الإسلام الحركي والدولة وأوضاع المرأة.. تفكيك العلاقة بين الأيديولوجيا والواقع

الجمعة 02/يناير/2026 - 11:22 م
طباعة الإسلام الحركي والدولة حسام الحداد
 
صدر حديثاً عن مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" كتاباً جامعاً تحت عنوان "الإسلام الحركي والدولة وأوضاع المرأة في سوريا والعالم العربي"، من إعداد وتحرير الدكتور حسام الدين درويش. الكتاب ليس مجرد تنظير أكاديمي، بل هو حصيلة ندوات وحوارات فكرية معمقة شارك فيها نخبة من الباحثين والمفكرين العرب، لتقديم قراءة نقدية لتقاطعات الدين والسياسة والمجتمع في ظل التحولات العاصفة التي شهدتها المنطقة، وخاصة الحالة السورية.

سوريا الحاضر والمستقبل: بين الآمال والآلام
يفتتح الفصل الأول بمقاربة تشريحية للواقع السوري المعقد، حيث يرصد الباحثون الفجوة العميقة بين التطلعات الديمقراطية التي بدأت في 2011 وبين المآلات المأساوية التي فرضتها الحرب والتدخلات الدولية، مما حول "الأمل" إلى سلسلة من "الآلام" المستمرة.
يناقش المشاركون مفهوم الدولة في الوعي السوري المعاصر، وكيف تسببت سنوات النزاع في تآكل مفهوم المواطنة لصالح الهويات الفرعية (الطائفية والإثنية)، وهو ما يشكل أكبر عائق أمام استعادة الدولة السورية لوحدتها وتوازنها في المستقبل.
يتم تسليط الضوء على "اقتصاد الحرب" وتأثيره في تحطيم البنى الاجتماعية، حيث يرى الكتاب أن الحل في سوريا لا يمكن أن يكون عسكرياً أو سياسياً فوقياً فقط، بل يتطلب إعادة بناء "المجتمعي" قبل "السياسي" لضمان استدامة أي استقرار قادم.
يتناول الفصل دور القوى الفكرية في مرحلة "ما بعد النزاع"، مشدداً على ضرورة صياغة خطاب وطني جديد يتجاوز لغة الثأر والإقصاء، ويؤسس لعدالة انتقالية حقيقية تعيد للمتضررين حقوقهم وتفتح باب المصالحة الوطنية الشاملة.
يُفرد الفصل مساحة للنقد الذاتي للنخب السورية، موضحاً كيف عجزت هذه النخب عن تقديم بديل مؤسساتي مقنع يملأ الفراغ، مما أتاح المجال للقوى المتطرفة (الإسلام الحركي) للسيطرة على المشهد الميداني والسياسي في فترات معينة.

يخلص الفصل إلى أن مستقبل سوريا مرهون بالقدرة على إقامة نظام "عادل" يحيد الهوية الدينية عن الاستخدام السياسي، معتبراً أن "العلمانية التعددية" قد تكون المخرج الوحيد للحفاظ على التنوع الثقافي والديني الفريد للبلاد.

الإسلام السياسي وأوضاع المرأة (الجزء الأول)
يركز هذا الفصل على الجوانب النظرية في رؤية حركات الإسلام السياسي للمرأة، موضحاً أن هذه الحركات تعاملت مع "المرأة" كرمز للهوية الثقافية في مواجهة الغرب، أكثر من تعاملها معها ككائن إنساني له حقوق أصيلة ومستقلة.
يحلل الكتاب الأدبيات الحركية التي تحصر دور المرأة في "الوظيفة البيولوجية" والتربوية داخل الأسرة، وكيف أن هذا المنظور الضيق يتم تغليفه بصبغة دينية لإضفاء الشرعية عليه ومنع أي حراك تحرري حقيقي داخل هذه الأوساط.
يناقش الفصل إشكالية "المشاركة السياسية الصورية" للنساء في الحركات الإسلامية، حيث تُستخدم المرأة في الانتخابات والمسيرات كأداة تعبئة، بينما تظل مراكز صنع القرار القيادية حكراً على الرجال وفق رؤية بطريركية (أبوية) متجذرة.
يبحث الباحثون في تأثير "الفقه الحركي" على تشريعات الأحوال الشخصية، وكيف تسعى هذه القوى لفرض قوانين تمييزية تتعلق بالميراث والولاية والطلاق، مستندة إلى تأويلات انتقائية للنصوص الدينية لا تراعي تطورات العصر.
يسلط الضوء على صراع الهويات الذي تعيشه المرأة العربية، بين رغبتها في التحديث وبين الضغوط الاجتماعية التي تمارسها التيارات الإسلامية التي تعتبر خروج المرأة عن النمط التقليدي "تغريباً" أو "خروجاً عن الملة".
ينتهي الفصل بالتأكيد على أن أي إصلاح حقيقي لوضع المرأة يبدأ من "تفكيك البنية الفكرية" للإسلام الحركي، وكشف التناقضات بين شعارات "العدل والمساواة" التي يرفعها وبين الواقع الإقصائي الذي يمارسه ضد النساء.

الإسلام السياسي وأوضاع المرأة (الجزء الثاني)
ينتقل هذا الفصل من التنظير إلى الرصد الميداني، مستعرضاً حالات دراسية من سوريا ودول عربية أخرى، حيث يحلل كيف تدهورت أوضاع المرأة في المناطق التي سيطرت عليها فصائل إسلاموية متشددة خلال سنوات الربيع العربي.
يرصد الفصل ظواهر مؤلمة مثل "الزواج القسري"، فرض "النقاب" بالإكراه، ومنع التعليم، موضحاً أن هذه الممارسات لم تكن مجرد أخطاء فردية بل هي نتاج طبيعي لمنظومة فكرية ترى في السيطرة على جسد المرأة وحركتها معياراً لـ "تطبيق الشريعة".
يناقش الفصل "المقاومة النسوية" الصامتة والعلنية، حيث برزت نساء سوريات وعربيات واجهن التشدد الإسلاموي بشجاعة، محاولات خلق مساحات مدنية للعمل الإنساني والحقوقي بعيداً عن هيمنة الفكر الحركي المتزمت.
يبحث في أثر اللجوء والنزوح على المرأة، وكيف استغلت بعض التيارات الإسلامية حالة الفقر والعوز لفرض أنماط سلوكية معينة على اللاجئات مقابل المساعدات، وهو ما يسمى "الاستغلال الأيديولوجي للحاجة الإنسانية".
يتناول الفصل بالتفصيل الفجوة بين "إسلاميين المهجر" (الذين يطرحون خطاباً مرناً) و"إسلاميي الداخل" (الذين يمارسون القمع)، معتبراً أن هذا الازدواج في الخطاب يهدف لتضليل المجتمع الدولي وتجميل صورة الإسلام الحركي.
يختتم الفصل بدعوة لتشكيل جبهة حقوقية نسوية عربية عابرة للحدود، ترفض المقايضة بين "الأمن" و"الحقوق"، وتؤكد أن حرية المرأة هي الضمانة الوحيدة لمنع عودة الاستبداد الديني أو السياسي بأشكال جديدة.

الإسلام الحركي والدولة: الممكنات والآفاق
يطرح هذا الفصل السؤال الجوهري حول مدى إمكانية التعايش بين "الدولة الوطنية الحديثة" وفكر "الإسلام الحركي"، معتبراً أن الأخير يحمل في طياته بذور تقويض الدولة لصالح "الجماعة" أو "الأمة" بمفهومها الهلامي.
يحلل الباحثون فشل تجارب الإسلام السياسي في الحكم (تونس، مصر، وسوريا كمثال ميداني)، مرجعين السبب إلى غياب برنامج اقتصادي واجتماعي واقعي، والتركيز فقط على "أسلمة المجتمع" وتغيير هويته الثقافية بالقوة أو بالدعوة.
يتناول الفصل إشكالية "الولاء والبراء" في الفكر الحركي، وكيف تحول دون قبول الآخر (الديني أو السياسي) كشريك كامل في الوطن، مما يجعل من فكرة "المواطنة المتساوية" مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي لا حقيقة واقعية.
يناقش الفصل مفهوم "الدولة المدنية بمرجعية إسلامية" التي يطرحها البعض، مفككاً التناقضات الكامنة في هذا المصطلح، حيث يرى الكتاب أن المرجعية يجب أن تكون "للدستور والقانون" وليس لتفسيرات بشرية متغيرة للنصوص الدينية.
يستعرض السيناريوهات المستقبلية للحالة السورية، محذراً من أن بقاء الإسلام الحركي كقوة مسلحة أو سياسية غير ديمقراطية سيؤدي حتماً إلى دورات عنف جديدة ويمنع بناء دولة المؤسسات والقانون.
يؤكد الفصل أن الحل يكمن في "الفرز السياسي"، أي تحول الحركات الإسلامية إلى أحزاب سياسية مدنية بالكامل تخلع عنها قدسية الدين، وتخضع للمساءلة والانتخاب على أساس برامجها الدنيوية لا وعودها الأخروية.

بين التجربتين الفكرية والذاتية: قراءة نسوية
يختتم الكتاب بلمسة إنسانية وعلمية رفيعة، حيث يجمع بين "النقد الأكاديمي" و"الشهادة الذاتية"، مقدماً رؤية نسوية شاملة لا تكتفي بوصف الواقع بل تسعى لتغييره من خلال نقد الأطر المعرفية التي أنتجت التهميش.
يناقش الفصل كيف أن "التاريخ الرسمي" الذي كتبه الرجال غيّب دور المرأة في الحراكات السياسية والاجتماعية، ويسعى الكتاب هنا لاستعادة هذا الدور وتوثيق نضالات المرأة العربية ضد كل أشكال الاستبداد.
يركز الفصل على أهمية "الإصلاح الديني من الداخل"، حيث تُطرح رؤى لنسويات إسلاميات وباحثات يقدمن قراءات متنورة للنص الديني تتوافق مع قيم المساواة، رداً على القراءات الحركية المتطرفة.
يتناول الفصل قضية "الوعي" كأداة للتحرر، موضحاً أن تعليم المرأة وتثقيفها هو السلاح الأمضى في مواجهة محاولات التدجين التي تمارسها التيارات المحافظة باسم "الدين" و"العادات والتقاليد".
يبحث في العلاقة الجدلية بين "الخاص والعام"، وكيف أن تحرر المرأة في الفضاء العام (السياسة والعمل) يظل ناقصاً ما لم يواكبه تحرر في الفضاء الخاص (الأسرة)، وهو ما يتطلب ثورة ثقافية وقانونية شاملة.
يخلص الفصل والكتاب ككل إلى أن "قضية المرأة" هي الاختبار الحقيقي لأي مشروع ديمقراطي في العالم العربي، وأن الدولة التي لا تحمي نساءها من تغول الفكر الحركي والذكوري هي دولة فاشلة في جوهرها.

شارك