"فزاعة الإرهاب" في صراع النفوذ: هل أصبحت سجون "داعش" آخر أوراق "قسد"؟

الأحد 18/يناير/2026 - 02:25 ص
طباعة فزاعة الإرهاب في حسام الحداد
 
أطلقت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا "صافرة إنذار" دولية، محذرة من مغبة انهيار المنظومة الأمنية في مراكز احتجاز عناصر تنظيم "داعش" بمدينة الرقة، جراء التصعيد العسكري والزحف الذي يقوده الجيش السوري والقوى المتحالفة معه. وفي بيان رسمي صدر يوم السبت، وصفت الإدارة الوضع بـ "الخطر المحدق"، مؤكدة أن أي زعزعة لأمن السجون قد تؤدي إلى فرار جماعي للعناصر الإرهابية وإعادة تنشيط خلاياهم، ما سيخلق تداعيات "كارثية" تتجاوز الحدود السورية لتطال الأمن العالمي. كما طالبت الإدارة التحالف الدولي بالتدخل الفوري للجم ما وصفته بـ "خروقات" الفصائل التابعة للحكومة الانتقالية، مشددة على أن حماية هذه المراكز هي "مسؤولية دولية جماعية".
يأتي بيان الإدارة الذاتية في توقيت ميداني حرج، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة نقدية تتجاوز البعد الإنساني أو الأمني المباشر للتحذير:

توظيف "البعبع الداعشي" سياسياً:
 تعتمد الإدارة الذاتية (قسد) في فلسفة بقائها على تقديم نفسها كشريك أمني "لا غنى عنه" في المنظومة الدولية لمكافحة الإرهاب، وهي تدرك تماماً أن شرعيتها في نظر العواصم الغربية مستمدة من دورها كـ "حارس" لآلاف القنابل الموقوتة القابعة في سجونها. ومع تضييق الجيش السوري للخناق الميداني وسيطرته على نقاط مفصلية كالطبقة والمنصورة، تلجأ "قسد" بذكاء سياسي إلى تفعيل "ورقة داعش" لإعادة تذكير المجتمع الدولي بأن أي مساس بوجودها العسكري أو الجغرافي يعني تلقائياً انهيار خط الدفاع الأول ضد التنظيم. إنها محاولة لتحويل ملف السجون من عبء لوجستي إلى "درع سياسي" يمنع القوى الإقليمية والدولية من رفع الغطاء عنها، عبر التأكيد على أن بديل وجودها هو الفوضى الأمنية التي قد تسمح للتنظيم بإعادة ترتيب صفوفه.
خلف لغة التحذير من "فرار السجناء"، تبث "قسد" رسالة مشفرة وشديدة اللهجة إلى الغرب والتحالف الدولي، مفادها أن استقرار العواصم الأوروبية والأمريكية مرتبط عضوياً باستقرار الجبهات في ريف الرقة. ومن الناحية النقدية، يظهر هذا التوظيف كنوع من "الابتزاز السياسي المشروع" في لغة المصالح؛ حيث تسعى "قسد" إلى تصوير تقدم الجيش السوري ليس كاستعادة لأراضي الدولة، بل كـ "فعل تخريبي" يخدم الإرهاب بشكل مباشر. هذا الخطاب يهدف إلى دفع القوى الدولية للتدخل الفوري لممارسة ضغوط على دمشق أو موسكو لوقف الزحف العسكري، تحت وطأة التهديد بـ "تسونامي إرهابي" جديد قد ينطلق من ثغرات السجون حال سقوط المنطقة عسكرياً أو انسحاب الحراس من مواقعهم للالتحاق بجبهات القتال.

إحراج التحالف الدولي:
 يمثل البيان ضغطاً سياسياً مباشراً يهدف إلى وضع الولايات المتحدة والتحالف الدولي في "زاوية حرجة" أمام الرأي العام العالمي ومؤسساتهم الأمنية. ففي الوقت الذي تتبنى فيه إدارة ترامب الجديدة توجهاً يميل إلى "البراغماتية" وتقليص الإنفاق العسكري عبر إعادة تموضع القوات أو الانسحاب التدريجي، تأتي تحذيرات "قسد" لتضع هذا التوجه في مواجهة صريحة مع ملف مكافحة الإرهاب. إنها محاولة لإثبات أن أي "تخلٍّ" أمريكي عن دعم "قسد" ميدانياً في هذه اللحظة لن يُفهم كخروج عسكري فحسب، بل كإعلان فشل لسنوات من الاستثمار البشري والمالي الذي بُذل للقضاء على "داعش". وبذلك، تحول "قسد" الصراع من مواجهة محلية مع الجيش السوري إلى "أزمة مسؤولية دولية" تُلزم واشنطن بالتحرك للحفاظ على "إرث النصر" الذي تدعيه.
يسعى الخطاب الإعلامي لـ "قسد" إلى جس نبض الإدارة الأمريكية الجديدة ومعرفة حدود "الخطوط الحمراء" التي يمكن أن ترسمها واشنطن لمنع سقوط الرقة. فمن الناحية النقدية، يطرح البيان تساؤلاً جوهرياً حول قدرة هذا "التحذير الأمني" على استدعاء تدخل جوي أو ضغط دبلوماسي أمريكي يعطل تقدم الجيش السوري. "قسد" تدرك أن واشنطن قد لا ترغب في الدخول في مواجهة مباشرة مع دمشق أو موسكو، لكنها تراهن على أن "خطر انبعاث داعش" هو المحرك الوحيد الذي قد يدفع البنتاغون للضغط على البيت الأبيض لاتخاذ إجراءات رادعة. لذا، فإن الهدف النهائي من هذا الإحراج هو إجبار التحالف على العودة إلى طاولة العمليات الميدانية، وتثبيت قواعد الاشتباك القديمة التي كانت تمنع الجيش السوري من تجاوز نقاط معينة في شرق الفرات.

تحميل المسؤولية للآخرين: 
تتجلى في لغة البيان محاولة ذكية لإعادة تعريف الصراع الميداني عبر نقل عبء أي فشل أمني أو هروب محتمل للسجناء من عاتق "قسد" إلى الطرف المهاجم، متمثلاً في "الجيش السوري" و"الحكومة الانتقالية". ومن الناحية النقدية، يمثل هذا التوجه محاولة لغسل اليد من المسؤولية المباشرة عن حماية المنشآت الحيوية التي تقع تحت سيطرتها المطلقة، عبر تصوير تقدم الجيش السوري كفعل "تخريبي" متعمد للأمن الإقليمي وليس كممارسة لسيادة الدولة. هذا الإسقاط للمسؤولية يهدف إلى خلق انطباع لدى المجتمع الدولي بأن دمشق هي من تفتح أبواب السجون للإرهابيين، مما يمنح "قسد" غطاءً أخلاقياً يبرر تراجعها الميداني أو فقدانها للسيطرة أمام الزحف العسكري.
تبرز هنا مفارقة نقدية صارخة في خطاب "الإدارة الذاتية"؛ فبينما كانت تصر لسنوات على انتزاع اعتراف دولي بسيادتها وإدارتها المنفردة لشرق الفرات وترفض أي تدخل في شؤونها، نراها اليوم تتراجع تكتيكياً لتصف حماية السجون بأنها "مسؤولية جماعية". هذا التحول من خطاب "الاستقلال الإداري" إلى خطاب "المسؤولية الدولية" يكشف عن رغبة في "تدويل" جبهة الرقة وتحويلها من شأن سوري داخلي إلى قضية أمن عالمي. إن الهدف من هذا التناقض هو بناء حائط صد دبلوماسي يمنع سقوط المدينة عسكرياً؛ فحين تعجز القوة العسكرية الذاتية عن الصمود، تصبح "المسؤولية الجماعية" هي الوسيلة المثلى لاستدعاء القوى الكبرى ومنع الجيش السوري من تغيير الواقع الميداني تحت ذريعة حماية الأمن الدولي من شبح "داعش".

غياب الرؤية المستدامة: 
يكشف هذا التحذير عن فجوة استراتيجية وعمق الأزمة الهيكلية التي تعاني منها "الإدارة الذاتية" منذ سنوات؛ حيث تحول ملف آلاف المقاتلين الأجانب من قضية قضائية مؤجلة إلى "قنابل موقوتة" قابلة للانفجار عند أي اهتزاز أمني. إن الإبقاء على هؤلاء المعتقلين في مراكز احتجاز "مؤقتة" وغير مهيأة للنزاعات طويلة الأمد، دون التوصل إلى صيغة قانونية دولية لمحاكمتهم أو ترحيلهم، يثبت أن مشروع الإدارة لم يمتلك يوماً رؤية مستدامة لهذا الملف الشائك. وبدلاً من أن تكون هذه السجون دليلاً على الاستقرار والسيطرة، تحولت إلى ثغرة أمنية كبرى يتم تفعيلها كورقة ضغط مع كل منعطف عسكري، مما يعكس ارتهان المشروع برمته لقضايا عالقة تتجاوز قدراته الإدارية والقانونية.
من الناحية النقدية، يعكس الاعتماد المتكرر على "خطر الإرهاب" كدرع لحماية المكتسبات السياسية حالة من الهشاشة في الموقف الميداني وفقداناً واضحاً لخيارات المناورة العسكرية الصرفة. فحين تجد "قسد" نفسها عاجزة عن صد تقدم الجيش السوري بالوسائل القتالية التقليدية، تلوح بملف المعتقلين كأداة "ردع معنوي" للمجتمع الدولي. هذا النهج يثبت أن القوة العسكرية للمشروع ليست ذاتية تماماً، بل هي قوة تعتمد في شرعية بقائها على "الخطر الذي تمنع وقوعه" لا على "الإنجاز الذي تحققه". إن تحويل ملف داعش إلى وسيلة وحيدة لمنع السقوط العسكري يكشف عن إفلاس في الحلول السياسية والتحالفات المحلية، ويضع المنطقة أمام تساؤل حتمي: ماذا سيبقى من مشروع الإدارة الذاتية إذا ما تم حل ملف المعتقلين أو فقدت السيطرة عليهم؟

خاتمة
إن تحذير الإدارة الذاتية من "الخطر المحدق" هو في جوهره "استغاثة سياسية" مغلفة بغطاء أمني. ومع اقتراب نيران المعارك من أسوار مراكز الاحتجاز، يتضح أن ملف معتقلي "داعش" لم يعد مجرد قضية أمنية، بل أصبح "رهينة سياسية" في صراع أكبر على الجغرافيا السورية. يبقى التساؤل: هل سيستجيب العالم لهذا التحذير، أم أن "فزاعة داعش" قد فقدت بريقها في ظل المتغيرات الدولية الجديدة التي بدأت تميل لفرض واقع سياسي مختلف في دمشق؟

شارك