جمال الدين الأفغاني: ميكافيلي الشرق وصراع الهويات العابرة
الإثنين 09/مارس/2026 - 08:50 ص
طباعة
حسام الحداد
تحل اليوم 9 مارس ذكرى رحيل جمال الدين الأفغاني (1897-1838)، الشخصية التي لا تزال تمثل "الزلزال" الفكري والسياسي الأبرز في تاريخ المشرق الحديث. لم يكن الأفغاني مجرد مصلح ديني تقليدي، بل كان "موقظاً" عابراً للقارات، استطاع في برهة زمنية فارقة أن ينقل العقل المسلم من حالة الاستكانة القدرية إلى مربع الفعل السياسي والمقاومة. وبقدر ما كان ملهماً لنخب النهضة في مصر وإسطنبول وطهران، كان في الوقت ذاته شخصية "إشكالية" بامتياز، أحاطت بها الألغاز من كل جانب؛ بدءاً من غموض منشئه ومذهبه، وصولاً إلى تقلباته السياسية المثيرة للريبة بين بلاطات الملوك ومحافل الثوار. هذا الثراء في الشخصية جعل منه مادة دسمة للمؤرخين، فبينما رآه تلاميذه "إماماً للمجددين" وشهيداً للحرية، رآه خصومه مغامراً سياسياً يستخدم الدين ستاراً لأجندات غامضة.
إن القراءة المنصفة لسيرة الأفغاني تقتضي الخروج من ثنائية "التقديس والشيطنة" إلى فضاء التحليل البنيوي والسياقي. فالأتهامات التي حاصرته، من اتهام بالماسونية أو العمالة المزدوجة أو حتى الطعن في العقيدة، لم تكن مجرد أحكام أخلاقية، بل كانت انعكاساً لصدام كوني بين مشروع "الجامعة الإسلامية" الثوري وبين القوى الاستعمارية والأنظمة الاستبدادية التي رأت في كاريزمته تهديداً لوجودها. في هذا المقال، نبحر في أعماق هذه الاتهامات، ليس لغرض المحاكمة، بل لتفكيك الأدوات "البراجماتية" التي استخدمها الأفغاني في حربه ضد الركود، وفهم كيف تحول هذا "اللغز" إلى أيقونة نهضوية استعصت على النسيان رغم مرور أكثر من قرن على رحيله.
غموض الهوية: (الأفغانية أم الإيرانية؟)
تعد قضية "هوية الأفغاني" اللغز الأكبر الذي استغله خصومه للتشكيك في نزاهته ومقاصده؛ فبينما أصرّ جمال الدين طوال حياته على نسبته إلى "أسد آباد" الأفغانية ليرسخ صورته كعالم سنيّ، كشفت الوثائق الرسمية الإيرانية وسجلات أسرته لاحقاً أنه ولد في "أسد آباد" التابعة لهمدان في إيران، ونشأ في بيئة شيعية وتلقى تعليمه الأولي في النجف. هذا "التمويه الجغرافي" لم يكن مجرد هروب من هوية وطنية، بل كان استراتيجية تهدف إلى اختراق الحواجز المذهبية التي كانت تمزق العالم الإسلامي آنذاك. فلو أعلن الأفغاني عن أصله الإيراني الشيعي، لاصطدم بجدار من الريبة لدى العامة والخاصة في مراكز الثقل السني (كالقاهرة وإسطنبول)، ولحُصرت دعوته في إطار "التشييع" بدلاً من "الإصلاح الشامل"، مما سيجهض مشروعه لتوحيد الأمة تحت راية "الجامعة الإسلامية" قبل أن يبدأ.
من منظور نقدي، يمكن اعتبار "أفغانية" جمال الدين نوعاً من البراجماتية الثورية التي تتجاوز مفهوم الصدق الشخصي إلى مصلحة المشروع النهضوي. كان الأفغاني يدرك أن القيادة الروحية والسياسية للعالم الإسلامي في القرن التاسع عشر كانت بيد الدولة العثمانية، وأن أي تحرك إصلاحي مؤثر يجب أن ينطلق من عباءة "أهل السنة" لضمان القبول والانتشار. لذا، فإن تخليه عن لقب "الإيراني" واتخاذ لقب "الأفغاني" كان تذكرة عبور سياسية سمحت له بالتغلغل في أروقة صنع القرار بتركيا، والجلوس مع علماء الأزهر، والتأثير في النخب السورية والحجازية. إن هذا التخفي المذهبي يعكس جوهر فلسفته التي ترى أن "وحدة الهدف" في مواجهة الاستعمار الغربي أولى من "وحدة المذهب"، مما جعل منه شخصية عابرة للحدود والهويات الضيقة في سبيل غاية أسمى.
الاتهام بالماسونية
يُعد انضمام الأفغاني إلى محفل "كوكب الشرق" في مصر عام 1876 وتوليه رئاسته لاحقاً، من أكثر النقاط التي استغلها خصومه لرميه بتهم العمالة أو المروق من الدين. إلا أن القراءة التحليلية العميقة لتلك الحقبة تكشف أن المحافل الماسونية في المشرق لم تكن في ذلك الوقت تحمل الصبغة "العقائدية السرية" المعادية للأديان كما هي في الأدبيات المعاصرة، بل كانت تمثل "أندية نخبوية" ومنصات للتنظيم السياسي بعيداً عن قبضة الاستبداد. بالنسبة للأفغاني، كان المحفل مجرد "وعاء تنظيمي" جاهز يضم صفوة المثقفين والسياسيين والمطالبين بالإصلاح (أمثال يعقوب صنوع وسعد زغلول)، فاتخذه وسيلة لتجميع القوى الوطنية، وبث روح التمرد ضد التدخل الأجنبي، وتحويل النقاشات الفلسفية داخل المحفل إلى قرارات سياسية ومطالب دستورية تخدم الشارع المصري.
إن الدليل القاطع على أن غاية الأفغاني من الماسونية كانت سياسية بحتة وليست أيديولوجية، هو الصدام العنيف الذي انتهى بانفصاله عنها. فبمجرد أن حاول الأفغاني تحويل المحفل إلى جبهة معارضة صريحة ضد الخديوي إسماعيل والسياسة البريطانية، واجه ممانعة شديدة من القيادات الماسونية المرتبطة بالمحفل الأكبر في إنجلترا، والذين آثروا المهادنة والحفاظ على "السرية والحياد". حينها، لم يتردد الأفغاني في مهاجمتهم بشدة ووصفهم بـ "الخيانة" و"الجبن"، بل وأسس "محفلاً وطنياً" مستقلاً (المحفل الوطني المصري) كبديل ثوري. هذا الصدام يثبت أن انتمائه كان "انتماءً وظيفياً"؛ فبمجرد أن عجزت الوسيلة عن تحقيق الغاية (التحرر الوطني)، نبذها الأفغاني وسعى لخلق بدائل أكثر راديكالية، مما ينفي عنه تهمة التبعية المطلقة لتلك المنظمات.
العمالة المزدوجة وتقلب الولاءات
اتسم المسار السياسي للأفغاني بما يمكن تسميته "القلق الحركي"، حيث تنقل بين العواصم الكبرى (لندن، باريس، سانت بطرسبرغ، وإسطنبول) في رحلة بحث دؤوبة عن حليف يدعم مشروعه لنهضة الشرق. إن اتهامه بالعمالة المزدوجة لبريطانيا تارة ولروسيا تارة أخرى ينبع من سوء فهم لاستراتيجيته القائمة على مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"؛ فقد كان يرى في القوى الاستعمارية مجرد أدوات يمكن ضرب بعضها ببعض. فعندما تقرب من الروس، كان يهدف لتهديد المصالح البريطانية في الهند والضغط عليها لتخفيف قبضتها عن مصر والدولة العثمانية. لم يكن ولاؤه لأي تاج أجنبي، بل كان "ولاءً وظيفياً" مؤقتاً ينتهي بمجرد تعارض مصلحة تلك الدولة مع حلمه في التحرر الوطني، مما جعله في نظر الاستخبارات الدولية "خبيراً سياسياً خطراً" لا يمكن التنبؤ بخطوته التالية.
لم تسلم علاقة الأفغاني بالسلطان عبد الحميد الثاني من ذات الاتهامات؛ فقد استُدعي لإسطنبول ليكون "منظراً" لفكرة الجامعة الإسلامية، لكن سرعان ما تحول الود إلى ريبة والاحتفاء إلى إقامة جبرية. والتحليل النقدي لهذا التقلب يكشف عن فجوة عميقة بين رؤيتين: رؤية السلطان الذي أراد استخدام الأفغاني كـ "أداة دعائية" لترسيخ شرعيته كخليفة، ورؤية الأفغاني الذي أراد استخدام منصب الخلافة كـ "محرك ثوري" للإصلاح الدستوري ومواجهة الاستبداد. هذا التناقض الجوهري بين رغبة السلطان في السيطرة ورغبة الأفغاني في التغيير هو ما جعل الأخير "منبوذاً" من البلاطات الملكية؛ فقد كان يحمل بذور الثورة أينما حل، مما أدى في النهاية إلى محاصرته وتهميشه بعد أن أدرك الحكام أن طموحاته النهضوية تتجاوز بكثير سقف بقائهم في السلطة.
الاتهام في العقيدة والدين
تمثل الاتهامات التي وجهت للأفغاني بـ "الزندقة" أو "ضعف العقيدة" ذروة الصدام بين مدرستين: مدرسة التقليد التي حصرت الدين في الطقوس العبادية والشروح المتوارثة، ومدرسة الأفغاني التي قدمت "الإسلام كأيديولوجيا تحررية". كان الأفغاني يرى أن جوهر الدين يكمن في قدرته على تغيير الواقع المتردي للمسلمين، لذا ركز في خطابه على "العقل" و"السنن الكونية" و"عمارة الأرض"، معتبراً أن الانشغال المفرط بالغيبيات والقشور على حساب مواجهة الاستعمار هو نوع من التخدير للشعوب. هذا الفهم "العصراني" جعل منه هدفاً سهلاً لفقهاء السلطة الذين رأوا في أفكاره خروجاً عن المألوف، بينما كان هو يرى في جمودهم خيانة لروح الإسلام الذي جاء ليحرر الإنسان من العبودية لغير الله، سواء كان هذا السيد "مستعمراً أجنبياً" أو "حاكماً مستبداً".
لم يكن اتهام الأفغاني في دينه نابعاً من غيرة دينية محضة في أغلب الأحيان، بل كان سلاحاً سياسياً فتاكاً استُخدم لكسر شوكته وتنفير الجماهير من حوله. فعندما عجز خصومه من السلاطين والاحتلال البريطاني عن دحض حججه السياسية ومنطقه الثوري، لجأوا إلى المحاكم التفتيشية العقائدية لإسقاط "شرعيته الأخلاقية". كان هجوم الأفغاني الشرس على "علماء السوء" الذين يشرعنون خنوع الحكام هو السبب الحقيقي وراء حملات التكفير؛ فبمنطقه الذي يربط بين الإيمان والكرامة الوطنية، هدد الأفغاني بنية السلطة القائمة. لذا، فإن وصمه بـ "المروق" كان محاولة لتعطيل مفعول "الكاريزما" الطاغية التي كان يتمتع بها، وتحويله من "مصلح ملهم" إلى "خارج عن الملة" في أعين العامة البسطاء.
الخلاصة
إن جمال الدين الأفغاني لم يكن مصلحاً بالمعنى الوعظي، بل كان محرضاً سياسياً يرتدي جبة الفيلسوف. الاتهامات التي حاصرته ليست كلها محض افتراء، لكنها تحتاج إلى تفسير يتجاوز السطح؛ فغموضه، وتقلباته، وعلاقاته المشبوهة كانت أدوات في "حرب عصابات سياسية" خاضها ضد الاستعمار والاستبداد.
النتيجة: يظل الأفغاني "ظاهرة" أكثر من كونه مجرد شخص؛ ظاهرة تعكس ارتباك الشرق في مواجهة الغرب، وبحثه المضني عن مخرج بين التراث والحداثة.
