"ملفات المستقبل " تبحث مراحل علاقة رؤساء امريكا مع طالبان

الإثنين 13/سبتمبر/2021 - 02:53 م
طباعة ملفات المستقبل  تبحث روبير الفارس
 
أصدر مركز "المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة"، عدداً جديداً من  مجلة "ملفات المستقبل"، بعنوان: "صدمة كابول.. ارتدادات صعود حركة طالبان". ويتضمن هذا الملف مجموعة من التحليلات والتقديرات وحلقات النقاش المنشورة على الموقع الإلكتروني لمركز المستقبل، حيث يلقي من خلالها الضوء على تطورات المشهد الأفغاني بعد سقوط البلاد في قبضة حركة طالبان، مع محاولة فهم ممارسات هذه الحركة وكيفية تعاملها مع الوضع الحالي والتحديات التي تواجهها في إدارة الدولة الأفغانية على المستويات كافة، بالإضافة إلى توضيح الموقف الأمريكي من الأزمة الأفغانية وصعود طالبان، والارتدادات المختلفة لذلك على دول الجوار الأفغاني ومنطقة الشرق الأوسط ينطلق الملف من  حالة "الصدمة"  التى اصابت العالم مع إعلان حركة طالبان يوم 15 أغسطس 2021 سيطرتها سريعاً، وفي غضون أيام قليلة، على أفغانستان وعودتها مرة أخرى إلى حكم البلاد بعد نحو 20 عاماً. وقد أثارت هذه الخطوة المفاجئة وغير المتوقعة في توقيتها، العديد من التساؤلات حول أسباب سرعة سقوط العاصمة كابول في أيدي مقاتلي طالبان بعد انهيار القوات المسلحة الأفغانية، مستغلين في ذلك الانسحاب الأمريكي من هذا البلد، فضلاً عن وجود مخاوف من تداعيات عودة طالبان للحكم على تفاقم أزمة اللاجئين والنازحين من أفغانستان وتحديداً إلى دول الجوار، ناهيك عن احتمالية تحول أفغانستان إلى ملاذ آمن للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة.
ومن جانبها، حاولت حركة طالبان إرسال رسائل إيجابية للمجتمع الدولي من أجل كسب الشرعية الدولية والاعتراف بحكوماتها الانتقالية التي أعلنت عن تشكيلها يوم 7 سبتمبر الجاري، فضلاً عن الحصول على الدعم الدولي والإقليمي لعمليات إعادة الإعمار التي تحتاجها أفغانستان خلال الفترة القادمة.
وتعرضت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لانتقادات حادة تتعلق باتهامها بسوء تقدير الأوضاع في أفغانستان، وفشل أجهزة الاستخبارات الأمريكية في توقع سقوط كابول سريعاً، فضلاً عن إتاحتها الفرصة لعودة سيطرة طالبان على هذا البلد مرة أخرى، وذلك بالرغم من المبالغ الطائلة التي أنفقتها الولايات المتحدة هناك على مدار 20 عاماً. ومن المقالات المهمة التى تضمنها الملف مقال بعنوان هل تعترف واشنطن بحكومة طالبان المقبلة؟ كتبه الباحث حسام إبراهيم  وجاء فيه مع خروج آخر جندي أمريكي من أفغانستان يوم 30 أغسطس 2021 بعد 20 عاماً من التدخل العسكري، وتحول تركيز واشنطن من الحرب الأطول في تاريخها إلى مهمة دبلوماسية جديدة في هذا البلد الذي استنزف الكثير من الموارد الأمريكية؛ ثمة سؤال رئيسي يطرح نفسه عن مستقبل العلاقة بين واشنطن وطالبان، وهو هل ستعترف إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن بحكومة طالبان المقبلة؟
وعلى الرغم من أنه من المبكر الإجابة على هذا السؤال، لكن عدة عوامل ومتغيرات سوف تحكم تقييم دوائر صُنع القرار في واشنطن لمدى أهمية هذا الاعتراف من عدمه، وسيكون أمام إدارة بايدن بديلان؛ الأول عدم الاعتراف بطالبان وهو البديل المحتمل على الأقل في المدى القريب، والثاني الاعتراف بها بما يترتب عليه من التزامات قانونية.
تطور العلاقة:
مرت العلاقة بين واشنطن وحركة طالبان بثلاث مراحل رئيسية؛ شملت التمهيد لظهور طالبان، ثم مرحلة العداء والحرب، وصولاً إلى مرحلة الاضطرار إلى التنسيق والتعاون مع الحركة، وذلك على النحو التالي:
1- مرحلة "التمهيد لظهور طالبان": تذهب بعض التقديرات إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية لعبت دوراً غير مباشر في التمهيد لظهور حركة طالبان، في إطار الدور الذي قامت به في تسليح المجاهدين الأفغان في ثمانينيات القرن الماضي في إطار الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي في ظل إدارتي كارتر وريجان، وذلك من خلال برنامج "عملية سايكلون الإعصار" Operation Cyclone الذي أدارته وأشرفت عليه وكالة الاستخبارات المركزية لتدريب وتمويل المجاهدين الأفغان في الفترة من عام 1979 إلى عام 1989، وكان من بينهم الملا محمد عمر الذي أسس طالبان بعد ذلك في عام 1994. وتشير التقديرات أيضاً إلى أن الولايات المتحدة لعبت دوراً غير مباشر في صعود طالبان خلال السنوات من 1994 إلى 1996، بعدها وصلت الحركة إلى السلطة في أفغانستان، وخاضت تجربتها الأولى للحكم في الفترة من أواخر عام 1996 إلى أكتوبر 2001.
2- مرحلة "العداء والحرب": أدى إيواء طالبان لأسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، على الأراضي الأفغانية ورفض تسليمه إلى الولايات المتحدة، ثم وقوع أحداث هجمات 11 سبتمبر 2001، إلى انتقال العلاقة بين واشنطن وطالبان من الدعم غير المباشر إلى "علاقة عداء وحرب عسكرية" امتدت لنحو 20 عاماً، بدأتها الولايات المتحدة بعملياتها العسكرية ضد الحركة، والتي مرت بمرحلتين رئيسيتين؛ الأول عملية "الحرية الدائمة" Operation Enduring Freedom في الفترة من عام 2001 إلى عام 2014، والثانية عملية "حارس الحرية" Operation Freedom’s Sentinel التي استمرت في الفترة من عام 2015 إلى أغسطس 2021 مع انسحاب آخر جندي أمريكي من أفغانستان.
وخلال عمليتي "الحرية الدائمة" "وحارس الحرية" التي امتدت لنحو 20 عاماً، ركزت الولايات المتحدة على تحقيق 3 مهام رئيسية؛ وهي إسقاط طالبان في السنتين الأوليين للحرب، ثم هزيمتها وبناء مؤسسات الدولة الأفغانية في الفترة من 2002 إلى 2008، ثم مكافحة محاولة طالبان إعادة انتشارها وبناء قواتها فيما عُرف باستراتيجية "مكافحة التمرد" Counterinsurgency Operations في الفترة من عام 2008 إلى عام 2014، وصولاً إلى التركيز على عمليات مكافحة الإرهاب Counterterrorism Operations وتقديم الدعم للقوات الأفغانية. لكن تطورات الأحداث الأخيرة وسقوط أفغانستان في يد طالبان والانسحاب الأمريكي، أثبتت فشل كل تلك الأهداف.
3- مرحلة "الاضطرار إلى التنسيق والتعاون": يمكن الإشارة إلى أبرز التطورات المرتبطة بالتنسيق والتعاون بين واشنطن وطالبان في الجوانب التالية:
أ- إدارة أوباما: بدأ التعاون بين الجانبين مبكراً عام 2009 حينما سعت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، إلى إدخال عناصر طالبان ضمن برنامج "إعادة الدمج" Afghan Reintegration Program الذي كانت تنفذه الإدارة ويهدف إلى إعادة دمج المقاتلين من الحركات المسلحة الأفغانية ضمن قوات الجيش الأفغاني، وتقديم دعم مالي للذين يقررون القبول بإعادة التأهيل ودخول القوات الأفغانية، لكن فشلت محاولات الإدارة الأمريكية في هذا الصدد.
وأعقبتها مفاوضات سرية بين ممثلي طالبان وبعض المسؤولين الأمريكيين في أواخر عام 2010، وكان هدفها فصل طالبان عن القاعدة، وبناء الثقة، ومناقشة قضايا تبادل الأسرى، وافتتاح مكتب سياسي للحركة في الدوحة. ولكن مفاوضات الطرفين فشلت حينها؛ لعدة أسباب أبرزها معارضة الرئيس الأفغاني آنذاك، حامد كرازي. وأدت الوساطة القطرية والباكستانية إلى اتفاق الطرفين في يونيو 2013 على السماح بطالبان بفتح مكتب لها في الدوحة، الذي أُغلق بعدها بفترة بسيطة بسبب عدم التزام الحركة ببنود الاتفاق، حيث إن المكتب رُفع عليه علم طالبان وكأنه سفارة تمثيل، لكنه عاد بعدها للعمل مرة أخرى.
ب- إدارة ترامب: وصل التنسيق بين واشنطن وطالبان ذروته في فترة إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب، حيث بدأت مفاوضات بين الطرفين في أواخر عام 2018، وانتهت بتوقيع الجانبين اتفاق فبراير 2020، والذي نص على عدد من البنود؛ أبرزها أن تلتزم الولايات المتحدة وقوات التحالف الدولي بسحب جميع الأفراد المدنيين غير الدبلوماسيين والمتعاقدين الأمنيين الخاصين والمدربين والمستشارين وموظفي خدمات الدعم من أفغانستان، في غضون 14 شهراً بعد إعلان هذا الاتفاق؛ أي بنهاية مايو 2021، بما في ذلك الانسحاب من 5 قواعد عسكرية التي كان تسيطر عليها القوات الأمريكية والتحالف، والبدء في خطة لإطلاق سراح السجناء السياسيين والمقاتلين كتدبير لبناء الثقة، ومراجعة العقوبات الأمريكية ضد طالبان. وجاء ذلك في مقابل أن تتخذ حركة طالبان خطوات لمنع أي جماعة إرهابية من استخدام الأراضي الأفغانية لتهديد أمن الولايات المتحدة وحلفائها، بما في ذلك منع تدريب وتجنيد وتمويل هذه التنظيمات في أفغانستان.
ج- إدارة بايدن: بعد دخول الرئيس جو بايدن البيت الأبيض في يناير 2021، وجد نفسه مضطراً إلى التعامل مع الاتفاقية التي وقعتها ترامب مع طالبان، خاصة في ظل إعلان بايدن استكمال الانسحاب العسكري بشكل نهائي من أفغانستان بحلول نهاية أغسطس من هذا العام، والذي كان أحد الأسباب الرئيسية في تسريع طالبان من وتيرة عملياتها العسكرية للسيطرة على العاصمة كابول.
ومع سقوط العاصمة الأفغانية، فرضت عمليات إتمام عمليات إخلاء الأمريكيين والمتعاونين معهم، وتأمين مطار كابول، ضرورة التنسيق والتعاون الأمني والاستخباراتي مع عناصر طالبان. وتم هذا التنسيق بين مسؤولي السفارة والقوات الأمريكية في أفغانستان وعناصر الحركة، وصولاً إلى أعلى مستوى خلال الزيارة السرية غير المُعلنة لوليام بيرنز، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، إلى أفغانستان يوم 23 أغسطس الماضي، ولقائه القيادي في طالبان، عبدالغني برادر. ولاحقاً تم نقل التنسيق والتعاون بين واشنطن وطالبان إلى الدوحة

شارك