إرهاب الجماعات المسلحة من منظور التحليل النفسي

الخميس 11/يونيو/2020 - 12:33 ص
طباعة إرهاب الجماعات المسلحة حسام الحداد
 
هناك ثلاثة أشكال أو نماذج للإرهاب، وجميعها تسعى إلى إحداث تغيير بالقوة، من خلال إجبار الشّعوب والحكومات على التّغيير، وهي: الإرهاب العرقي، والإرهاب الأيديولوجي، وإرهاب الدولة، وأعمال العنف ضد المدنيين أو العسكريين التّابعين للقوة المحتلة، أو المكتسبين نفوذاً شديداً على السلطة المحلية، وهي أعمال توصف بأنها إرهابية. فالحركات الإسلامية الحاضرة اليوم على الساحة العربية والدولية، والتي تمارس الإرهاب تحت مسمى الدين، ليست مجرد عودة محضة إلى الدين كما يقال أو كما تقدم نفسها، بل هي وكما تتبدى، تركيبة أيديولوجية غير متجانسة. مقولة “الوهم” الفرويدية التي هي ليست الخطأ، وليست مقابلاً للحقيقة، وليست الحقيقة وليست عكسها، تهدف إلى المستحيل. تهدف إلى المستحيل بمعنيين: من حيث إن الجَزَع البشري يستحيل تجنبه بما أنه يعود إلى نقص أساسي، لا يمكن أن يتم إشباعه. ومن حيث إن الرّد الدّيني، رد بالمستحيل على المستحيل، بما أنه يعد بسدّ النّقص ويجعل الإله إشباعاً له.
هذا ما جاء في مشاركة المحللة النفسية السورية مرسلينا شعبان حسن ضمن كتاب المسبار “علم نفس الإرهاب: الأفراد والجماعات الإرهابية”، حيث يتناول الكتاب العديد من القضايا المهمة التي تسمح لنا بفهم ظاهرة الإرهاب بأدوات التحليل النفسي، لا سيما في المنطقة العربية. شارك في الكتاب باحثون متخصصون سعوا إلى تقديم تحليلات نفسية في دراسة الظاهرة الإرهابية بكل تشعباتها وتعقيداتها. حاولت الدراسات تغطية “سيكولوجيا الإرهاب” عبر درس مجموعة من المحاور الرئيسة: “سيكولوجية الجماعة الإرهابية ودوافع الأفراد للانضمام إليها”؛ “سيكولوجية الإرهاب: نظرية الإحباط – العدوانية والغضب النرجسي”؛ “الانتحاريون و”الذئاب المتوحدة” أَهُم شخصيات سيكوباتية؟”؛ “العوامل النفسية والاجتماعية المعززة للتطرف لدى الشباب”؛ “السمات الشخصية التقريبية للإرهابي”؛ “إرهاب الجماعات المسلحة من منظور التحليل النفسي”؛ “عقل الإرهابي: مراجعة المناهج السيكولوجية ونقدها”؛ و”الإدارة النفسية لمحاربة الإرهاب: تدابير التحليل التبادلي”.
وتضيف مرسلينا شعبان أن تصور “فرويد” الدين بالوهم، يمكننا أن نفهمه من باب الخروج من دائرة التّقابل بين الحقيقة والتّخيل. وتتمثل فرضية “فرويد” في أن القدرة على الإيهام هي أحد المصادر التي تستمد منها الأديان نجاعتها، وهو يرى أن الوهم غير الخطأ، فالوهم غير خاطئ كالهذيان، والوهم بالضرورة ليس متعارضاً مع الواقع، ولا حتى غير قابل للتحقيق، كما أنه ليس تدليساً وزيفاً، الوهم قوة، قوة مرتبطة بشوق قديم يطمح إلى الإشباع، زاهداً في كل تصديق يمكن أن يأتيه من الواقع. الوهم الديني يتكون حول واقع معين، هو واقع الجزع البشري الطفولي، وإنه تبعاً لذلك أقرب إلى الحقيقة التاريخية لهذا الجزع من العقلنة الثانوية التي تنكره. حقيقة الشريعة التي تريد تأكيد صحتها كما في الماضي هي إخفاء المستحيل، هذا المستحيل هو التحدي الذي يواجه به العالم الحديث منظومة التقليد. بإعادة بناء سور الوهم الديني، هذا السور الذي بداخله الثقوب والشروخ بفعل محنة العالم التاريخي والعلمي المعاصر. يعد الإرهاب أحد أخطر أشكال التّهديد لأمن المجتمع واستقراره. ويعتبر العفيف الأخضر (1934-2013) أن النرجسية الدينية هي أحد الأوبئة التي ابتلي بها العربي، والعربي المسلم. ويندرج الإرهاب في منطق النرجسية الدينية، و”عبادة الأسلاف” معاً، وكل انحراف عن عبادة الأسلاف يبني مظهراً من مظاهر الحداثة يعتبر مصدر جميع الشرور، وبما أن حداثة الكافر اليوم في مكان، وتتسلل من الأبواب والنوافذ إلى “دار الإسلام”، فقد تحول وجوب مخالفة الكفار إلى عقدة اضطهاد: (اليهود والصليبيون) يحاصرون دار الإسلام من الخارج، وعملاؤهم من العلمانيين يعتبرون فيها فساداً من الداخل، والرد هو الإرهاب، هذه الثقافة الخائفة المخيفة يغذيها الإسلام الظلامي والجهادي. من هذه القناعة الساذجة تخرج النرجسية الدينية، أي التعصب والإرهاب، وتخرج العنصرية، في حين أن القيم السياسية والاجتماعية التي جاء بها القرآن، هي للزمان والمكان ذاته الذي جاءت فيه. يكون المحيط المجتمعي والثقافة السائدة فيه، والتي تتم تبعاً لها التربية المجتمعية، هما مصدر وضع الحواجز أو قواعد السلوك التي تعوق الفرد عن تلبية بعض رغباته. وقد تصبح الذات بفضل تمثلها لقواعد السلوك المجتمعية، هي التي تقبل بوجود العوائق وتخضع لمقتضياتها، بل وتؤمن بها في الظاهر وتدافع عنها. لكن التحليل النفسي الذي تناول موضوع الإحباط، يرى أن الرغبات يتم كبتها في هذه الحالة. والكبت لا يعني -من وجهة نظر التحليل النفسي- الإقصاء التام للرغبات التي كانت موضوع حرمان أو عدم تلبية. فالرغبات المكبوتة تبقى دينامية وتكون خلف كثير من أنماط السلوك وردود الفعل. كما تتنوع ردود الفعل التي تترتب على الإحباط، غير أن ما نسجله منها في انسجام مع موضوع بحثنا، هو أن الكثير منها يكون عبارة عن أفعال عنف. قد يتجه رد الفعل العنيف في حالة حرمان الطفل من حيازة موضوع ما إلى ذلك الموضوع نفسه، غير أن ردود الفعل هذه تتطور مع النمو، وقد تصبح ناتجة عن تخطيط ومتجهة إلى من يظن الشخص المحبط بأنهم أعاقوا تلبيته لرغبته، وحرمانه من تلبية حاجة حيوية أو مرغوب فيها لديه.

شارك