جغرافيا الموت: الصومال كوجهة بديلة في استراتيجية "التمكين المؤجل" لتنظيم داعش

الأربعاء 11/مارس/2026 - 03:03 م
طباعة جغرافيا الموت: الصومال حسام الحداد
 
يمثل الإصدار المرئي الأخير المعنون بـ "موعظة للمتقين: الصبر المحمود"، الصادر عن ما يسمى بـ "ولاية الصومال" التابعة لتنظيم داعش في مارس 2026، تحولاً نوعياً في الخطاب الدعائي للتنظيم، حيث يبتعد عن استعراض القوة العسكرية المعتاد ليركز بشكل مكثف على "سيكولوجية الثبات" وإدارة الأزمات الداخلية. يأتي هذا الإصدار في لحظة فارقة تشهد فيها منطقة القرن الإفريقي تجاذبات سياسية وأمنية حادة، مما يجعله محاولة استراتيجية من قبل القيادة المركزية للتنظيم لإعادة تصدير الصومال كـ "مركز ثقل" جديد ووجهة بديلة للمهاجرين، مستغلاً في ذلك حالة السيولة الأمنية الإقليمية لترميم الشروخ التي أصابت جسده التنظيمي نتيجة الضربات المتلاحقة ومرحلة الاستنزاف الميداني التي يعيشها.
إن المتأمل في بنية هذا الخطاب يلحظ بوضوح استخدام تقنيات "التلاعب النفسي" والتأطير الأيديولوجي للمفاهيم الشرعية، حيث يتم تحوير مفهوم الصبر من فضيلة إيمانية إلى أداة تبريرية للفشل العسكري وتحويل الهزائم الميدانية إلى "مظلومية مقدسة". يتجاوز الإصدار كونه مجرد وعظ ديني، ليصبح وثيقة تحريضية تستهدف شريحتين أساسيتين: المقاتلين في الداخل لإبقائهم تحت منظومة السيطرة عبر "أدلجة الحرمان"، والجمهور الخارجي عبر ممارسة "الإرهاب الفكري" والتأثيم الجماعي لدفعهم نحو العنف أو الهجرة. ومن هنا، تبرز خطورة هذا الإصدار في قدرته على تحويل "اليأس الميداني" إلى طاقة تدميرية كامنة، مما يستوجب قراءة أبعاده الأمنية بجدية فائقة.

 السياق الاستراتيجي والزماني
يأتي صدور هذا المرئي في ظرفية زمنية حرجة تتسم بتصاعد حدة التجاذبات الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي، حيث يسعى التنظيم جاهدًا لاستغلال حالة السيولة الأمنية والنزاعات الحدودية والمائية بين دول المنطقة لإعادة تموضع "ولاية الصومال" كلاعب إقليمي مؤثر. إن اختيار هذا التوقيت (مارس 2026) يعكس رغبة القيادة المركزية في ملء الفراغات الناتجة عن انشغال القوى المحلية والإقليمية بالصراعات البينية، ومحاولة جذب الأنظار بعيدًا عن مناطق "القلب" التقليدية في العراق وسوريا نحو "الأطراف" النشطة؛ مما يوفر للتنظيم فرصة لتقديم نفسه كبديل "صامد" وسط الفوضى، وملاذٍ لمن يصفهم بـ "المستضعفين" الفارين من الأزمات السياسية والاقتصادية الطاحنة التي تضرب القارة السمراء.
من الناحية العملياتية، يكشف التركيز المكثف على مفهوم "الصبر المحمود" عن اعتراف ضمني بمرور التنظيم بمرحلة "انكسار" أو تراجع ميداني حاد، ناتج عن عمليات مكافحة الإرهاب المكثفة أو الحصار المالي واللوجستي. هنا تتحول "الدعاية" من لغة الانتصارات الخاطفة إلى لغة "الثبات العقدي"؛ وهي استراتيجية نفسية تهدف إلى تأطير المعاناة الميدانية (مثل الجوع، النقص العددي، وفقدان الموارد) بوصفها "منحة إلهية" واختباراً لصدق الإيمان، وليس فشلاً عسكرياً. هذا الخطاب يعمل كآلية دفاعية لمنع حدوث حالات الانشقاق أو الانهيار المعنوي بين الكوادر، عبر تحويل "الاستنزاف" من عبء مادي إلى "قيمة روحية" تمنح المقاتل مبرراً للاستمرار في معركة يدرك التنظيم داخلياً أنها باتت شديدة التعقيد ومكلفة بشرياً.

 التوظيف الأيديولوجي للمفاهيم الشرعية
يعتمد الإصدار استراتيجية "الإسقاط النصي التعسفي"، حيث يتم سحب الآيات القرآنية التي تتحدث عن الابتلاء والتمكين التاريخي للأنبياء وإقحامها في سياق الهزائم الميدانية التي يمر بها التنظيم. من خلال توظيف قوله تعالى: $وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا$، يحاول المنظرون في "ولاية الصومال" صياغة سردية تبريرية مفادها أن التراجع العسكري أو فقدان الأرض ليس "فشلاً استراتيجياً"، بل هو "مرحلة قدرية حتمية" واختبار إلهي لتمحيص الصفوف. هذا التوظيف يهدف إلى خلق حالة من "التخدير الأيديولوجي" للمقاتلين، حيث يتم تصوير الحصار والجوع كعلامات قرب "التمكين" الموعود، مما يقلب موازين التقييم العسكري لدى الأتباع من لغة الأرقام والنتائج الأرضية إلى لغة الغيبيات والمبشرات التي لا تقبل المساءلة.
في البعد الآخر للتوظيف الأيديولوجي، يعمد الخطاب إلى إعادة تعريف مفهوم "الاستضعاف" بصورة هجومية تخرج عن التفسير التقليدي، محولاً إياه من "رخصة شرعية" للمضطهدين إلى "خطيئة كبرى" تستوجب العقاب. عبر استحضار آية: $ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها$، يمارس التنظيم نوعاً من "الإرهاب الفكري" ضد المسلمين القاطنين تحت حكم الدول الوطنية أو في الغرب، واصفاً ثباتهم وصبرهم على واقعهم الاجتماعي والسياسي بأنه "صبر مذموم" واعتراف بالذل. الهدف الاستراتيجي هنا هو نزع الشرعية عن أنماط التدين التقليدية خارج عباءة التنظيم، وتحويل الشعور بـ "الاستضعاف" إلى قوة دافعة نحو "الهجرة" الانتحارية أو الانخراط في "الجهاد الفردي"، معتبراً أن "سفينة النجاة" الوحيدة تكمن في الالتحاق بولاياته المنتشرة، وهو ما يعد محاولة يائسة لترميم النزيف البشري في صفوفه عبر بوابة الوعيد الأخروي.

الرسائل الموجهة (الجمهور المستهدف)
يستهدف الخطاب الموجه للمقاتلين والكوادر داخل ولايات التنظيم إرساء دعائم "عقيدة الصمود النفسي" في مواجهة التحديات الميدانية المتصاعدة. فبدلاً من تقديم حلول لوجستية أو عسكرية للواقع المتردي، يعمد الإصدار إلى "أدلجة الحرمان"، حيث يتم تصوير نقص الأموال، والمجاعة، وفقدان الرفاق (الأنفس) ليس كخسائر مادية، بل كأوسمة استحقاق إلهية وابتلاءات ترفع الدرجات في "الدارين". هذا المسار يهدف بالدرجة الأولى إلى كبح جماح التذمر الداخلي وتحصين الأفراد ضد "وهن الهزيمة"، عبر إقناعهم بأن المعاناة الجسدية هي الدليل الأسمى على صحة المنهج، مما يحول المقاتل من عنصر في تنظيم عسكري إلى "مرابط" في صومعة دينية، وهو ما يطيل أمد المقاومة اليائسة حتى في ظل الحصار الخانق.
أما في مخاطبته للخلايا النائمة والمتعاطفين، بل وعامة المسلمين خارج مناطق سيطرته، فينتقل الخطاب من "التبشير" إلى "التقريع والتحريض الاستفزازي". يمارس التنظيم هنا عملية "ضغط نفسي" عنيفة عبر ممارسة التأثيم الأخلاقي والسياسي، واصفاً القعود عن "الهجرة" أو "النصرة" بنوع من "الدياثة الدينية" والقبول بالذل تحت وطأة الأنظمة "المرتدة" أو الغرب "الصليبي". ومن خلال العزف على أوتار القضايا العاطفية الحساسة كتدنيس المقدسات وحرق المصحف وتغيير المناهج التعليمية، يسعى التنظيم إلى خلخلة الانتماء الوطني للمستهدفين ودفعهم نحو "رد فعل عنيف" غير محسوب؛ فالهدف ليس مجرد الإقناع، بل إشعار المتلقي بـ "عقدة ذنب" خانقة لا يغسلها -وفق منطق الإصدار- إلا سلوك طريق "العزة" المتمثل في الالتحاق بصفوف التنظيم أو تنفيذ هجمات منفردة لزعزعة استقرار المجتمعات التي يعيشون فيها.

 قراءة في نبرة الخطاب ولغة الجسد (المرئي)
يكشف البناء الهيكلي للإصدار عن استراتيجية إخراجية مدروسة تهدف إلى "التلاعب العاطفي" بالمتلقي؛ حيث يبدأ الخطاب بنبرة هادئة، رصينة، تغلفها لغة "الموعظة" والترقيق الإيماني، مستخدماً مفردات الصبر والاحتساب لخلق حالة من الطمأنينة والسكينة المصطنعة. ومع تقدم الدقائق، تنقلب هذه النبرة جذرياً نحو "الهجوم الشرس" والتصعيد اللفظي، حيث تتحول لغة الجسد وصيغ الخطاب من الوعظ إلى التوبيخ والتقريع. هذا المزج المتناقض بين "المظلومية" التي تستدر العطف، و"الاستعلاء الإيماني" الذي يمنح المتحدث سلطة معنوية فوق الجميع، يهدف إلى إحداث صدمة نفسية لدى المشاهد، تجعله يشعر بالدونية والتقصير أمام "ثبات" هؤلاء المقاتلين، مما يعزز من فاعلية الرسالة التحريضية في نهاية الإصدار.
على الصعيد الاستراتيجي، يعكس التركيز المكثف على "ولاية الصومال" في هذا التوقيت (مارس 2026) رغبة محمومة لدى "القيادة المركزية" للتنظيم في إعادة رسم خريطة "أرض الهجرة" الذهنية لدى أتباعه. فمع تزايد الضغوط العسكرية وتآكل الحواضر التقليدية في مناطق أخرى، يسعى التنظيم لتقديم الصومال كـ "واحة بديلة" ومركز ثقل جديد قادر على استيعاب المهاجرين وتوفير "العزة" المفقودة. إن تصوير العيش في الصومال -رغم وعورة التضاريس وقسوة الظروف- على أنه "أهون" من العيش في كنف الدول الحديثة، هو محاولة لتسويق "جغرافيا الموت" على أنها أرض الخلاص، مستغلاً في ذلك رمزية القرن الأفريقي كبوابة استراتيجية تمكنه من البقاء في دائرة الضوء الإعلامي والعملياتي دولياً.

الأهداف الدعائية من الإصدار
تتمحور استراتيجية الاستقطاب والشرعنة في هذا الإصدار حول خلق ثنائية حادة ومتناقضة بين "عالم الكفر والذل" و"عالم الإيمان والعزة"؛ حيث يسعى التنظيم جاهدًا لتشويه صورة الاستقرار في الدول الحديثة، واصفًا إياها ببيئات "الاستضعاف والمهانة" التي تسلب المسلم دينه وكرامته. من خلال هذا التشويه الممنهج، يقدم التنظيم نفسه بوصفه "سفينة النجاة" الوحيدة والملاذ الأخلاقي الأخير وسط ما يصفه بـ "بحر الرذيلة والانحلال"، وهي آلية نفسية تهدف إلى قطع الروابط العاطفية والوطنية للمستهدفين مع مجتمعاتهم الأصلية، وإحلال الولاء التنظيمي محله، بحيث لا يرى الفرد مخرجاً من "عقدة الذنب" التي غرسها الخطاب إلا بالارتماء في أحضان "ولاية الصومال" كخيار وحيد للنجاة في الدنيا والآخرة.
في الجانب العملياتي، يعتمد الإصدار على تخدير الوعي العسكري لدى أتباعه عبر استحضار "المعجزات الغيبية" والوعود بالمدد الإلهي (كالاستدلال بملائكة معركة بدر) لتعويض العجز المادي والنقص الحاد في العدة والعتاد، وهي محاولة يائسة لترميم الروح المعنوية المنهارة تحت وطأة الضربات الأمنية. وبالتوازي مع هذا الرفع المعنوي الداخلي، ينتقل التنظيم إلى مرحلة التحريض العنيف عبر العزف على أوتار القضايا العاطفية المشتعلة، مثل حرق المصحف أو الإساءة للرموز الدينية، مستغلاً هذه الأحداث لتبرير العمليات الإرهابية وتصويرها كـ "رد فعل شرعي" لا يقبل التأجيل. الهدف هنا هو تحويل الغضب الشعبي العفوي إلى طاقة تدميرية موجهة، تخدم أجندة التنظيم في زعزعة الاستقرار الإقليمي والدولي تحت ستار "الدفاع عن المقدسات".

الخلاصة الأمنية
هذا الإصدار هو محاولة "إعادة تدوير للفشل" وتحويله إلى "اختبار إلهي". يظهر التنظيم في الصومال قلقاً من فقدان الحاضنة أو تراجع الحماس لدى الأفراد، لذا يلجأ إلى الترهيب الأخروي (الوعيد بجهنم لمن لا يهاجر) والترغيب بـ "العز المتوهم".
يجب الحذر من أن مثل هذه الإصدارات تسبق عادةً محاولات لتنفيذ عمليات انتحارية أو هجمات "ذئاب منفردة" لإثبات أن "الصبر" قد أثمر نتائج ميدانية.

شارك