المفكر المغربي د خالد التوزاني في حوار خاص ...صراع السلفية والاسلام السياسي مع التصوف

الثلاثاء 13/أبريل/2021 - 09:12 م
طباعة المفكر المغربي د روبير الفارس
 
خالد التوزاني، أكاديمي مغربي، كاتب وناقد، ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي (مساق)، حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب والنقد، سنة 2013، من جامعة سيدي محمد بن عبد الله، بالعاصمة العلمية والروحية للمملكة المغربية مدينة فاس، وبحكم نشاته في هذه المدينة، تلقي  تكويناً أكاديمياً متنوعاً، ؛ فشهادة الباكالوريا نلها في تخصص العلوم التجريبية، ثم الإجازة في علم النفس، وماجستير في الأدب الصوفي، وتكوين في علوم التربية مدته سنتان، وقد صدر له مجموعة من المؤلفات، منها: كتاب أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية، وكتاب جماليات العجيب في الكتابات الصوفية، وكتاب الرحلة وفتنة العجيب، وهو الكتاب الذي حاز جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي بأبو ظبي عام 2017، ثم كتاب التصوف الإسلامي؛ نحو رؤية وسطية، وكتاب التسامح بين الأديان من منظور الدبلوماسية الروحية، وهو الكتاب الذي حاز جائزة المختار الكنتي للثقافة العالِمة، كما نال جائزة أحمد مفدي للدراسات النقدية عام 2016، عن دراسة نقدية بعنوان: "صوفية المكان في شعر الدكتور أحمد مفدي" وهي جائزة نظمتها حلقة الفكر المغربي بفاس، كما نال جائزة الاستحقاق العلمي من مؤسسة ناجي نعمان العالمية للأدب بلبنان، عن دراسة علمية بعنوان: "ظاهرة العجيب في الأدب العربي"، وشارك بالكتابة  في عدد من المجلات العربية منها : الوعي الإسلامي والعربي والتفاهم والرافد والكويت والفنون الشعبية وآفاق الثقافة والتراث والإمارات الثقافية والمدوّنة والرقيم وروافد وغيرها  كما شارك في تأليف أكثر من أربعين كتاباً في مجالات النقد وأدب الرحلة والرواية والتصوف والجماليات، كما شاركتُ في عدة ندوات علمية داخل المغرب وخارجه،ومن المناصب التى يحتلها سفير النوايا الحسنة لدى الاتحاد العالمي لسفراء النوايا الحسنة، في ألمانيا. ورئيس شرفي للرابطة المحمدية للطرق الصوفية بالمملكة المغربية وخارجها. ومدير البيت الثقافي العربي في الهند لدى فاس/ المملكة المغربية. وعضو هيئة تحرير صحيفة آل مكتوم الإماراتية الثقافية. عضو الرابطة العربية للآداب والثقافة في بغداد، وعضو لجنة التحكيم الدائمة برابطة أدباء القصة الومضة، جمهورية مصر العربية. وعضو عدد من المجلات العلمية في الجامعات الجزائرية، إلى غير ذلك من المسؤوليات الثقافية .وفي هذا الحوار نقترب اكثر من الدكتور خالد لنتعرف عن قرب حول رؤيته عن الصوفية 
- كيف يمكن تعريف التصوف وهل يمكن مقاربته بشكل علمي ؟ 
    عندما نبحث في التصوف، فإننا نجد تضاربا كبيرا في الأقوال والرؤى حول معانيه و أصوله، حيث تختلف زوايا النظر إلى التصوف، تبعاً للتكوين العلمي الذي تلقاه الباحث، وطبيعة منهجه في الحكم على الظاهرة الصوفية، لكن المقاربة العلمية للتصوف، يمكن أن تركز على المشترك بين هذه الرؤى المختلفة حول موضوع وجداني يرتبط بالذوق والتجربة، ولا يتأسس على الحس والبرهان، مما يزيده صعوبةً في الدراسة وانفلاتاً من كل محاولة للتقنين، وتظل التجربة عاملاً حاسماً في دراسة التصوف وإعطاء تعريف جامع مانع له، لأنه مجال مرتبط بأحاسيس داخلية لكل شخص، ويصعب تعميمها على الجميع، فالذوق بما هو إحساس روحي وباطني، لا يمكن التعبير عنه باللغة المألوفة، فيكون الرمز والإشارة والمجاز والاستعارة سبيلاً للبوح والتعبير، ولذلك أعتقد أن في دراسة الأدب الصوفي الكثير من مفاتيح الفهم، ويمكن أن تفيد في الكشف عن كثير من خصائص التصوف.
      وبخصوص مقاربة التصوف بشكل علمي، فمن المُلاحَظ في كل مقاربات التصوف، أن هناك نوعا من التداخل بين الدين والتصوف في الثقافة العربية الإسلامية جعل معنى التصوف غير منفصل عن التدين، نظرا لارتباطه بنمط من التعبّد قائم على تصفية البواطن بتطهير القلب، والتصوف بذلك يعبّر عن تواصل العبد مع خالقه تواصلا خاصا قائما على تجربة في السلوك الديني تتميز بخصائص السّر والكتمان والغموض، وقد ترتبط بها ظواهر نفسية وتصرفات أخلاقية، ويمكن أن تنتج عنها مواقف فكرية وإبداعات أدبية وفنية تجعل هذه التجربة وثيقة الصلة بقضايا الإنسان في أبعادها الوجودية والمصيرية.
     ويبدو جلياً أنَّ التصوف قد استلهم روح التدين من مقام الإحسان ليعبّر عن رؤية معينة للوجود والكون والأشياء، وعبرت هذه الظاهرة عن نفسها من خلال قيمه وتعاليمه ، وإذا كانت مفاهيم التصوف متغيّرة تبعا للتجارب الإنسانية في التعبد وفي رؤية الكون والحياة والوجود، فهي غير ثابتة، وتخضع لقانون التطور والتحوّل، ولعل ذلك ما يفسر استمرارها، وصمودها أمام تحديات الزمن، غير أن تطورها، لا يعني نوعا من الإضافة "الجديدة" إلى تعاليم الدين، لأن الدين مؤسَّسٌ على الوحي الإلهي ويعتبر توقيفيا ثابتا في أصوله، وإنما يطال التطور مسار تأويل النصوص وتدبرها وسياق تنزيلها في الواقع، حيث يتعلق الأمر بتقديم "فهوم" جديدة في الدين ، لها صلة بالبيئة المحلية للمتصوف وخصوصيات العصر الذي يعيش فيه، ولذلك نجد أحيانا بعض الاختلاف في دلالة المصطلحات الصوفية، من صوفي لآخر، ومن بيئة معينة لأخرى، تصل إلى درجة الكلام عن التصوف منسوبا إلى دين معين مثل: التصوف الإسلامي، أو التصوف المسيحي أو التصوف اليهودي، كما يمكن أن يُنسب التصوف إلى بلاد ما، مثل: "التصوف الفارسي"، أو "التصوف الأندلسي" أو "التصوف الأنجلوساكسوني"، علما أن هذه التسميات لا يجوز إطلاقها من الناحية العلمية، وأن الأقرب إلى الصواب، في تقديري، يقتضي القول: "التصوف في بلاد فارس" و"التصوف في الأندلس" أو "التصوف في الغرب الإسلامي"  والتصوف في البلاد الأوربية والأمريكية" وغير ذلك، كما نجد التصوف أيضا منسوبا لحقل معرفي معين أو مجال ثقافي وتداولي مثل "التصوف الفلسفي" و"التصوف السني" و"التصوف الطرقي" وغير ذلك، وهذا الأمر يدل على وجود "ثابت" يُشكّل "روح التصوف"، يتعايش مع "مظهر متغير" هو البيئة التي يتنفس هواءها، سواء كانت البيئة بالمعنى الجغرافي أو حتى الفكري، فالمفاهيم الصوفية تتغير تبعا لتنوع تجارب أصحابها في الزمان والمكان، وهذا يعني ضرورة تجديد رؤيتنا للأشياء من حولنا، وبناء تصور ينسجم مع قضايا عصرنا، وما نعيشه من تحديات، فاليوم العالم يعاني من معضلات، وينبغي للمعرفة الصوفية أن تدلي بدلوها في حل المشكلات، وإلا فإن التصوف سيكون تراثاً غير منتج، أو رصيداً رمزياً يُتبرّك به، ولا أثر له في الواقع الحالي. 

- لماذا هناك صراع دائما بين السلفية والتصوف ؟ وهل هناك منطقة وسطى يمكن أن تجمعهما معا ؟
   السلفية تيار ديني حديث نسبياً، إذ لم يكن له وجود في العصور السابقة، لأن المجتمع كان يرى الدين متجسّداً في تعاليم الشريعة السمحة، وكل خروج عن أحكام الشريعة يصبح مروقاً من الدين، وانحرافاً واضحاً، يستنكره الجميع، فقد كان الفقه أي العلم بأحكام الشريعة علماً شائعاً بين الناس، وضرورة في فهم الدين، واعتُبِر الفقه عماد التدين، فالله يُعبَدُ بالعلم ولا يُعبد بالجهل، وعالمٌ عاملٌ أشدّ على الشيطان من ألف عابد.
      واعتُبر التصوف مجال الأخلاق والرقائق والأذواق والأشواق، فكان بذلك روح التدين، أي أثر العبادات في سلوك الناس ومعاملاتهم، ولم تقع الخصومة بين التصوف والفقه إلا مع ظهور الانحرافات والبدع في التصوف، أي الانغماس في العبادات دون ملاحظة الأثر في المعاملات، وأيضاً ميل الناس إلى التزام الأحكام والتفريض في قيم الإحسان والفضل والتسامح، أي الفقه ولا شيء آخر، فحدث الانفصال بين الفقه والتصوف، مما جعل المتدين أعرجاً في تدينه، فقه بلا أخلاق، وتصوف بلا فقه، فقال بعض العلماء: "مَن تفقَّه ولم يتصوف فقد تفسّق، ومَن تَصوّفَ ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق"، حيث المطلوب هو الجمع بين الفقه والتصوف. 
    ثم في عصرنا الحالي ظهر التيار السلفي، بوصفه اتجاهاً دينياً يحمل بذور نزعة سياسية، يروم تقديم فهم للدين على أصول السلف والعودة إلى منابع الدين، وذلك بسبب ما لوحظ من فتور في التدين وابتعاد عن روح الشريعة وأحكامها، لكن وقعت السلفية في تحديات كبيرة، وعلى رأسها صعوبة تنزيل كثير من الأحكام في واقع معقد، تتجاذبه العديد من التيارات الأخرى، لتتحول السلفية من دعوة للنهضة، إلى نداء سياسي، فدخلت في المواجهة مع السلطة السياسية، لينتهي الأمر بفشل توجّهها، أو انحساره، أو تعديله، ومن الملاحظ في بدايات السلفية هو صراعها مع العديد من الأنماط الفكرية والسلوكية التي وُجِدت في الواقع العربي، تاريخياً وحاضراً، وعلى رأسها التصوف.
   لقد مثّلَ الصراع بين السلفية والتصوف صراعاً بين رؤية دينية ترى في النصوص التأسيسية كالقرآن والسنة المرجع الأسمى، وبين رؤية صوفية ترى في الإلهام مصدراً للمعرفة والفهم، ويبدو أنه صراع وهمي، لا أساس له من الناحية العلمية، إذ السلفية بمفهومها الذي جاءت به، ما هي إلا محاولة لتجديد فقه أو إحياء ما اندرس منه، وتوجيهه نحو الواقع ليحكم ويسود، ولذلك اعتبره الكثيرون تياراً سياسياً، أما التصوف فلم يكن إلا تربية وتزكية للنفس، ولكن بعض شيوخ الصوفية عندما استكثروا من المريدين وصارت لهم سلطة روحية واسعة، دفع البعض إلى اتهامهم بالعمل السياسي، على غرار اتهام السلفية بالتوجه السياسي أيضاً، فكانت المعركة بين السلفية والتصوف، غير قائمة على أي أسس علمية ومعرفية، لأنها معاً يمثلان عملة واحدة؛ فالسلفية إذا كانت دعوة للعودة إلى منابع الإيمان على فهم سلف الأمة في غابر الأزمان، فإن التصوف أيضاً دعوة للعودة إلى منابع الإيمان، يقدّم نفسه بوصفه مكوناً من مكونات الدين، متمثّلا في مقام الإحسان، ولذلك لا صراع بين السلفية والتصوف، وإنَّ محاولات البعض إدخالهما عنوة في الصراع أو إظهارهما في مواجهة، ما هو إلا تسييسٌ للدين، ومحاولة لاختطاف طرف ورهن الطرف الآخر، توظيف واحدٍ لضرب الثاني، وفي فقدان أحد الطرفين، ضياع للتوازن الإنساني، فالإنسان جسم وروح، وإذا كان الفقه يضبط تصرفات الجسد، فإن التصوف يربي الروح ويقوّم اعوجاج القلب،.
    وفي سياق البحث عن منطقة وسطى بين السلفية والصوفية، نستحضر ما قاله محتسب الصوفية الفقيه الشيخ أحمد زروق الفاسي: إن الصوفي "لا يفارق السّلف في معتقده، ولا يفارق الفقهاء في معتمده، لأن العقائد رأس ماله، والأحكام أساس أعماله، فالمخاطرة بهما ضرر، والعمل بغير المذهبين المذكورين فيهما غرر"، ولقد كان المتصوفة على وعي بأن سمة التجاوز والابتعاد عن السائد وخرق المألوف، إذا تعدَّت قواعد معينة، يمكن أن تؤدي إلى ارتكاب المحظور ودخول منطقة الخطر حيث تُنتهك فيها الشريعة والقوانين والأعراف. ولا ينبغي أن يُفهم من هذه القواعد الضابطة، أن هناك تقييدا لحرية الإبداع، وإنما يتعلق الأمر باحترامِ "ثابتٍ" مقدس، هو الوحي الإلهي المنزّه عن كل نقص أو تحريف، والذي هو أصل السلوك الصوفي، وأصل السلفية التي تقر بأن لا اجتهاد مع النص، خاصة في جانبي العقيدة والأحكام الشرعية، أما إذا تعلق الأمر بالفروع والجزئيات، وبالإبداع الأدبي أو الخلق الفني، فالكلام الصوفي فيه ما فيه من الغرابة و"اللامعقول"، ما لم يبلغه خطاب آخر في الثقافة العربية الإسلامية، فالحدود هنا لا توجد، والقول مباح ومتاح ومشاع، ولعل ذلك، ما أدى إلى بعض المشاكل في التأويل وحمل الكلام على معاني ظاهرية، أثارت ما أثارته من تُهَمٍ بالكفر والزندقة، بلغت حد الصلب والحرق، على سبيل المثال؛ قُطع رأس الحلاج، وصبت على جذعه الزيت، وأحرق بالنار، وألقي برماده من أعلى المئذنة ، ولذلك، كان التأكيد على ضرورة مسايرة الصوفية في تصوفهم نموذج السلف الصالح في الزهد والروع، والابتعاد عن الكلام في الحقائق، حتى لا تقع المواجهة والصراع بين ظاهر النصوص وتأويل الذوق بتأثير الشوق.
- كيف ترى أثر حركات الاسلام السياسي في الهجوم المستمر على التصوف ؟ 
    لقد أكّدنا في الإجابة عن السؤال السابق، أنه لا صراع بين السلفية بمفهومها الصحيح، أي منابع الإيمان بفهم السلف الصالح، وبين الصوفية بوصفها مقام الإحسان، حيث منازل التزكية والتربية، لتغدو النفس مؤهلة لتلقي المعرفة بالله، مصداقاً لما ورد في القرآن، في قوله تعالى: "واتقوا الله ويعلّمكم الله"، لأنَّ المشكل العويص الذي حدث؛ كان في تسييس الموضوع، وليس في نقله من المعرفة إلى التنزيل، فقد ادعى كل تيار عدم جاهزية السياق لتنزيل هذه المعرفة، والحل في تغيير الواقع، تغييراً بالقوة، دون مراعاة روح الدين، الذي يقرّ بالاختلاف والتنوع والتعدد، دون أي إكراه للآخرين من أجل تبني وجهة نظر محدّدة، ولذلك دخل كل تيار في منطقة التطرف، عندما زعم امتلاك الحقيقة المطلقة، أو التعالي على الآخرين، وأحياناً عامل الآخر معاملة سيئة، بتبخيس دوره، أو التقليل من قيمته، بل بلغ الأمر إلى قتله والتنكيل به، فكان الإسراف في التطرف لتظهر على السّطح ظواهر الكراهية والعنصرية والتعصب..
     وبما أن كل تيار سعى إلى محاولة امتلاك سلطة التحكم في الواقع، وخلق سياق بديل، ولو عبر العنف بكل أنماطه الرمزية والمادية، ضمن دائرة العمل الديني، الذي يملك رؤية سياسية، ويسعى بكل الوسائل المشروعة والمحظورة لبلوغ الحكم، فقد كانت هناك معارك مع كل الأطراف المنافسة، ولذلك لا غرابة أن نجد حركات الإسلام السياسي تُحارب التصوف أو تهاجمه، فهي لا تتوجّه في حربها إلى التصوف وحده، ولكن تُخاطب كل مَنْ يُخالف رؤيتها، من التيارات الأخرى بما فيها الدينية، وهنا غاب الحوار العقلاني، وساد منطق الأنانية والابتزاز والتهديد والتكفير.. عوض النقد والتفكير، ولا حاجة لاستدعاء أمثلة من خطاب الردود بين الطرفين معاً، سلفية يحاربون الصوفية، وصوفية يحاربون السلفية، والقاسم المشترك بينهما هو المشروع السياسي لكل طرف، ولذلك فقد دعوتُ في كتابي الذي ألّفته عن التصوف، والذي أصدرته عام 2017 إلى تصحيح المفاهيم، فختمت الكتاب بهذه العبارة: " ينبغي أن يظل التصوف فوق كل تمذهب أو تحزب أو تقوقع داخل طريقة معينة، وأن يبقى شأنا إنسانيا نبيلا، لا يحتكره أحد ولا تستولي عليه جهة معينة ". 
تشهد المجتمعات العربية حاليا اهتماماً كبيراً على مستوى الشباب بالأدب والفكر الصوفي، فماهي أسباب ونتائج هذا الاهتمام ؟
    لقد ملّ الشباب من التيارات التي تبالغ في تقديس المادة والنظر إلى العلم المادي بوصفه البلسم الشافي أو المدخل الذي يحل كل المشاكل.. حيث أثبتت الجائحة للعالم، أثناء أزمة كورونا، أنَّ الأمن الروحي والصحة بشكل عام؛ جسدية أو نفسية، هي أسمى الغايات، ففي لحظة معينة توقّف العالم كله عن الحركة، فراراً من الوباء، ولم يكن وباءً يُرى بالعين المجردة، ولم يستطع العلم المادي كشف اللغز لعدة شهور، فرأينا عودة المجتمعات العلمانية، والتي لم يكن لها أي اهتمام بالتدين، إلى المجال الروحاني بالعودة إلى الصلاة والدعاء، الشيء الذي يؤكد أن التوازن الروحي والنفسي والإنساني.. في أبعاده العميقة، يحتاج إلى أشياء فوق العلم المادي، إلى قوة أكبر، تتمثل في العودة إلى منابع الإيمان، أي التوجه إلى خالق الكون، وهو ما يعكس ذلك العطش الروحي لدى العديد من المجتمعات البشرية اليوم، سواء المجتمعات المتقدمة مادياً أو غيرها من المجتمعات السائرة في طريق النمو، والمجتمع العربي بحكم نظامه القيمي المحافظ، واعتماده منظومة أخلاقية دينية، فهو أكثر المجتمعات قدرة على الاستغراق في الأدب الصوفي والفكر الديني في أبعاده الروحية والإنسانية، ولذلك لا غرابة أن نجد إقبالا واسعاً من لدن الشباب العربي على قراءة الأدب الصوفي، بل واقتحام التجربة الصوفية، فيكفي أن نلقي نظرة على حلقات الذكر في المؤسسات الصوفية والتجمعات الدينية الكبرى، لنرى عدد الشباب الذي يهيمن على الحضور، وهذا يعني أن الشباب العربي على وعي روحي، ويملك مؤهلات معرفية تمكّنه من الانخراط في سلك التصوف دون أي حساسية أو تردّد.
    إنَّ من نتائج انخراط الشباب في التجربة الصوفية هو تحقيق استقرار نفسي، وإشباع الحاجة الروحية من خلال الصحبة والذكر والورد والاجتماع على الخير، وأيضاً تكامل المعارف والخبرات، بسبب لقاء الشباب مع باقي الأجيال، فالتجربة الصوفية منفتحة على كل الأعمار، وتعدّ بذلك مدرسة في صناعة الرجال، بما توفرّه من ممكنات التكامل والتثاقف والتعاون والتضامن، وغير ذلك من القيم التربوية التي تخدم تكوين الشخصية.
ينادي بعض المهتمين بالفكر الديني بأن التصوف بديل قوي لمواجهة حركات الاسلام السياسي فكيف تري ذلك وما مدي واقعيته ؟
   بالفعل شاعت في السنوات الأخيرة، مقولة مفادها أن التصوف وسيلة لمواجهة حركات الإسلام السياسي، وأنَّ التصوف يمكن أن يكون بديلاً لكثير من التيارات المتطرفة أو غير المرغوب فيها من لدن أنظمة سياسية محلية و عالمية، ولا شك أن هذه المقولة، تعدّ توصية من توصيات التقارير الدولية التي تصدرها بعض مراكز البحث العالمية، والتي تدرس الحركات الإسلامية وقضايا التطرف والإرهاب والأمن الاستراتيجي، وتبحث عن سبل القضاء على تلك الحركات والقضايا، أو توجيهها وجهة تخدم المصالح المادية للدول الكبرى، ولذلك فإن هذه المقولة لم يفرضها السياق العربي، وإنما وفدت الفكرة من خارج الجغرافية العربية، وتم الترويج لها، لخلق الصراع الفكري داخل المجتمع العربي.
    إن مجال التصوف معروف، حيث يهتم بتربية النفوس وتزكية القلوب وإصلاح السلوك الفردي، وأيضاً مجال الحركات السياسية معروف بأهدافه في بلوغ السلطة ونيل المكاسب والمناصب، ويستخدم كافة الوسائل لبلوغ غايته، ولذلك لا يمكن إلغاء طرف، والإبقاء على الآخر، فلكل واحد منهما مجاله ورواده وغاياته، وكل حرب بينهما أو مواجهة، فإنما هي مصنعة لم تخرج من الميدان، بقدر ما دبّرت بليل.
ماهي الصلات بين التصوف والفلسفة في رايك ؟
    بين التصوف والفلسفة صلاتٌ كثيرة مشتركة؛ فإذا كان القلب سلطان التصوف والعقل سلطان الفلسفة.. فإن كمال الإنسان يقتضي قلباً عاقلاً، مصداقاً للآية الكريمة: " أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا، فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ"، وبين لغة الإشارة ومنطق العبارة يتموقع التصوف، التوازن الصّعب، وقطعة الجبن التي تحرّكت في اتجاه مجهول.
     وبالعودة إلى التراث العربي، نجد حضوراً مكثفاً للفلسفة الإسلامية، وعلم الأخلاق، فالعديد من المصنفات اختارت البحث في إصلاح العلاقات، سواء علاقة الفرد بنفسه، أو بغيره، وبصلاته مع البيئة والمحيط وباقي العوالم الأخرى، وقد كان الإبداع في التأملات الصوفية نوعاَ من التفلسف أو ممارسة للفلسفة في أبعادها الدينية والذوقية والوجدانية الأصيلة.
هل حركات الإسلام السياسي إلى زوال فعلا في رأيك ؟
     بعد الربيع العربي وصلت بعض حركات الإسلام السياسي إلى سدة الحكم، وخاضت في ما كان يخوض فيه أهل الدنيا، من الجري وراء المناصب والمكاسب، وشاب الممارسة السياسية مثل ما كان يشوبها في عهود سابقة، من خيانة للأمانة بعدم الوفاء بالوعود والتنكّر للعهود.. وغير ذلك مما أصاب الحركات الإسلامية التي بلغت السلطة، فكانت تلك بداية التصدّع الذي شتت وحدة هذه الحركات ، وبالنظر إلى مساحة هذه الحركات، فإن القول بزوالها غير وارد في الظرف الراهن،

شارك