النبأ 538: عندما يتحول الواقع إلى خادم للأيديولوجيا

الخميس 12/مارس/2026 - 08:51 م
طباعة النبأ 538: عندما حسام الحداد
 
تمثل افتتاحية صحيفة "النبأ" (العدد 538) والصادر مساء الخميس 12 مارس 2026، نموذجاً مكثفاً لخطاب "الأزمات" الذي يقتات على التحولات الجيوسياسية المتسارعة لإعادة إنتاج شرعيته الأيديولوجية. فمن خلال بنية نصية محكمة، يسعى الخطاب إلى ممارسة نوع من "الهيمنة التأويلية" على الواقع، محولاً الأحداث السياسية من سياقها الموضوعي إلى "براهين قدرية" تؤكد صحة المسار المنهجي للتنظيم. إن هذا النص لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يعيد صياغة الوعي الجمعي للمتلقي من خلال تدمير المسافات الرمادية، وفرض نظام صارم من الثنائيات التي تقسم العالم إلى "مركز" يمتلك الحقيقة المطلقة، و"أطراف" غارقة في التذبذب والتبعية، مما يجعل من قراءته تحليلياً ضرورة لفهم آليات "الاستقطاب الوجودي" الذي يمارسه الخطاب الراديكالي.
على صعيد آخر، يشتغل النص وفق استراتيجية "الإحلال المرجعي" التي تستهدف تفكيك الرموز التقليدية وخلخلة الثقة بالمؤسسات الدينية، مستخدماً حقولاً دلالية تتجاوز الفقه إلى "البيولوجيا السياسية". فمن خلال استعارات المرض والعدوى والتطهير، يتم نقل الصراع من دائرة "الخلاف الفكري" إلى دائرة "البقاء العضوي"، حيث يصبح الفرار من الآخر ليس مجرد موقف سياسي، بل "نجاة بالدين" من وباء محقق. تهدف هذه القراءة البنيوية إلى كشف الأقنعة عن هذا الذكاء "البروتوكولي" الذي يرتديه الخطاب، وكيف ينجح في تحويل العزلة الفكرية إلى "نقاء منهجي"، والتخبط الواقعي إلى "نبوءة محققة"، بما يضمن إغلاق الدائرة التفسيرية أمام أي نقد داخلي أو خارجي.

 البنية الثنائية (نحن مقابل الآخر)
يرتكز الخطاب في بنيته العميقة على تقديم "الذات" (الدولة) بوصفها المركز الأخلاقي والشرعي الوحيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، مستخدماً ترسانة من الصفات الوجودية مثل "الأصالة"، "سلامة المنطلق"، و"ثبات المواقف الشرعية". هذه الاستراتيجية البنيوية تهدف إلى إضفاء صفة "المعيارية" على الجماعة، بحيث تصبح هي المسطرة التي يُقاس بها الحق والضلال. ومن خلال تصوير الذات ككتلة صلبة عابرة للمتغيرات السياسية، يتم خلق حالة من "الأمان العقدي" للمتلقي، موحياً بأن الانتماء لهذا الكيان هو السبيل الوحيد للنجاة من فوضى التحولات العالمية، حيث يتم تحويل الجمود الفكري إلى فضيلة كبرى تسمى "الرسوخ".
في المقابل، يتم بناء صورة "الآخر" (سواء كان أنظمة حليفة للغرب، أو فصائل منافسة، أو مؤسسات دينية تقليدية) عبر استراتيجية "الشيطنة والتمييع"؛ فيوصف هؤلاء بـ "الاضطراب"، "التذبذب"، و"التبعية"، وهي مفردات تضرب في مقتل مصداقية الخصم وتصوره ككيان مهتز لا يملك قراره. إن حصر العالم في "فسطاطين" لا ثالث لهما هو تكتيك بنيوي يهدف إلى "تصفير المنطقة الرمادية" وإلغاء أي احتمالية للوسطية أو التعددية. هذا الفصل الحاد يضع القارئ أمام خيار وجودي ضاغط: فإما البقاء في معسكر "الضلال والارتهان للخارج" الذي يمثله الآخر، أو الارتماء في أحضان "اليقين المنهجي" الذي تمثله الجماعة، مما يحول العملية الفكرية من نقد وتحليل إلى مجرد "هروب نفسي" من القلق إلى الطمأنينة الزائفة.

استراتيجية "النبوءة المحققة" (Vindication)
تعتمد هذه الاستراتيجية على إعادة تدوير الأحداث السياسية المتفجرة (كالحروب والتحالفات الدولية) وانتزاعها من سياقها التاريخي والجيو-سياسي لتحويلها إلى "قرائن عقدية" تؤيد صحة المسار المتبع. فبدلاً من قراءة الحرب الأمريكية الإيرانية أو أحداث الشام كصراعات مصالح أو تدافع قوى، يقوم الخطاب بصب هذه الأحداث في قالب "ألم نقل لكم؟" (Vindication). هذا التكتيك يهدف إلى بناء ثقة مطلقة لدى الأتباع في "الرؤية الاستشرافية" للجماعة، حيث يتم تصوير تقلبات الخصوم وتناقضات مواقفهم ليس كفشل سياسي فحسب، بل كتحقق مادي للتحذيرات "الشرعية" التي أطلقتها الجماعة سابقاً. إنها عملية "تجميد للزمن" تجعل من كل حدث جديد مجرد صدى لموقف قديم، مما يعزز الكاريزما المنهجية للتنظيم ويجعله يبدو في نظر أتباعه ككيان يمتلك مفاتيح فهم المستقبل.
يمارس الخطاب ما يمكن تسميته بـ "السطو التأويلي" على الواقع؛ حيث يتم تجريد الأزمات المعقدة من تشابكاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واختزالها في ثنائية تبسيطية حادة (كفر مقابل إيمان، أو ولاء مقابل براء). هذا الاختزال البنيوي يهدف إلى إراحة المتلقي من عناء التفكير والتحليل النقدي، ووضعه أمام مادة معرفية "سابقة التجهيز" تدعم الرواية الرسمية للتنظيم. فمن خلال تصوير مواقف الخصوم المتقلبة كدليل على "فساد المنهج" ومواقف التنظيم كدليل على "رسوخ العقيدة"، يتم إغلاق الدائرة التفسيرية تماماً؛ بحيث لا يُسمح للواقع بأن يفرز دلالات جديدة خارج إطار النص التنظيمي. وبذلك، يتحول "الواقع" إلى خادم لـ "الأيديولوجيا"، وتتحول الأحداث السياسية العظمى إلى مجرد هوامش تؤكد متن الكتاب المنهجي للجماعة.

 تفكيك المرجعية الدينية (سقوط الرموز)
يعتمد الخطاب استراتيجية "الهدم الممنهج" للمؤسسات الدينية التقليدية عبر توظيف لغة بيولوجية وطبية مشحونة بالدلالات السلبية؛ حيث تُوصف دروس هؤلاء العلماء بـ "السموم" و"الحوزات الجاهلية" التي "تفرّخ الإرجاء". هذا التوظيف اللغوي ليس مجرد نقد فقهي، بل هو محاولة لربط المرجعية الدينية التقليدية بمفاهيم "العدوى" و"المرض" التي تهدد سلامة الجسد العقدي للأمة. من خلال مصطلحات مثل "فقهاء السلاطين" و"مشايخ الضلالة"، يسعى النص إلى تجريد العالم من صفته العلمية وإلباسه صفة "الجندي المرتد" في المنظومة الطاغوتية، مما يحول منصة الوعظ في نظر الشاب المسلم من مصدر للهداية إلى "كمين فكري" يجب الفرار منه كما يُفر من المجذوم، وبذلك يتم عزل القواعد الجماهيرية عن كوابح الاعتدال التقليدية.
بعد إتمام عملية الهدم، ينتقل الخطاب نحو "الإحلال المرجعي" عبر سد الفراغ الذي خلّفه سقوط الرموز التقليدية، فيطرح بدلاً منهم "المجاهد الأعجمي" أو "الداعية الصادق" الذي يستمد شرعيته من "الفعل القتالي" لا من "التحصيل الأكاديمي". إن المفاضلة التي عقدها النص بين "مجاهد يثقل لسانه بالعربية" وبين "ملء الأرض من دعاة جهنم" هي جوهر عملية التفكيك؛ فهي تنقل معيار المرجعية من (العلم واللسان) إلى (الصدق والتضحية). هذا التحول البنيوي يهدف إلى خلق مرجعية "عاطفية-ميدانية" بديلة، تجعل من "نصوص الوحي الأصلية" مادة خام يتم تأويلها بعيداً عن ضوابط الفقهاء، وتُحصر أحقية التحدث باسم الدين فيمن يحمل السلاح، مما يضمن تبعية الشباب المطلقة للخطاب التنظيمي بوصفه "المورد الوحيد النقي" المتبقي في ساحة الصراع.

 البنية العاطفية والاستعارات (المرض والشفاء)
ينتقل الخطاب من حيز الجدل الفكري إلى حيز "البيولوجيا الوجودية" عبر استعارة الجسد والسموم؛ حيث لا يُقدم الخلاف مع الآخر بوصفه تدافعاً في الآراء، بل كـ "نخر في جسد الأمة" وكـ "سموم فتاكة". هذا التوظيف الممنهج لمصطلحات مثل "المصادر الموبوءة" و"النكتة السوداء التي تستفحل" يهدف إلى نزع الصفة الإنسانية عن الخصم الفكري وتحويله إلى "كائن مجهري" أو "فيروس" يهدد البقاء. ومن الناحية البنيوية، فإن هذه الاستعارات تعمل على استثارة استجابة "اشمئزاز" غريزية لدى المتلقي بدلاً من الاستجابة العقلانية؛ فالمريض لا يحاور الميكروب، بل يسعى لاستئصاله أو الفرار منه، وهو ما يشرعن فكرة "البتر" (التكفير والقتل) بوصفها إجراءً طبياً ضرورياً لسلامة الجسد العام.
في المقابل، يقدم النص "المنهج" الذي تتبناه الجماعة بوصفه "المصل الواقي" أو "حالة التعافي" الوحيدة الممكنة، مستخدماً عبارات مثل "التطهر"، "النجاة"، و"سلامة المناهج غضة نقية". إن ربط السلامة العقدية بـ "الوقاية من العدوى" يخلق حالة من "الرهاب الفكري" لدى الأتباع، حيث يصبح الانفتاح على أي مصدر خارجي للتلقي بمنزلة "إلقاء النفس في التهلكة". هذه البنية العاطفية تحول العزلة الفكرية إلى "حجر صحي" اختياري يمارسه الفرد لحماية روحه، مما يلغي تماماً إمكانية الحوار العقلاني أو النقد؛ لأن أي محاولة لمناقشة أفكار الخصوم ستُصنف فوراً كـ "تجرع للسم" أو "مخالطة للموبوءين"، وبذلك يتم إغلاق الدائرة الدفاعية حول عقل المتلقي بإحكام من خلال "غريزة البقاء" لا بقوة الحجة.

نقد الموقف من "العدو البعيد" و"العدو القريب"
يُظهر الخطاب ذكاءً "بروتوكولياً" حاداً في رصد التناقضات المسلكية لخصومه، حيث يستغل تحول مواقف الجماهير والنخب تجاه "العدو القريب" (الأنظمة والجيوش) كأداة للإدانة. فمن خلال السخرية من أولئك الذين باركوا الضربات الإيرانية أو "كفّروا الجيوش على الهواء" بعد أحداث غزة، يحاول النص إظهار الخصوم بمظهر "المضطرب" الذي لا يقوده مبدأ، بل تحركه العواطف الآنية والمصالح السياسية المتقلبة. هذا التكتيك يهدف إلى تجريد "الغضب الشعبي" من شرعيته عبر وصفه بـ "الخروج السياسي" القائم على الأهواء، مما يضع القارئ أمام مفارقة: أن الذين كانوا يتهمون الجماعة بـ "الغلو" بالأمس، سقطوا اليوم في ممارسات أكثر عشوائية واضطراباً، وبذلك يسلب الخطاب من خصومه "التفوق الأخلاقي" الذي كانوا يدعونه.
ينتقل النص نحو ترسيخ مفهوم "التكفير بالأصول" في مقابل "التكفير بالأهواء"، وهي عملية بنيوية تهدف إلى إضفاء مسحة من "الموضوعية والرزانة" على أحكام الجماعة المتطرفة. فبدلاً من أن يبدو التكفير كفعل غاضب أو رد فعل لحظي، يقدمه الخطاب كـ "حكم راسخ نابع من صميم الأدلة الشرعية" ومنضبط بقواعد "أهل السنة والجماعة". هذا التمييز يمنح التنظيم صفة "النخبوية العلمية"، ويحول عملية التكفير من "جريمة فكرية" إلى "استحقاق منهجي" لا يتقنه إلا الراسخون في مسار الجماعة. إن الهدف النهائي من هذه الاستراتيجية هو إقناع المتلقي بأن الجماعة هي "البوصلة الوحيدة" الثابتة وسط أمواج التقلبات السياسية، وأن أحكامها ليست نابعة من عداء سياسي عابر، بل من "حقيقة عقدية" لا تتغير بتغير التحالفات أو الخصوم.

الخلاصة النقدية
إن الخطاب في هذه الافتتاحية لا يخاطب العقل بقدر ما يخاطب "الحاجة إلى الانتماء والوضوح" في عالم متسارع ومعقد. إنه يستغل حالة التخبط السياسي لتقديم "رؤية صلبة" (وإن كانت إقصائية).
الخطورة البنيوية في هذا النص تكمن في قدرته على تحويل "العزلة الفكرية" إلى "نقاء عقدي"، وتحويل "الخصومة السياسية" إلى "معركة وجودية بين الحق والباطل"، مما يغلق كل أبواب المراجعة أو النقد الداخلي.

شارك