعليمه في المدارس الابتدائية والثانوية، ثم التحق بكلية الحقوق، وتخرج فيها سنة 1942م، ثم حصل على دبلوم القانون الخاص 1942م، واشتغل في النيابة والقضاء، ثم استقال من منصبه في أواخر الخمسينيات كوكيل للنائب العام، وعمل بالمحاماة 1949م،
وعن الأدوار التي كان يقوم بها عشماوي وعلاقته بالثورة، تحدث اللواء محمد نجيب في كتاب له تضمن مذكراته عن بعض القضايا التي تتعلق بالاخوان المسلمين حيث قال: ( حاول الاخوان المسلمون الاتصال بي في ديسمبر 1953م عن طريق محمد رياض الذي اتصل به حسن العشماوي ومنير الدولة وطلبوا أن تتم مقابلة سرية بيني وبينهم واقترحوا مكاناً للمقابلة منزل الدكتور اللواء احمد الناقة
 الضابط بالقسم الطبي في الجيش وكانت هذه مفاجأة لأنني عرفت لأول مرة أن للدكتور احمد الناقة ارتباطاً بالاخوان المسلمين ورفضت فكرة الاجتماع السري بهم وأبلغتهم بواسطة محمد رياض أنني مستعد لمقابلتهم في منزلي أو مكتبي، لكنهم اعتذروا عن ذلك وطلبوا أن أفوض مندوباً عني للتباحث معهم فوافقت وعينت محمد رياض ممثلاً عني للاجتماع معهم بعد أن زودته بتعليماتي واجتمع محمد رياض بممثلي الاخوان المسلمين حسن العشماوي ومنير الدولة عدة مرات ) !! بحسب المذكرات أوضح محمد رياض لممثلي الاخوان رأي محمد نجيب في إنهاء الحكم العسكري الحالي وعودة الجيش إلى ثكناته وإقامة الحياة الديمقراطية البرلمانية وعودة الأحزاب وإلغاء الرقابة على الصحف، ولكنهم لم يوافقوا على ذلك بل طالبوا ببقاء الحكم العسكري الحالي وعارضوا إلغاء الأحكام العرفية وطالبوا باستمرار الأوضاع كما هي على أن ينفرد محمد نجيب بالحكم وإقصاء جمال عبدالناصر وباقي أعضاء مجلس قيادة الثورة وأن يتم أيضاً تشكيل حكومة مدنية لا يشترك فيها الإخوان المسلمون، ولكن يتم تأليفها بموافقتهم. كما طالب الاخوان بتعيين رشاد مهنا وهو "إخواني" قائداً عاماً للقوات المسلحة بالإضافة إلى تشكيل لجنة سرية استشارية يشترك فيها بعض العسكريين الموالين لمحمد نجيب، وعدد مساوٍ لهم من "الاخوان المسلمين" بحيث يتم عرض القوانين على هذه اللجنة قبل إقرارها كما تعرض على هذه اللجنة الاستشارية السرية سياسة الدولة العامة وأسماء المرشحين "للمناصب الكبرى".
ويضيف محمد نجيب في مذكراته: (كان الإخوان المسلمون يريدون بذلك السيطرة الخفية على الحكم دون أن يتحملوا المسؤولية)، ثم يمضي قائلاً: "رفضت جميع هذه الاقتراحات وانتهت المفاوضات السرية التي جرت بين محمد رياض وموفدي الاخوان المسلمين.. وقد تعرض محمد رياض للمتاعب في وقت لاحق بعد أن اعترف الصاغ حسن حمودة وكان من الاخوان المسلمين أمام المحكمة في شهر نوفمبر 1954م، بأن اتصالاً سرياً تم بيني والاخوان المسلمين بواسطة محمد رياض وذكر أمام المحكمة أرائي التي نقلها محمد رياض إلى حسن عشماوي ومنير الدولة، وصدر أمر بالقبض على محمد رياض بتهمة التخطيط لانقلاب على مجلس قيادة الثورة بالتعاون مع الاخوان المسلمين، ولكنه استطاع الهرب إلى المملكة العربية السعودية بالطائرة". هكذا يناورون!! تدل الاعترافات التي أدلى بها قادة الاخوان بعد أحداث 1954م بميدان المنشية في الاسكندرية على أنهم بدأوا يعملون ضد ثورة 23 يوليو وجمال عبدالناصر على وجه التحديد في ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الأول: معارضة المفاوضات المصرية البريطانية بشأن جلاء القوات البريطانية عن مصر وتوقيع اتفاقية الجلاء، وكان الاخوان قد اقترحوا على مجلس قيادة الثورة التوقف عن أسلوب المفاوضات وإعلان الجهاد وفتح المجال للمتطوعين من الاخوان للقتال.. وتم الرد عليهم بأنكم بهذا المقترح تسعون إلى استنفار الانجليز ضد النظام الجديد وهو ما لم تفعلوه مع الملك.. بل إنكم أيدتم رئيس الوزراء الطاغية إسماعيل صدقي الذي وقع مع بريطانيا على معاهدة 1936م المعروفة بمعاهدة صدقي بيفن وخرجتم بمظاهرة تأييد لهذا الطاغية، ووظفتم فيها الدين والقرآن لخدمة أهدافه السياسية وأهدافكم التي تقاطعت معها حين رفعتم في تلك المظاهرة شعار: "وأذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد". وبعد إلغاء معاهدة 1936م في 18 أكتوبر 1951م تحت ضغط الكفاح المسلح والعمل الفدائي ضد الانجليز في قناة السويس قال المرشد العام الجديد لمندوب جريدة "الجمهوري المصري" في 25 أكتوبر 1951م: "وهل تظن أن أعمال العنف ستخرج الانجليز من البلاد؟.. إن واجب الحكومة اليوم أن تفعل ما يفعله الاخوان من تربية الشعب وإعداده أخلاقياً فذلك هو الطريق الصحيح لإخراج الانجليز من مصر، كما خطب المرشد العام الهضيبي في شباب الاخوان قائلاً: "اذهبوا واعتكفوا على تلاوة القرآن الكريم"!! وقد رد عليه خالد محمد خالد في (روز اليوسف) تحت عنوان "أبشر بطول سلامة يا جورج" في تاريخ 30 أكتوبر 1951م قائلاً: "الإخوان المسلمون كانوا أملاً من آمالنا لم يحركوا ولم يقذفوا في سبيل الوطن بحجر ولا طوبة، وحين وقف مرشدهم الفاضل يخطب منذ أيام في عشرة آلاف شاب قال لهم "اذهبوا واعتكفوا على تلاوة القرآن، ولا تتورطوا بالقتال". ويتساءل خالد محمد خالد في مقاله الذي رد به على خطاب مرشد الاخوان وأحاديثه الصحفية.. " أفي مثل هذه الأيام يدعى الشباب للاعتكاف على تلاوة القرآن الكريم ومرشد الاخوان يعلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيار صحابته تركوا صلاتي الظهر والعصر من أجل معركة"؟!! الاتجاه الثاني: الاتصال بمستر ايفانز المستشار السياسي في السفارة البريطانية بالقاهرة حيث عقدوا معه عدة اجتماعات استمرت عدة ساعات في منزل الدكتور محمد سالم الذي أوضح لمستر ايفانز موقف الاخوان بان تكون عودة الانجليز إلى القاعدة بناءً على رأي لجنة مشكلة من المصريين والانجليز وان الذي يقرر حظر الحرب هي الأمم المتحدة! والغريب في الأمر أن الانجليز تبنوا هذا الرأي في مفاوضات الجلاء بعد أن رفضه الجانب المصري وثبت أن المستر ايفانز التقى أكثر من مرة بالمرشد العام وصالح أبو رفيقة ومنير الدولة. وكانت هذه الاتصالات موضع مناقشة أثناء محاكمة الاخوان، حيث أتضح من اعترافات المتهمين حقائق كثيرة ومنها ان البكباشي الاخواني عبدالمنعم رؤوف قابل أيضاً موظفاً كبيراً في احدى السفارات الأجنبية وأخبره بأنه يتحدث باسم الاخوان ومرشدهم وأنهم سيتولون مقاليد الحكم في مصر بالقوة ويطلبون تأييد السفارة البريطانية للانقلاب الجديد، ثم أضاف أن "الاخوان" على استعداد بعد ان يتولوا مقاليد الحكم للاشتراك في حلف عسكري ضد الشيوعية لان إسلامهم يحثهم على ذلك، وأن هذا الحلف لن يتحقق ما دام جمال عبدالناصر على قيد الحياة لانه سبق وان أدلى بتصريحات نشرت في جميع الصحف العالمية عن رأيه في الأحلاف العسكرية وأهدافها الاستعمارية!! وكان المرشد العام للاخوان المسلمين اقترح على قادة الثورة ان تدخل مصر في حلف عسكري مع الغرب ضد روسيا وربطت الصحف بين توقيت الاعتداء الذي قامت به إسرائيل على الحدود المصرية في رفح وبين محاولة الاخوان لبدء تنفيذ خطتهم!! الاتجاه الثالث: تنشيط الجهاز السري من خلال ضم أكبر عدد من ضباط البوليس والجيش إليه، وقد اتصلوا بعدد من الضباط الأحرار وهم لا يعلمون انهم من تنظيم الضباط الأحرار فسايروهم وساروا معهم في خطتهم.. وكانوا يجتمعون بهم اجتماعات أسبوعية ويأخذون عليهم من هذه الاجتماعات عهداً وقسماً بان يطيعوا ما يصدر إليهم من أوامر المرشد العام وألا ينقضوا بيعتهم للمرشد.. كما جندوا عدداً من ضباط الصف وعندما تجمعت كل هذه المعلومات استدعى عبدالناصر حسن العشماوي وقال له: ( إنني احذركم من أن ما يحدث سيلحق الضرر بالبلاد ) ثم وضع أمامه كل ما تجمع لدى مجلس قيادة الثورة من معلومات ومعطيات فوعد بان يتصل بالمرشد العام ويبحث معه هذا الأمر ولكنه خرج ولم يعد على حد تعبير بيان مجلس قيادة الثورة الذي صدر عقب محاولة اغتيال جمال عبدالناصر في وقت لاحق من عام 1954م بميدان المنشية في الاسكندرية!! وفي اليوم التالي استدعى جمال عبدالناصر فضيلة الشيخ سيد سابق والدكتور خميس حميدة وابلغهما ما لديه من معلومات وما ابلغه لحسن العشماوي في اليوم السابق فوعداه بأن يعملا على وقف هذا النشاط الضار.. ولكن النشاط لم يتوقف بل اتسع!! ومما له دلالة عميقة ان المرشد العام للاخوان المسلمين أدلى بتصريح صحفي يوم 5 يوليو 1953م لوكالة (الأسوشييتد برس) قال فيه: "اعتقد أن العالم الغربي سوف يربح كثيراً إذا وصل الاخوان إلى الحكم في مصر، وأنا على ثقة بأن الغرب سيفهم مبادئنا المعادية للشيوعية والاتحاد السوفيتي وسيقتنع بمزايا الاخوان المسلمين".. وهكذا قدم المرشد العام مزاياه للغرب الاستعماري آنذاك.. ولعل هذا الموقف وغيره من مواقف الاخوان المسلمين هو الذي دفع المستر انثوني ايدن وزير خارجية بريطانيا الى أن يسجل في مذكراته "أن الهضيبي كان حريصاً على إقامة علاقات ممتازة معنا، بعكس الرئيس جمال عبد الناصر". وفي الحالين لا يمكن فصل تصريح المرشد العام لوكالة (الأسوشييتد برس) الأمريكية عن شهادة انثوني ايدن عن الهضيبي في مذكراته ، وبالقدر نفسه لا يمكن فهم الموقفين الاخواني والبريطاني خارج سياق المخططات الاستعمارية التي تواصلت خلال الخمسينات بهدف تطويق المنطقة بحلف عسكري تحت ستار الدين هو "الحلف الإسلامي" الذي رفضه عبد الناصر بقوة!!  كانت المخططات الاستعمارية تتواصل خلال الخمسينات لتطويق المنطقة بحلف عسكري تحت ستار الدين هو "الحلف الإسلامي" الذي رفضه عبد الناصر بقوة!! في هذا السياق شعرت قيادة ثورة 23 يوليو بأهمية إقامة تنظيم سياسي شامل اطلقت عليه اسم "هيئة التحرير" فذهب المرشد العام لمقابلة عبد الناصر محتجاً بقوله: "ما هو الداعي لإنشاء هيئة التحرير ما دامت جماعة الاخوان قائمة"؟! في اليوم التالي لهذه المقابلة أصدر حسن الهضيبي بياناً وزعه على جميع ُشُعَب الاخوان في المحافظات، وقال فيه: "إن كل من ينضم إلى هيئة التحرير يعد مفصولاً من الإخوان". ثم بدأ هجوم الإخوان الضاري على هيئة التحرير وتنظيمها الجماهيري "منظمة الشباب"، وبلغت ضراوة المواجهة بين الاخوان وشباب الثورة إلى حد استخدام الأسلحة والقنابل والعصي وإحراق السيارات في الجامعات يوم 12 يناير 1954م وهو اليوم الذي خصص للاحتفال بذكرى شهداء معركة القناة. توترت العلاقة على إثر هذا الحادث بين الإخوان والثورة وفي هذه الأجواء ذهب أحد أقطاب الاخوان وهو عبدالمنعم خلاف إلى القائم مقام أنور السادات في مقر المؤتمر الإسلامي للتحدث معه بشأن الإخوان، مشيراً إلى أن مكتب الإرشاد قرر بعد مناقشات طويلة إيفاده إلى جمال عبد الناصر فرد عليه أنور السادات قائلاً: "هذه هي المرة الألف التي تلجؤون فيها إلى المناورة بهذه الطريقة فخلال السنتين الماضيتين اجتمع جمال عبد الناصر مع جميع أعضاء مكتب الإرشاد بمن فيهم المرشد العام حسن الهضيبي، ولم تكن هناك أي جدوى من هذه الاجتماعات لانهم كما قال عبد الناصر يتكلمون بوجه، وحينما ينصرفون يتحدثون إلى الناس وإلى أنفسهم بوجه آخر".. ويمضي السادات في مذكراته قائلاً: "كان عندي وفي مكتبي الأستاذ خلاف يسأل عن طريقة للتفاهم.. وفي مساء اليوم نفسه كانت خطتهم الدموية ستوضع موضع التنفيذ أي يوم الثلاثاء.. كان هذا اليوم نفسه هو الذي ضربته موعداً لكي يقابل فيه جمال عبد الناصر الأستاذ خلاف موفد مكتب الإرشاد"!! كان عبد الناصر يلقي خطاباً في ميدان المنشية بالاسكندرية يوم 26 أكتوبر 1954م في احتفال أقيم تكريماً له ولزملائه بمناسبة اتفاقية الجلاء.. وعلى بعد 15 متراً من منصة الخطابة جلس السباك محمود عبد اللطيف عضو الجهاز السري للإخوان، وما أن بدأ عبد الناصر خطابه حتى اطلق السباك الاخواني 8 رصاصات غادرت من مسدسه لم تصب كلها عبد الناصر ، بل اصاب معظمها الوزير السوداني ميرغني حمزة وسكرتير هيئة التحرير بالاسكندرية احمد بدر الذي كان يقف إلى جانب جمال عبد الناصر. وعلى الفور هجم ضابط يرتدي زيا مدنياً اسمه إبراهيم حسن الحالاتي الذي كان يبعد عن المتهم بحوالي أربعة أمتار والقى القبض على السباك محمود عبد اللطيف ومعه مسدسه.. وبدأت بهذه الحادثة مرحلة جديدة وحاسمة من المواجهة بين ثورة 23 يوليو وتنظيم الاخوان المسلمين! وزاد من تعقيد الموقف ان التحقيقات كشفت سفر المرشد العام حسن الهضيبي إلى الاسكندرية قبل يوم واحد من محاولة الاغتيال، ثم ظل مختفياً منذ الحادث لفترة طويلة.. وعندما صدر الحكم ضده وضد المرشد العام بالإعدام قام جمال عبد الناصر بتعميد الحكم على محمود عبد اللطيف وتخفيفه على المرشد العام حسن الهضيبي إلى السجن مع وقف التنفيذ.. وبعد ذلك ظهر الهضيبي إلى السطح من خلال رسالة خطية بعث بها من مخبئه إلى جمال عبد الناصر حاول فيها التبرؤ من الذين خططوا ونفذوا هذه الجريمة.

انضمامه للإخوان

انضم العشماوي إلى جماعة الإخوان المسلمين سنة 1944م. نظراً لملكاته ومواهبه، تقدم إلى الصفوف الأولى في الجماعة متحملاً عبء الدعوة ومسئوليتها، وقد تولى الدفاع عن الإخوان المتهمين في قضايا الجيب والأوكار، وفاز بعضوية مجلس نقابة المحامين، وعمل مع والده بمكتب المحاماة.

حياته

تخصص في القانون الخاص، وتوسع في دراسة الشريعة الإسلامية، ومارس في هذه الفترة أعمال النيابة العامة والقضاء حتى عين وكيلا للنائب العام إلى أن استقال في بدايات 1951 وفضل الاشتغال الحر بمهنة المحاماة.
وفي أكتوبر عام 1951 أحال الإخوان المسلمون عبد الناصر إلى حسن العشماوي ليكون المنسق الرئيسي بين الإخوان والضباط الأحرار في تعاونهم إبان معركة السويس، وليكون حلقة الربط الوحيدة بينهم في تاريخهم المستقبلي .
ولم يكن هذا الدور المحوري هو الدور الوحيد الذي قام به حسن العشماوي في تلك المرحلة، وإنما بما امتلك من شجاعة وإقدام ونظرة مستقبلية، كان موضع ثقة المرشد العام الأستاذ  الهضيبي آنذاك، بل كان أحد الأشخاص المعدودين حول المرشد العام في فترة من فترات هروبه، والشخص الوحيد بجوار المرشد في أحلك لحظات الصراع بين ناصر والإخوان .
في عام 1954 أصدر مجلس قيادة الثورة قرارا  بحل جماعة الإخوان المسلمين، وتم القبض علي المرشد العام وقادة الجماعة وكوادرها وأعضائها، وقدموا للمحاكمة وصدرت ضدهم الأحكام المتفاوتة بدءًا من الإعدام إلي الأشغال الشاقة المؤبدة .
ولكن حسن العشماوي استطاع الهرب طوال ثلاث سنوات حتى استطاع الخروج من مصر بعد أن بدل اسمه كساقط قيد، واستخرج جواز سفر كطباخ، وسافر على متن قارب نقله إلى المملكة العربية السعودية، وهناك أدى فريضة الحج
 وهناك قابل الأستاذ عبد العظيم لقمه الذي سهل له الإقامة إلى حد بعيد، واستطاع أن يحصل على جواز سفر باسمه الأصلي حسن الإمام، ولكن السلطات السعودية رفضت وضع لقب العشماوي في نهاية الاسم، حتى لا يتسبب ذلك في حرج مع الحكومة المصرية.
 ومن هناك سافر إلى سويسرا، وفي هذه الأثناء أراد استقدام أسرته من مصر، ولكن المقربون منه حاولوا إثناؤه عن هذه الخطوة لما فيها من مغامرة وخطورة، ولكنه أصر على ذلك.
ودخل مصر في أكتوبر عام 1958 حاملا روحه فوق كفه بجواز سفر سائق سعودي، وعاد بزوجته وبناته الثلاثة وابنه الصغير، واتجه إلى زيورخ بسويسرا، ثم بعض الأقطار العربية، حتى استقر به المقام في الكويت، حيث عمل بها نائبا لرئيس الفتوى والتشريع ومستشارا قانونيا في وزارة الدفاع الكويتية.
واستطاع خلال هذه الفترة بواسطة الأستاذ كامل الشريف أن يتفق مع الملك حسين على استخراج جوازات سفر أردنية له ولأسرته بالأسماء الأصلية .
ومن عجيب الأقدار أنه في عام 1972 أرادت الحكومة المصرية أن تفتح ملفا جديدا مع الأستاذ حسن العشماوي وأسرته، فزارهم السفير المصري في بيتهم، وعرض على الأستاذ العشماوي استخراج جوازات سفر مصرية له ولأسرته، فاستشار أسرته ثم قدم للسفير ورقة بأسماء أبنائه وزوجته، ولكنها خلت من اسمه هو.
وعبثا حاول السفير إقناعه بالعدول عن رأيه، ولكنه رفض وأصر على موقفه، وغاب السفير المصري أياما، ثم عاد بالجوازات المصرية، وبدلا من أن يقدمها للأستاذ حسن العشماوي قدمها إلى أسرته لأن حسن العشماوي قد فارق الحياة،
وكان قد سطر مذكراته السياسة تحت عنوان جانب من قصة العصر وجعلها من جزءين، الأول: حصاد الأيام أو مذكرات هارب، والثاني: الأيام الحاسمة وحصادها

العشماوي والحكومة الدينية

الحركة الإسلامية لا تدعو -عند حسن العشماوي- إلى إقامة حكومة دينية، ومفكروها لا يمكن أن يفهم حديثهم عن "الحكومة الإسلامية" ولا عن أن الإسلام "دين ودولة" على أنهم يريدون إقامة حكومة دينية، لقد جرَّبت الأرض الحكومة الدينية أكثر من مرة، جرَّبتها على يد كهنة الآلهة المتعددين في أكثر من مكان، فكانت المآسي في الحكم باسم الآلهة. وجرَّبتها على يد أحبار اليهود الذين أباحوا -باسم السماء- قتل زكريا ويحيى، وحكموا بإعدام المسيح، وجرَّبتها على يد الكنسية والملوك والقياصرة أصحاب الحق الإلهي، فرأت محاكم التفتيش وإحراق القديسين والعلماء والمجدِّدين في المذهب، ورأت شهداء المسيحية الأصلية في مصر تقتلهم الواسطة الرومانية التي ادَّعت أنها تحكم باسم السماء، وجرَّبتها أمة المسلمين مع من ظنوا أن الخلافة ظل الله في الأرض، وأن قولها هو قول السماء، فرأت مبكرًا محنة مالك وابن حنبل، ثم رأت حبس أو قتل كل من اجتهد ليواجه أحداث العصر أو سطوة الحكم، ثم رأت اضطهاد كل مجدد -أخطأ أو أصاب- يريد أن يرجع إلى أصل الدين لا شكله وقشوره"… "هذا لا نريده أبدًا، وبُعدًا لولاء الفرد لحكومة تكون واسطة بين السماء والأرض" ذُكر ذلك في كتابه "الفرد العربي ومشكلة الحكم"

العشماوي والحاكمية

وعن فكر "الحاكمية" يقول حسن العشماوي في كتابه الفرد العربي ومشكلة الحكم، ص 135- 136.: "ويقال: بالدين تتحقَّق حاكمية الله في الأرض، فهل دلونا ما المقصود بحاكمية الله في الأرض؟" ويتحدث عن النواميس والسنن الطبيعية، ثم يقول: "هل أراد الله أن تحكم الأرض على شكل معيَّن؟ هل رسم لها صورة للحكم؟ لا، أقولها بكل ثقة، وأتحدى من يقول غير هذا أن يأتيني بدليل". "إن حاكمية الله في الأرض، بمعنى سيادة نواميسه قائمة بحكومة دينية أو غير دينية، وبغير حكومة على الإطلاق. أما حاكمية الله في الأرض على النحو الذي يرفعونه شعارًا للحكم، فلا يعني إلا أحد أمرين: إما حكومة دينية متسلِّطة، قد تعدل إذا صادف العدل طبيعة أفرادها أو هواهم، وقد تظلم إن شاءت، ولا اعتراض عليها، لأنها حكم الله في الأرض. وإما فوضى، كل فئة ترى نفسها قيّمة على حكم الله في الصغيرة والكبيرة، فتسعى إلى تنفيذه، فتتفرق الجماعة، ويقتل بعضنا بعضاً" 
وقد صدرت له بعض المؤلفات منها:
1 ـ مع القرآن، زاد الرحلة الأولى كتاب الله
2 ـ مذكرات هارب
3 ـ قلب آخر من أجل الزعيم (مسرحية عن الدكتاتورية والحرية)
4 ـ الشيخ عليش (سياسية رمزية)
5-  تاريخ الحركة الإسلامية في مصر.

وفاته

توفي الأستاذ حسن العشماوي يوم الأربعاء 2 فبراير 1972م  في الكويت، ودُفن بمقبرة الصليبيخات بالكويت، في جنازة مهيبة من أهالي الكويت والمقيمين على حد سواء. 

شارك