من شابيلي الوسطى إلى أبواب مقديشو: كيف تغيّر حركة الشباب ميزان القوة؟

الخميس 01/يناير/2026 - 08:34 م
طباعة من شابيلي الوسطى علي رجب
 
تشهد الساحة الأمنية في الصومال تطورا بالغ الخطورة، عقب إعلان حركة الشباب تحقيق ما وصفته بـ«مكاسب إقليمية جديدة» في إقليم شابيلي الوسطى، في خطوة تنذر بعودة التهديد المباشر للعاصمة مقديشو بعد فترة من التراجع النسبي لنفوذ الجماعة.

فقد زعمت الحركة أنها سيطرت على قريتي ماكسا سيسيد وكادان ليكسي، في مؤشر على تقدم ميداني متجدد يعيد إلى الأذهان سيناريوهات الحصار والاختراق الأمني التي عانت منها العاصمة خلال سنوات سابقة.

إعلان السيطرة ورسائل ميدانية
نشرت حركة الشباب عبر منصاتها الإعلامية صورا قالت إنها تظهر مقاتليها وهم يعودون إلى مناطق كانت الحكومة الصومالية قد أعلنت «تطهيرها» خلال الهجوم الواسع الذي شنته عام 2022 بدعم من ميليشيات محلية وقوات دولية.

وتحمل هذه الصور، بغض النظر عن دقتها الكاملة، رسالة سياسية وأمنية واضحة مفادها أن الحركة لا تزال قادرة على إعادة تنظيم صفوفها، واستعادة مواقع خسرتها سابقا، واستغلال الثغرات الأمنية واللوجستية لدى القوات الحكومية.

ويرى مراقبون أن إعلان السيطرة لا يهدف فقط إلى تثبيت واقع ميداني، بل يسعى أيضا إلى كسر الرواية الحكومية التي تحدثت خلال العامين الماضيين عن «هزيمة استراتيجية» لحركة الشباب في وسط البلاد.

شابيلي الوسطى: عقدة الطرق نحو العاصمة
تكتسب منطقة شابيلي الوسطى أهمية استراتيجية استثنائية، إذ تعد بوابة رئيسية للطرق المؤدية إلى مقديشو، كما تشكل شريانا لوجستيا يربط العاصمة بالمناطق الوسطى والشمالية.

وأي اختراق أمني في هذه المنطقة يعني عمليا تهديد خطوط الإمداد، وفتح المجال أمام فرض حصار غير مباشر على العاصمة، سواء عبر الكمائن أو الهجمات على الطرق السريعة.

وبحسب أحدث الادعاءات، فإن مقاتلي حركة الشباب لا يكتفون بالسيطرة على القرى، بل يعملون على تشديد الضغط على المحاور الحيوية، ما يرفع منسوب القلق لدى السكان والجهات الأمنية على حد سواء.

مخاوف من انهيار المكاسب الأمنية
حذر محللون أمنيون من أن هذه التطورات قد تعكس فشلا متزايدا في استراتيجية الحكومة الصومالية لمكافحة الإرهاب، لا سيما في مرحلة ما بعد العمليات الكبرى التي نفذت بين عامي 2022 و2023.

فقد اعتمدت الحكومة آنذاك على مزيج من العمليات العسكرية والدعم الشعبي المحلي، إلا أن هذا الزخم تراجع تدريجيا، في ظل مشكلات تتعلق بضعف الإمكانيات، والخلافات السياسية، وتباطؤ الدعم الخارجي.

ويرى الخبراء أن عودة المناطق «المحررة» إلى أيدي المسلحين تعد مؤشرا خطيرا على هشاشة السيطرة الحكومية، وعلى أن الانتصارات المعلنة لم تترجم إلى استقرار دائم أو إدارة أمنية فعالة على الأرض.

مقديشو تحت الضغط من جديد
رغم عدم صدور تأكيدات مستقلة حتى الآن بشأن حجم التقدم الفعلي، فإن مجرد اقتراب حركة الشباب من محيط العاصمة يعد تطورا مقلقا.

فمقديشو، التي شهدت خلال السنوات الماضية تحسنا نسبيا في الوضع الأمني مقارنة بالفترات السابقة، لا تزال هدفا مركزيا للجماعة، سواء عبر الهجمات الانتحارية أو الاغتيالات أو التمدد البري التدريجي.

وتخشى الأوساط الأمنية من أن تكون العاصمة على أعتاب مرحلة ضغط متعددة الأبعاد ضغط عسكري عبر محاور الطرق،وضغط نفسي عبر الدعاية الإعلامية المكثفة، ضغط اقتصادي نتيجة تعطل حركة التجارة والنقل.

استراتيجية حركة الشباب
تظهر تحركات الحركة الأخيرة نمطا مألوفا في استراتيجيتها الانسحاب التكتيكي عند تصاعد الضغط العسكري، ثم العودة التدريجية لاستنزاف الخصم والسيطرة على مناطق أقل تحصينا.

ويعتقد محللون أن حركة الشباب تستفيد حاليا من تشتت الأولويات الحكومية، ومن انشغال المجتمع الدولي بأزمات إقليمية أخرى، ما يقلل من مستوى الدعم السياسي والعسكري الموجه لمقديشو.

كما أن الجماعة تحاول توظيف هذه المكاسب الميدانية في رفع معنويات عناصرها واستقطاب مجندين جدد، عبر الإيحاء بأنها الطرف الأكثر ثباتا وقدرة على الصمود.

موقف الحكومة الصومالية
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر الحكومة الصومالية بيانا تفصيليا يؤكد أو ينفي بشكل قاطع ادعاءات حركة الشباب. إلا أن مصادر أمنية غير رسمية أشارت إلى أن العمليات لا تزال جارية، وأن السيطرة على القرى «متغيرة» وليست مستقرة بالكامل.

غير أن غياب خطاب رسمي واضح وسريع يعزز المخاوف من فجوة تواصل بين السلطات والرأي العام، ويمنح حركة الشباب مساحة أوسع لفرض روايتها الإعلامية.

سيناريوهات المرحلة المقبلة
يرى خبراء أن المرحلة القادمة قد تشهد أحد سيناريوهين رئيسيين، تصعيد حكومي مضاد: حيث عبر عمليات عسكرية سريعة لإعادة السيطرة على المناطق المعلنة، ومنع أي اقتراب فعلي من مقديشو.

زتوسع تدريجي للمسلحين، في حال استمرار التراخي أو ضعف التنسيق، ما قد يعيد العاصمة إلى دائرة الخطر المباشر خلال الأشهر المقبلة.

وفي كلا السيناريوهين، يبقى العامل الحاسم هو القدرة على تثبيت السيطرة وليس مجرد استعادتها مؤقتا.

شارك