قراءة في الصحف العالمية: الشرق الأوسط على صفيح ساخن في اليوم الـ12 للحرب

الأربعاء 11/مارس/2026 - 11:45 ص
طباعة قراءة في الصحف العالمية: حسام الحداد
 
تستيقظ العواصم العالمية اليوم، 11 مارس 2026، على وقع قرع طبول حرب إقليمية شاملة تجاوزت في يومها الثاني عشر كافة الخطوط الحمراء؛ حيث ترسم كبريات الصحف الأجنبية صورة قاتمة لمشهد جيوسياسي متفجر، يتداخل فيه التصعيد العسكري المباشر بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، مع تداعيات اقتصادية بدأت تضرب عصب الحياة اليومية في الغرب والشرق على حد سواء. ولم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية محصورة داخل الجغرافيا الإيرانية، بل تحول إلى "حرب ممرات" و"استنزاف تكنولوجي" أعاد صياغة الأولويات الأمنية الدولية، وسط ذهول من قدرة الماكينة العسكرية الإيرانية على التكيف السريع، وقلق متصاعد من تحول مياه الخليج إلى ساحة للألغام البحرية التي تهدد بخنق إمدادات الطاقة العالمية.
في المقابل، تبرز ملامح أزمة سياسية عميقة داخل أروقة البيت الأبيض، حيث تتقاطع تقارير "لوموند" و"الجارديان" لتكشف عن حالة من "التخبط الاستراتيجي" الذي يغلف قرارات الإدارة الأمريكية. وبينما يحاول الرئيس ترمب تسويق الانتصارات العسكرية السريعة، تضغط حقائق الميدان وحصيلة الإصابات المتزايدة في صفوف القوات الأمريكية، بجانب الارتفاع الجنوني في أسعار الوقود، لتضع واشنطن أمام معضلة "استراتيجية الخروج" المفقودة. هذا التقرير يستعرض قراءة مفصلة لما حملته الصحافة العالمية من أسرار الميدان، وأوجاع الاقتصاد، ودهاليز السياسة، في لحظة تاريخية فارقة قد تعيد رسم خريطة القوى في الشرق الأوسط والعالم.

الميدان العسكري: صراع "التكيف" وحرب الألغام
تشير تقارير "نيويورك تايمز" الصادرة صباح اليوم (11 مارس 2026) إلى تحول نوعي في سير العمليات العسكرية، حيث نقلت عن مسؤولين أمريكيين إشادتهم "بقدرة مفاجئة" للجيش الإيراني على التكيف مع الضربات الغربية المكثفة؛ إذ بدأت القوات الإيرانية في تغيير تكتيكاتها لتركيز الهجوم على نقاط الضعف في منظومات الدفاع الجوي الأمريكية لحماية أصولها الحيوية. وفي سياق متصل بتبعات هذا الصراع الميداني، كشفت صحيفة "واشنطن بوست" عن بيانات رسمية صادرة عن البنتاجون تؤكد إصابة نحو 140 جنديًا أمريكيًا منذ بدء العمليات، ثمانية منهم في حالة حرجة، فيما يكتنف الغموض مصير القيادة الإيرانية الجديدة، حيث ذكرت كل من "نيويورك تايمز" وصحيفة "تايمز أوف إنديا" أن القائد الأعلى الجديد (مجتبى خامنئي) قد أُصيب بالفعل في المراحل الأولى للحرب، وهو ما يثير تساؤلات استراتيجية حول هيكل القيادة والسيطرة في طهران وسط استمرار القصف.
على جبهة الممرات المائية الحيوية، رصدت صحيفتا "نيويورك تايمز" و "الجارديان" البريطانية تصاعداً خطيراً في "حرب الألغام" بالقرب من مضيق هرمز، حيث نفذت القوات الأمريكية ضربات دقيقة استهدفت سفنًا وقوارب إيرانية كانت بصدد زرع ألغام بحرية لتعطيل حركة ناقلات النفط. وبحسب تحليل "تايمز أوف إنديا"، فإن هذه الألغام "الرخيصة والمميتة" باتت تمثل التهديد الأكبر لسلاسل التوريد العالمية، مما دفع واشنطن لاتخاذ إجراءات هجومية استباقية شملت تدمير سفينة حربية إيرانية. وبينما وثقت "نيويورك تايمز" عبر الأقمار الصناعية أضراراً لحقت بـ 17 موقعاً أمريكياً، أشارت "الجارديان" إلى أن واشنطن لجأت لإعادة نشر سريع لصواريخها من كوريا الجنوبية إلى المنطقة لتأمين هذه الممرات، في خطوة تعكس حجم القلق من خروج السيطرة على أهم ممر مائي في العالم عن قبضة الحلفاء.

 التداعيات الإقليمية: اتساع رقعة الاستهداف
تؤكد التقارير الميدانية المنشورة في "تايمز أوف إنديا" و"واشنطن بوست" أن الحرب لم تعد حبيسة الجغرافيا الإيرانية، بل تحولت إلى صراع إقليمي عابر للحدود؛ حيث تعرضت منشأة دبلوماسية أمريكية في العاصمة العراقية بغداد لهجوم بطائرة مسيرة انتحارية نُسب لميليشيات موالية لطهران. وفي تصعيد لافت، رصدت صحيفة "تايمز أوف إنديا" وصول النيران إلى عمق الخليج العربي، حيث أصابت مسيرتان إيرانيتان منطقة حيوية بالقرب من مطار دبي الدولي، مما أسفر عن إصابة أربعة مدنيين بينهم مواطن هندي، وتسبب في حالة من الشلل الجزئي للملاحة الجوية في واحد من أكثر مطارات العالم ازدحاماً. ووفقاً لصحيفة "لوموند" الفرنسية، تحاول القيادة الإماراتية التقليل من حدة هذه الهجمات للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، رغم استمرارها في تعزيز ترسانتها الدفاعية وسط "ضباب الحرب" الذي خيم على المنطقة.
على الجبهة الغربية للصراع، تسببت الغارات الجوية المكثفة في كارثة إنسانية متفاقمة، حيث وثقت "نيويورك تايمز" نزوح ما يقرب من 700 ألف شخص في لبنان نتيجة الضربات الإسرائيلية المرتبطة بالحرب الشاملة، وسط طموحات إسرائيلية وصفتها "لوموند" بأنها "ذات حدين" لربط العمليات في لبنان بتقويض النفوذ الإيراني. وفي سياق متصل، أشارت "واشنطن بوست" إلى أن هذا الانفجار الإقليمي أدى إلى تبخر كافة مؤشرات التعافي الهشة في قطاع غزة؛ إذ أصبحت الجهود الإنسانية والاستقرار المحدود ضحية لتبادل الرشقات الصاروخية التي بلغت، وفقاً للجيش الإسرائيلي في تقرير لـ "تايمز أوف إنديا"، نحو 300 صاروخ إيراني استهدفت الأراضي الإسرائيلية والضفة الغربية منذ بدء الحرب، مما يجعل أفق الحل السلمي في المنطقة أبعد من أي وقت مضى.

 الاقتصاد العالمي: "صدمة النفط والسلع"
تهيمن "صدمة النفط" على افتتاحيات الصحف العالمية، حيث حذرت "واشنطن بوست" من أن الارتفاع الجنوني والمستمر في أسعار الديزل والوقود لليوم الحادي عشر على التوالي بدأ يلقي بظلال ثقيلة على الداخل الأمريكي، مهدداً بشلل تام لقطاعات حيوية مثل النقل البري والزراعة نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل للشاحنات والمعدات الزراعية. وفي ملمح أكثر خطورة، أشارت صحيفة "تايمز أوف إنديا" إلى أن التهديد الحقيقي في هذا الصراع قد يتجاوز النفط ليصل إلى "الأمن المائي"، مع تزايد المخاطر التي تحيق بمحطات تحلية المياه في المنطقة نتيجة الرشقات الصاروخية والمسيرة، وهو ما قد يحول الأزمة من ضائقة اقتصادية إلى كارثة وجودية لسكان المنطقة والمقيمين فيها، في وقت ترفع فيه شركات الطيران العالمية أسعار تذاكرها لمواجهة تكاليف الوقود المتصاعدة وفق ما رصدته الصحيفة ذاتها.
في محاولة لتجاوز "الاختناق" الذي يفرضه الصراع في مضيق هرمز، تناولت تقارير "تايمز أوف إنديا" و"نيويورك تايمز" الجدوى المحدودة لأنابيب النفط البديلة عبر السعودية والإمارات، مؤكدة أنها رغم أهميتها الاستراتيجية، تظل "غير كافية" لتعويض التدفقات الضخمة التي كانت تعبر المضيق قبل الحرب. هذا الضغط دفع دولاً كبرى مثل الهند إلى إعادة هيكلة وارداتها بشكل طارئ، حيث كشفت "تايمز أوف إنديا" عن شراء نيودلهي لـ 30 مليون برميل من الخام الروسي بعد الحصول على إعفاء أمريكي استثنائي لتفادي انهيار الأسواق المحلية. وبالتوازي مع ذلك، لفتت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن الحرب لا تعطل الطاقة فحسب، بل تمتد لتضرب سلاسل توريد السلع الأساسية والمواد الخام، مما يفاقم من فاتورة المعيشة العالمية ويضع الاقتصاد الدولي في مواجهة أزمة تضخمية مركبة قد لا تنجو منها حتى الاقتصادات الكبرى.

المشهد السياسي: "تخبط" في البيت الأبيض
تشن الصحافة الفرنسية، وفي مقدمتها صحيفة "لوموند"، هجوماً حاداً على ضبابية الرؤية السياسية في البيت الأبيض، واصفة موقف الإدارة الأمريكية بـ "المتخبط" في مواجهة تعقيدات الصراع الإيراني. ووفقاً لتحليل الصحيفة، يعاني الرئيس ترمب في رسم "استراتيجية خروج" واضحة (Exit Strategy)، حيث يطلق وعوداً وصفتها بالمتناقضة حول إنهاء الحرب "قريباً جداً" في حين يصف الصراع بأنه "كامل وشامل"، وهو ما يعكس فجوة عميقة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني. وتضيف "نيويورك تايمز" في سياق متصل أن هذا التخبط يمتد إلى سوء تقدير فريق ترمب لرد فعل طهران وتأثيره الكارثي على أسواق الطاقة العالمية، وهو ما وضع الإدارة في مأزق البحث عن انتصار سريع لا يبدو متاحاً في الأفق القريب.
على المقلب الآخر، تتبنى الصحافة البريطانية لهجة أكثر قسوة، حيث وصفت صحيفة "الجارديان" في افتتاحيتها الحرب بأنها "رحلة أنا" (Ego Trip) للرئيس ترمب، اصطدمت بصخور الواقع الاقتصادي المرير الذي بدأ ينهش في الداخل الأمريكي. وتوجه الصحيفة اتهامات مباشرة لفريق ترمب بمعاملة الصراع العسكري الدامي كأنه "عرض إعلامي" أو برنامج تلفزيوني، متجاهلين التكاليف البشرية والاستراتيجية طويلة الأمد. كما تشير "لوموند" و"الجارديان" إلى أن هذا النهج "غير الجاد" في إدارة الحرب عزز من موقف قوى دولية أخرى مثل روسيا، في حين يجد الرئيس الأمريكي نفسه عاجزاً عن التراجع عن الأضرار الاقتصادية الجسيمة التي لحقت بسلاسل التوريد، مما يضع مصداقية واشنطن أمام حلفائها الآسيويين والأوروبيين على المحك.

شارك