هشام النجار: هل نعيش نهاية مرحلة "الإسلام السياسي المؤسساتي"؟
الثلاثاء 10/مارس/2026 - 02:04 م
طباعة
حوار حسام الحداد
وسط احتدام الصراع الجيوسياسي المتصاعد في منطقة الشرق الأوسط، يبرز التوتر الأمريكي-الإيراني كعامل محوري في إعادة تشكيل الخرائط الأمنية. إن هذا الصراع الممتد لا يقتصر أثره على موازين القوى الدولية فحسب، بل يخلق "مناطق رخوة" وفراغات أمنية تستغلها التنظيمات المتطرفة -بمختلف مرجعياتها- لإعادة التموضع أو التمدد في الفراغ. هذه الديناميكيات المعقدة تضع المنطقة أمام تحديات وجودية تتجاوز المواجهة التقليدية، لتطرح تساؤلات ملحة حول مستقبل الاستقرار الإقليمي وقدرة الدول على كبح جماح الفاعلين غير الدوليين الذين يتغذون على هذه الفوضى.
في هذا الحوار الخاص، تفتح "البوابة نيوز" ملفات هذه التطورات مع الباحث والخبير في شؤون الإسلام السياسي، هشام النجار. حيث نغوص في تحليل عميق للأبعاد الخفية للصراع؛ بدءاً من استراتيجيات التجنيد والبروباغندا التي تستغل نبرة التصعيد، وصولاً إلى التحولات التنظيمية نحو اللامركزية، ومصير الأذرع المسلحة في ظل تغير موازين القوى. إنها قراءة نقدية تستشرف مآلات "الإسلام السياسي" في مرحلة حرجة من تاريخ المنطقة، بحثاً عن إجابات تتجاوز السطحية الإعلامية لتصل إلى جذور الأزمة ومآلاتها.
نص الحوار:
كيف يساهم الصراع المباشر بين واشنطن وطهران في خلق "مناطق رخوة" أمنياً، وما مدى استفادة التنظيمات الراديكالية (سواء السنية أو الشيعية) من هذا الفراغ؟
من طبيعة الجماعات الراديكالية السنية والشيعية أنها تنمو وتتوسع وتستعيد توازنها وتمركزها أثناء وفي أعقاب الصراعات الكبرى والمتوسطة، ومن المرجح أن تفتح المواجهة الحالية أبوابا للاستفادة والتوظيف من قبل مختلف التنظيمات والجماعات التكفيرية السنية والشيعية.
يسهم الصراع المباشر والممتد بين واشنطن وطهران في إنتاج ما يمكن تسميته بـ"المناطق الرخوة" أمنياً، لأن هذا الصراع يدار في الغالب من خلال ضغوط عسكرية محدودة، وحروب بالوكالة، وعقوبات اقتصادية، وضربات محسوبة تستهدف الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة أو عبر مواجهة تقليدية مباشرة.
تخلق هذه المعادلة بيئات غير مستقرة في عدد من الساحات الإقليمية، حيث تنشغل الدول وأجهزتها الأمنية بموازنة الضغوط المتبادلة بين الطرفين أو إدارة تداعياتها السياسية والاقتصادية.
في مثل هذه الظروف تتآكل قدرة الدولة على بسط السيطرة الكاملة على أراضيها أو حدودها، خصوصاً في المناطق الطرفية والحدودية أو في الدول التي تعاني أصلاً من هشاشة مؤسساتية.
وتتشكل هنا "مناطق فراغ نسبي" أو رخاوة أمنية، نتيجة انشغالها أو تقييد حركتها بحسابات الصراع الأكبر، وهو ما يفتح المجال أمام قوى غير نظامية للتحرك وإعادة التموضع وبناء شبكات نفوذ محلية.
تستفيد في هذا السياق التنظيمات الراديكالية، سواء السنية أو الشيعية، من هذه المساحات الرمادية بطرق متعددة؛ فالتنظيمات السنية المتطرفة تميل إلى استثمار حالة الاستقطاب الإقليمي الحاد لتغذية خطابها التعبوي القائم على فكرة "الصراع الوجودي"، مستغلةً الفوضى الأمنية وضعف الرقابة لإعادة بناء خلاياها أو توسيع نشاطها في مناطق يصعب ضبطها.
في المقابل، تجد بعض التنظيمات الشيعية المسلحة في هذا المناخ فرصة لتعزيز دورها باعتبارها فاعلاً شبه رسمي في معادلة الردع أو النفوذ الإقليمي، مستفيدة من الدعم السياسي أو اللوجستي المرتبط بمحاور الصراع.
والنتيجة أن التوتر بين واشنطن وطهران يمتد ليخلق بيئات أمنية غير مستقرة تتغذى فيها التنظيمات الراديكالية على الفراغ النسبي، مستثمرةً ضعف الدولة وتضارب الأولويات الأمنية لتعزيز حضورها أو شرعنة وجودها بوصفها طرفاً في معادلة الصراع، ولا يقتصر أثره على موازين القوى بين دولتين.
هل يمكن اعتبار "العداء المشترك" للولايات المتحدة نقطة التقاء تكتيكية بين إيران وتنظيمات إسلامية تختلف معها أيديولوجياً؟ وكيف توظف طهران هذه الورقة؟
يمكن اعتبار العداء المشترك للولايات المتحدة بالفعل نقطة التقاء تكتيكية بين إيران وبعض التنظيمات الإسلامية التي تختلف معها أيديولوجياً، لكن هذا الالتقاء يظل في الغالب ظرفياً وعملياً أكثر منه تحالفاً استراتيجياً قائماً على توافق فكري؛ فإيران، كونها دولة ذات مشروع إقليمي واضح، تتعامل مع كثير من الفاعلين غير الدوليين وفق منطق براغماتي يقوم على تقاطع المصالح لا وحدة العقيدة.
وفي المقابل، ترى بعض التنظيمات الراديكالية أن استهداف النفوذ الأمريكي أو إضعافه يخدم سرديتها السياسية والدعائية حتى لو كان ذلك بالتوازي غير المباشر مع طرف يختلف معها مذهبياً.
لذلك يظهر هذا التقاطع في لحظات معينة على شكل تسهيلات غير مباشرة، أو غض طرف عن تحركات، أو وجود مساحات جغرافية رمادية تسمح ببقاء عناصر أو شبكات لوجستية، دون أن يصل الأمر غالباً إلى تحالف معلن أو تنسيق عملياتي مستدام بسبب التناقض الأيديولوجي العميق وانعدام الثقة المتبادل.
أما كيفية توظيف طهران لهذه الورقة، فتتم ضمن استراتيجية أوسع لإدارة الصراع مع الولايات المتحدة بطريقة غير مباشرة؛ فإيران تدرك أن تعدد الفاعلين المعادين لواشنطن في الإقليم يمنحها هامش مناورة أوسع، إذ يمكن استخدام هذا التنوع كأداة ضغط أو تشتيت للخصم عبر خلق بيئات أمنية معقدة يصعب على واشنطن السيطرة عليها أو حسمها بسرعة.
ومن خلال هذه المقاربة تحافظ طهران على سياسة "المرونة التكتيكية"، فتدعم بشكل واضح حلفاء أيديولوجيين قريبين منها، خصوصاً ضمن شبكات الفاعلين الشيعة، وأيضًا الجماعات التكفيرية السنية مثل تنظيم القاعدة المركزي، بينما تتعامل مع بعض التنظيمات الأخرى ببراغماتية محسوبة تسمح لها بالاستفادة من وجودها كعامل إرباك في معادلة الصراع دون الارتباط بها بشكل مباشر.
وبهذا يتحول "العداء المشترك" إلى ورقة ضمن أدوات إدارة النفوذ الإقليمي، تستخدمها إيران لتعقيد البيئة الأمنية حول خصومها وتعزيز قدرتها على الردع غير المباشر.
بناءً على التطورات الأخيرة في عام 2026، كيف أعادت الضربات المتبادلة تشكيل مفهوم "المقاومة" لدى حركات الإسلام السياسي في المنطقة؟
أعادت الضربات المتبادلة في عام 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى صياغة مفهوم "المقاومة" لدى حركات الإسلام السياسي في المنطقة من إطار أيديولوجي رمزي إلى إطار أكثر براغماتية وشبكية؛ فبعد الضربات الواسعة التي استهدفت البنية العسكرية والقيادة الإيرانية وردّ طهران بسلسلة هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة عبر الإقليم، اتجهت الحركات المرتبطة بمحور إيران إلى إعادة تعريف المقاومة باعتبارها منظومة إقليمية متعددة الجبهات وليست مجرد مواجهة محلية مع إسرائيل، بحيث تُفتح ساحات متزامنة عبر ميليشيات وحلفاء في العراق ولبنان وغيرها لزيادة كلفة الصراع على الخصم.
في المقابل، دفعت هذه التطورات بعض التيارات الإسلامية الأخرى إلى مراجعة خطابها، حيث أصبح مفهوم المقاومة أكثر ارتباطاً بحسابات الدولة والقدرة العسكرية وشبكات الوكلاء، وليس فقط بالشعارات التعبوية أو العمل المسلح التقليدي، خاصة في ظل اتساع نطاق الحرب إقليمياً واندماجها في صراع دولي أوسع تتداخل فيه الجغرافيا السياسية والطاقة والتحالفات العسكرية.
إلى أي مدى تخدم نبرة التصعيد العسكري الأمريكي الخطاب الدعائي للجماعات الإرهابية في استقطاب جيل جديد من الشباب تحت ذريعة "الدفاع عن البيضة" أو مواجهة "الاستعمار الجديد"؟
تخدم نبرة التصعيد العسكري الأمريكي، خاصة حينما تُقدَّم في خطاب سياسي أو إعلامي حاد، جزءاً مهماً من البنية الدعائية التي تعتمد عليها الجماعات الإرهابية في تجنيد الأفراد، لأنها توفر مادة جاهزة لإعادة تفسير الصراع ضمن سردية "المواجهة الحضارية" أو "العدوان الخارجي".
فهذه التنظيمات تقوم عادة بإعادة تأطير الأحداث العسكرية ضمن خطاب مظلومية واسع، يربط بين الضربات العسكرية والتاريخ الطويل من التدخلات الأجنبية في المنطقة، لتصوير الصراع باعتباره اعتداءً على الهوية أو الدين أو السيادة.
وبهذا الشكل تتحول العمليات العسكرية أو التهديدات السياسية إلى أدوات تعبئة نفسية، حيث يُستدعى مفهوم "الدفاع عن البيضة" أو "حماية الأمة" كواجب ديني أو أخلاقي، ما يسهل استقطاب شباب يشعرون أصلاً بالإحباط السياسي أو التهميش الاجتماعي، فيتم توجيه غضبهم نحو مشروع راديكالي يقدم نفسه بوصفه رد الفعل الوحيد الممكن.
ومع ذلك، فإن قدرة هذا الخطاب على إنتاج موجات تجنيد واسعة ليست مطلقة، حيث تعتمد على عوامل وسيطة مثل قوة الدولة الوطنية، ومستوى الوعي المجتمعي، ووجود خطاب ديني أو فكري بديل قادر على تفكيك السرديات المتطرفة؛ ففي البيئات التي تمتلك مؤسسات مستقرة وخطاباً دينياً نقدياً، غالباً ما تفقد الدعاية المتشددة جزءاً كبيراً من فاعليتها لأنها تُواجَه بتفسير مختلف للأحداث يميز بين الصراع السياسي ومفهوم الجهاد الديني.
أما في المناطق التي تعاني هشاشة أمنية أو أزمات هوية أو شعوراً عميقاً بالظلم، فإن نبرة التصعيد الخارجي يمكن أن تتحول إلى عنصر مضاعِف لقابلية التجنيد، إذ تستغلها التنظيمات لتأكيد روايتها بأن العالم الخارجي في حالة عداء دائم مع المسلمين، وبالتالي تبرير العنف بوصفه دفاعاً أو مقاومة.
في ظل استهداف القيادات العليا (كما حدث في الاغتيالات الأخيرة)، هل تتجه هذه الحركات نحو "اللامركزية" أو "الخلايا العنقودية"، وكيف يصعّب ذلك من مهمة مكافحة الإرهاب عالمياً؟
في ظل استهداف القيادات العليا عبر الاغتيالات والضربات الدقيقة، تميل كثير من الحركات المتطرفة إلى إعادة هيكلة نفسها باتجاه نماذج تنظيمية أكثر لامركزية، تعتمد على ما يُعرف بالخلايا العنقودية أو الشبكات المرنة بدلاً من الهرم القيادي التقليدي.
هذا التحول ليس جديداً تماماً، لكنه يتعزز كلما تعرضت القيادات المركزية للاستنزاف، إذ تسعى التنظيمات إلى تقليل اعتمادها على شخصية قيادية واحدة أو مركز قرار محدد يمكن استهدافه.
وبدلاً من ذلك تُمنح الخلايا المحلية قدراً أكبر من الاستقلالية في التخطيط والتنفيذ ضمن إطار أيديولوجي عام يوفر التوجيه دون الحاجة إلى أوامر مباشرة.
وتساعد التكنولوجيا الرقمية ووسائل الاتصال المشفرة في دعم هذا النموذج، حيث يمكن نشر الخطاب التعبوي أو الإرشادات العامة بسرعة دون الحاجة إلى بنية تنظيمية صلبة أو اتصال دائم بين المركز والأطراف.
هذا النمط اللامركزي يجعل مهمة مكافحة الإرهاب أكثر تعقيداً على المستوى العالمي، لأن الاستراتيجية التقليدية القائمة على "قطع الرأس القيادي" أو تفكيك القيادة العليا تصبح أقل فاعلية عندما تكون الشبكات موزعة ومتعددة المراكز.
فبدلاً من مواجهة تنظيم واضح المعالم يمكن اختراقه أو تعقبه، تجد أجهزة الأمن نفسها أمام عدد كبير من الخلايا الصغيرة أو الأفراد المتأثرين بالفكر المتطرف الذين يتحركون بمرونة عالية ويستطيعون العمل بموارد محدودة.
كما أن هذا الشكل التنظيمي يقلل من أثر الضربات الأمنية، لأن سقوط خلية أو قائد محلي لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الشبكة ككل، كما قد يدفعها إلى مزيد من التكيف والانتشار الأفقي.
ونتيجة لذلك تتحول مكافحة الإرهاب إلى معركة طويلة الأمد تعتمد بدرجة أكبر على العمل الاستخباراتي العميق، ومراقبة الشبكات الرقمية، ومعالجة البيئات الاجتماعية والفكرية التي تسمح بتجدد هذه الخلايا.
