الاستنزاف الكبير: حرب "خارك" و"هرمز" تضع الاقتصاد العالمي على فوهة بركان

الأحد 15/مارس/2026 - 11:54 ص
طباعة الاستنزاف الكبير: حسام الحداد
 
دخلت المواجهة العسكرية الأمريكية - الإسرائيلية المفتوحة ضد الدولة الإيرانية يومها السادس عشر، وسط تحولات دراماتيكية تجاوزت سقف التوقعات الأولية التي راهنت على "ضربات جراحية" خاطفة. فمنذ انطلاق الشرارة الأولى في أواخر فبراير 2026، انتقل المشهد الميداني من مرحلة الصدمة والترويع إلى طور "حرب الاستنزاف الشاملة"، حيث تتقاطع النيران فوق المنشآت الحيوية من جهة، وتتشابك الإرادات السياسية في الغرف المغلقة من جهة أخرى. وبحسب رصد دقيق لأبرز ما نُشر اليوم في كبريات الصحف العربية، يبدو أن المنطقة قد انزلقت بالفعل إلى "نفق استراتيجي" طويل الأمد، لا تقتصر آثاره على تدمير البنية التحتية، بل تمتد لتعيد صياغة موازين القوى الإقليمية وقواعد الاشتباك الدولية التي سادت لعقود.
تُجمع التحليلات الصادرة صباح اليوم في "الإمارات اليوم" و"الحدث" و"بي بي سي عربي"، على أن المنطقة تعيش حالياً "مخاضاً عسيراً" قد يسفر عن ولادة نظام إقليمي جديد، أو الغرق في فوضى أمنية واقتصادية عارمة. هذا التوافق التحليلي يشير إلى أن الحرب لم تعد محصورة في تدمير طموحات طهران النووية فحسب، بل تحولت إلى صراع "إرادات صفرية" ترفض فيها واشنطن أنصاف الحلول، بينما تستنفر فيه إيران كافة أوراقها الإقليمية وأذرعها في المنطقة لفرض معادلة "الألم المتبادل". وبين مطرقة القصف الجوي المكثف وسندان التهديد بإغلاق شرايين الطاقة العالمية، تبرز ملامح مرحلة استراتيجية معقدة، تضع العواصم العربية أمام تحديات أمنية غير مسبوقة، مما يجعل من قراءة تفاصيل هذا اليوم ضرورة لفهم مسارات الحرب التي قد تمتد تداعياتها حتى أواخر عام 2026.
الاستنزاف الكبير:
تعنت "ترامبي" وشروط كاسرة للعظم
تصدرت المواقف المتشددة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب العناوين العريضة في الصحافة العربية، حيث أبرزت صحيفتا "الإمارات اليوم" و"اليوم السابع" ملامح "اللاءات" الأمريكية الجديدة؛ إذ أكد البيت الأبيض رفضه القاطع لأي صيغة تهدئة أو هدنة مؤقتة لا تفضي بشكل مباشر إلى "التفكيك الكلي والنهائي" للبرنامج النووي الإيراني، مع وضع ترسانة طهران الصاروخية تحت مقصلة الشروط الدولية. ولم تقتصر لغة ترامب على الشق السياسي، بل اتسمت بنبرة تصعيدية غير مسبوقة حين وصف تدمير منشآت جزيرة "خارك" – الشريان الاقتصادي والنفطي الأهم لطهران – بأنه مجرد "رسالة حاسمة أولية"، ملوحاً في الوقت ذاته بفرض واقع عسكري جديد في مضيق هرمز عبر البدء بمرافقة بحرية مسلحة لناقلات النفط العالمية، في خطوة تهدف إلى سحب ورقة "تهديد الملاحة" من يد الحرس الثوري الإيراني نهائياً.
من زاوية تحليلية مغايرة، قرأت صحيفة "العربي الجديد" هذا الاندفاع الأمريكي بوصفه مؤشراً على غياب "استراتيجية خروج"  واضحة المعالم لدى إدارة ترامب، التي يبدو أنها ألقت بكل أوراقها خلف رهان "النصر العسكري المطلق". ويرى مراقبون أن واشنطن، عبر تدمير البنية التحتية النفطية وتجاوز الخطوط الحمراء في العمق الإيراني، تحاول فرض حالة من الاستسلام الكامل قبل الجلوس إلى أي طاولة مفاوضات، وهو ما يحول الصراع من "عملية تأديبية" إلى حرب استنزاف وجودية. هذا النهج "الترامبي" يضع المنطقة أمام سيناريو مفتوح، حيث لا مكان للتسويات الوسطى، مما يجعل من إعلان "ساعة الصفر" لأي تهدئة أمراً مرهوناً بانهيار القدرات الاستراتيجية الإيرانية بالكامل، وهو رهان محفوف بالمخاطر الأمنية والاقتصادية على الصعيد العالمي.

الميدان: تفوق جوي تقابله "موجات" لا تنتهي
رسمت التقارير الميدانية في "الجزيرة نت" و"الشرق للأخبار" صورة قاتمة ومعقدة للواقع العسكري بعد 16 يوماً من القصف المتواصل؛ حيث تشير الإحصائيات المرصودة إلى تنفيذ تحالف "واشنطن-تل أبيب" أكثر من 41 ألف طلعة جوية وهجمة صاروخية، استهدفت بدقة ما يربو على 6 آلاف موقع حيوي تشمل مراكز القيادة، ومستودعات الذخيرة، وشبكات الرادار. ورغم هذا الضغط الناري الهائل الذي يهدف إلى تحقيق "شلل استراتيجي" بنسبة 90% للقدرات الإيرانية، إلا أن طهران أظهرت مرونة غير متوقعة في "حرب الموجات"؛ إذ تمكنت من إطلاق الموجة الصاروخية رقم 53 بنجاح، مما يعكس امتلاكها لشبكة أنفاق ومنصات إطلاق مخفية لم تطلها الضربات بعد، ويؤكد أن السيطرة الجوية المطلقة للتحالف لم تنجح حتى الآن في تحييد "ذراع الردع" الإيرانية بشكل نهائي.
في تطور نوعي رصدته "بوابة أخبار اليوم"، دخلت القاذفات الاستراتيجية العملاقة B-52 خط المواجهة بشكل مكثف، مما يؤشر على انتقال العمليات الأمريكية إلى مرحلة "التدمير الديناميكي" للمنشآت الأكثر تحصيناً. هذا التحول التكتيكي يركز بشكل أساسي على جغرافيا الغرب الإيراني، حيث تقع المنشآت النووية والصاروخية المحفورة في قلب الجبال الصلبة. استخدام هذا النوع من القاذفات القادرة على حمل قنابل "خارقة للتحصينات" يضع ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني تحت "مجهر التصفية الجسدية للمنشآت"، وهي مقامرة عسكرية تهدف واشنطن من خلالها إلى حرمان طهران من أي قدرة على استئناف نشاطها الذري مستقبلاً، وتحويل المواقع الحصينة إلى ركام يصعب ترميمه في ظل استمرار الحرب.

سلاح "الكماشة" والضغط الاقتصادي
على الصعيد الإقليمي، رصدت تقارير "بي بي سي عربي" و"الحدث" تبلور استراتيجية إيرانية هجومية تعتمد على مبدأ "الكماشة المزدوجة"؛ حيث لم تكتفِ طهران بالدفاع عن عمقها الجغرافي، بل عمدت إلى تفعيل جبهات مساندة من لبنان والعراق لخلخلة التركيز العسكري الأمريكي-الإسرائيلي. هذا التحرك المنسق يهدف إلى تحويل الصراع من مواجهة ثنائية إلى حرب إقليمية واسعة النطاق، تضع القواعد الأمريكية في الخليج والمنشآت الحيوية في المنطقة تحت التهديد المباشر. وتأتي هذه "المناورة الإقليمية" بالتزامن مع تلويح مستمر بإغلاق مضيق هرمز أو استهدافه عسكرياً، وهي خطوة تدرك طهران أنها ستحول الممر الملاحي الأهم عالمياً إلى "منطقة محرمة"، مما يضع الأسطول الخامس الأمريكي أمام تحدي تأمين خطوط إمداد الطاقة في بيئة عدائية بامتياز.
في الشق الاقتصادي، يظهر بوضوح أن طهران تراهن على "فاتورة الحرب" كأداة ضغط سياسي لا تقل أهمية عن الصواريخ؛ فمع قفز أسعار النفط لتتجاوز عتبة الـ 100 دولار للبرميل، بات "أمن الطاقة العالمي" هو الرهان الأخير لإجبار القوى الكبرى على كبح جماح التصعيد الأمريكي. وترى التحليلات أن التهديدات الإيرانية بملاحقة القيادات الإسرائيلية واستهداف المصالح النفطية تهدف بالدرجة الأولى إلى رفع تكلفة الحرب إلى مستويات غير محتملة للاقتصاد العالمي الذي بدأ يترنح تحت وطأة نقص الإمدادات. هذا "الابتزاز الاستراتيجي" يضع واشنطن في مأزق حقيقي؛ فبينما يسعى ترامب لتحقيق نصر عسكري خاطف، تنجح طهران في تحويل الوقت إلى عدو للاقتصاد الغربي، مما قد يدفع القوى الأوروبية والآسيوية لممارسة ضغوط قصوى على البيت الأبيض لإنهاء العمليات قبل حدوث انهيار اقتصادي عالمي شامل.

الداخل الإيراني: التصلب خلف "مجتبى"
خلافاً للحسابات الاستراتيجية الأمريكية التي راهنت على "تأثير الدومينو" وانهيار بنية النظام تحت وطأة الضربات الجوية العنيفة واغتيال القيادات التاريخية، أظهرت تقارير "سي إن إن" المنشورة في الصحافة العربية أن النتائج الميدانية أفرزت واقعاً مغايراً تماماً. فبدلاً من التفكك الداخلي، أدت الأنباء حول غياب المرشد علي خامنئي واستهداف الرموز السيادية إلى حالة من "الالتفاف القومي" حول مؤسسات الدولة. هذا التحول حوّل الصراع في نظر الشارع الإيراني، وحتى لدى قطاعات من المعارضة المعتدلة، من خلاف سياسي مع السلطة إلى "معركة وجودية وطنية" ضد غزو خارجي، مما أجهض محاولات واشنطن لتحريض الداخل ضد النظام، وأحلّ مكانها خطاباً تعبوياً يربط بقاء الدولة ببقاء القيادة الحالية.
في هذا السياق المتفجر، برز صعود مجتبى خامنئي إلى سدة القرار كخطوة استراتيجية لملء الفراغ وضمان استمرارية "مؤسسة الولي الفقيه" في أحلك الظروف. وتشير التحليلات السياسية إلى أن تولي مجتبى زمام الأمور في ظل حالة الحرب لم يكن مجرد توريث سياسي بقدر ما كان "إعلاناً عن مرحلة التصلب"؛ إذ نجحت القيادة الجديدة في توحيد أجنحة الحرس الثوري والتيار الأصولي المتشدد خلف رؤية عسكرية واحدة ترفض الانكسار. هذا الاصطفاف الجديد وضع الإدارة الأمريكية في مأزق حقيقي، حيث وجدت واشنطن نفسها أمام نظام أكثر تماسكاً وتشدداً مما كان عليه قبل الحرب، وهو ما يفسر دعوات بعض مستشاري ترامب للتراجع عن رهان "تغيير النظام" والبحث عن مخارج سياسية تُجنب القوات الأمريكية الغرق في مستنقع إيراني طويل الأمد.

مستقبل الصراع: 
يقف الشرق الأوسط اليوم على حافة تحول جيوسياسي هو الأخطر منذ عقود؛ فالمعطيات الميدانية والسياسية التي أفرزتها الأيام الستة عشر الماضية تشير إلى أننا لسنا أمام جولة عسكرية عابرة، بل أمام "صراع إرادات" صفري. إن تحليل المسارات الراهنة يضعنا أمام أربعة أبعاد ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتحدد سقف التوقعات لنهاية عام 2026.
سيناريو "الاستنزاف الممنهج": 
يظل هذا السيناريو هو الأرجح في المدى المنظور؛ حيث ستواصل واشنطن استراتيجية "الخنق الاقتصادي" عبر تكثيف الضربات الجراحية على عصب النفط في جزيرة خارك والموانئ الحيوية، بهدف تجفيف منابع تمويل الآلة العسكرية الإيرانية. في المقابل، ستعتمد طهران على "حرب النمل" في مضيق هرمز، عبر تعطيل جزئي للملاحة واستخدام الألغام البحرية والمسيّرات لرفع كلفة التأمين والشحن العالمي، مما يجعل العالم يعيش حالة من "اللا حرب واللا سلم" الاقتصادية التي قد تمتد لشهور طويلة.
 سيناريو "الانفجار الكبير": 
يمثل هذا المسار "الخيار النووي" (بالمعنى السياسي) للإدارة الأمريكية، حيث قد تندفع واشنطن، تحت ضغط الفشل في تحقيق استسلام إيراني سريع، نحو تنفيذ عملية "إنزال بري" محدود (مارينز) في مناطق ساحلية استراتيجية، أو توجيه ضربة شاملة ومدمرة لما تبقى من الأنفاق النووية الحصينة. هذا السيناريو يعني آلياً انفجار حرب إقليمية كبرى تتجاوز الحدود الإيرانية، لتشمل استهدافاً مباشراً لكافة القواعد الأمريكية في المنطقة والمنشآت النفطية في دول الجوار، مما سيؤدي إلى كارثة طاقة عالمية غير مسبوقة.
 سيناريو "الجمود المستبعد": 
رغم وجود قنوات خلفية خجولة، إلا أن هذا السيناريو يظل الأبعد عن الواقع؛ فالمطالب الأمريكية التي تصر على "التفكيك الشامل" تقابلها عقيدة إيرانية ترى في التنازل "انتحاراً سياسياً" للنظام الجديد بقيادة مجتبى خامنئي. إن الهوة بين الطرفين اتسعت لدرجة تجعل من الصعب صياغة اتفاق "حفظ ماء الوجه" في الوقت الراهن، خاصة مع رهان ترامب على كسر شوكة طهران عسكرياً قبل حلول الانتخابات أو الاستحقاقات السياسية المقبلة، مما يجعل الحديث عن هدنة قريبة مجرد ترف دبلوماسي لا يجد صدى على الأرض.
 التوصية الختامية: 
أمام هذه التوقعات القاتمة، تبرز ضرورة قصوى للعواصم العربية، لاسيما دول الخليج العربي، لتبني استراتيجية "التحوط الشامل". إن تفعيل أقصى درجات الطوارئ في قطاعات الملاحة، وتأمين سلاسل إمداد الطاقة البديلة، ورفع الجاهزية الدفاعية لصد أي صواريخ ضالة أو مسيّرات انتحارية، بات ضرورة ملحة وليس خياراً. المنطقة مقبلة على "صيف ملتهب" قد يغير قواعد اللعبة حتى نهاية عام 2026، مما يتطلب تنسيقاً أمنياً عربياً عالي المستوى لحماية المصالح السيادية من تداعيات هذا الزلزال الاستراتيجي.

شارك