حرب الأسابيع الأربعة.. قراءة في المشهد العسكري والسياسي بالصحافة العربية

الأحد 22/مارس/2026 - 02:24 م
طباعة حرب الأسابيع الأربعة.. حسام الحداد
 
دخلت المواجهة العسكرية بين المحور (الأمريكي - الإسرائيلي) وإيران أسبوعها الرابع، لتهيمن على صدارة المشهد الإعلامي العربي الصادر اليوم. اتسمت التغطية بكثافة استثنائية وتحديثات لحظية، عكست انقساماً في الزوايا التحليلية وتباينات في القراءات السياسية تبعاً لتوجهات المؤسسات الإعلامية، إلا أنها تقاطعت جميعاً عند حقيقة واحدة: المنطقة تقف على حافة استنزاف شامل ومخاطر اقتصادية غير مسبوقة.

 التصعيد العسكري: صواريخ ديمونا وغارات بوشهر
في ليلة دامية من القصف المتبادل دخلت الحرب أسبوعها الرابع، نقلت المواقع الإخبارية الكبرى تفاصيل دقيقة عن تبادل الضربات الصاروخية والجوية التي أوقعت خسائر بشرية ومادية في كلا الجانبين، مع تباين واضح في صياغة الخبر يعكس التوجهات السياسية لكل وسيلة. ركزت الجزيرة نت على الجانب الإيراني بقوة، مشددة على «دقة الصواريخ الإيرانية» التي اخترقت الدفاعات الإسرائيلية وأصابت أهدافها بدقة متناهية في العمق الإسرائيلي. ونشرت الموقع مجموعة من مقاطع الفيديو الحية والمصورة من شهود عيان توثق لحظات الإصابات المباشرة في مناطق الجليل الأعلى ومدينة ديمونا النووية وعراد جنوباً، مشيرة إلى سقوط قتيل واحد وإصابة 15 شخصاً آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، مع تحليلات عسكرية تبرز كيف استطاعت الصواريخ الباليستية الإيرانية تجاوز منظومات القبة الحديدية والسهم.
أما العربية نت وسكاي نيوز عربية، فقد ركزتا بشكل أساسي على الرد الجوي الأمريكي-الإسرائيلي، مسلطتين الضوء على الغارات الدقيقة التي استهدفت العاصمة طهران ومدينة بوشهر الساحلية وأصفهان وسط إيران، مع التأكيد المتكرر على استهداف «مجمع أصفهان النووي» والمنشآت العسكرية الحساسة مثل قواعد الصواريخ والمخازن الاستراتيجية. وصور التغطية إيران كمصدر التهديد الإقليمي الرئيسي من خلال رصد إطلاق صواريخ باليستية باتجاه الرياض، إلى جانب الإشارة المتكررة إلى نجاح الاعتراضات الدفاعية السعودية والإماراتية لعدد من المسيرات والصواريخ الإيرانية، مما يعزز صورة التعاون الخليجي في مواجهة «الاعتداءات الإيرانية غير المبررة» ويبرز الدعم الواضح للعمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية.

 لغة التهديد: مهلة الـ 48 ساعة ومضيق هرمز
احتل تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صدارة العناوين في معظم المواقع العربية الكبرى، وتصدر بشكل خاص تغطية سكاي نيوز عربية والبوابة نيوز، حيث أعلن ترامب بوضوح منح طهران مهلة لا تتجاوز 48 ساعة لإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، تحت طائلة تدمير محطات الطاقة الإيرانية الرئيسية. وأبرزت الوسيلتان تصريحه الصريح بأن «محطة دماوند ستكون النموذج الأول» إذا لم تستجب إيران، مع نشر لقطات فيديو للرئيس الأمريكي وهو يتحدث من البيت الأبيض، مرفقة بتحليلات عسكرية توضح أن أي إغلاق للمضيق سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية بنسبة قد تصل إلى 300%، وأن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام «القوة الجوية الكاملة» لتنفيذ التهديد فور انتهاء المهلة.
أما سي إن إن عربي، فقدمت رؤية تحليلية عميقة لهذه التهديدات، متسائلة عن مدى واقعية ما أسمته «نزهة ترامب العسكرية» في ظل التناقضات الأمريكية الداخلية الواضحة، حيث نقلت تصريحات متضاربة من الكونغرس والبنتاغون حول جدوى التصعيد. وفي السياق نفسه، ركزت الأهرام على الجانب الإيراني بنقل تصريحات رسمية مباشرة لوزير الطاقة الإيراني، الذي حذر من أن أي ضربة أمريكية لمنشآت الطاقة ستؤدي إلى استهداف فوري للبنية التحتية الحيوية في إسرائيل والخليج، مشيراً تحديداً إلى منشآت النقل والمياه والكهرباء. ووصفت الصحيفة هذا التطور بأنه «تحول نوعي في طبيعة الصراع»، حيث ينتقل من استهداف المواقع العسكرية إلى حرب تدمير شامل للبنى التحتية الأساسية التي تمس حياة الملايين في المنطقة.

 الفاتورة الاقتصادية: "مليون دولار في الدقيقة"
لم تغب التداعيات المالية الثقيلة عن تغطية المواقع العربية الكبرى، بل تحولت إلى الركيزة الأساسية في التحليلات الاقتصادية والاستراتيجية، خاصة في بي بي سي عربي والجزيرة نت. وتصدرت الجزيرة نت هذا المحور بعنوان بارز يلخص واقع الحرب: «حرب إيران تدخل أمريكا في فخ الكلفة والانقسام.. الصراع يكلف مليون دولار في الدقيقة الواحدة». اعتمد التحليل على تقارير دولية متخصصة من مراكز أبحاث أمريكية وأوروبية، موضحاً كيف أن كل دقيقة من الغارات والاعتراضات الصاروخية تستهلك ملايين الدولارات في الوقود والذخيرة والتشغيل اللوجستي، مما يضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة استنزاف مالي غير مسبوق يفاقم الانقسامات الداخلية في الكونغرس حول جدوى الاستمرار في التصعيد.
أما بي بي سي عربي، فقد قدمت تقديراً دقيقاً للخسائر المباشرة، مشيرة إلى أن الغارات الإيرانية وحدها تسببت في أضرار مادية تقدر بنحو 800 مليون دولار في إسرائيل والقواعد الأمريكية بالمنطقة، تشمل تدمير منشآت عسكرية ومبانٍ مدنية وخسائر في قطاع الطاقة. وخصصت الموقع سلسلة مقالات تحليلية بعنوان «النصر الأجوف» تناقش كيف أن هذا الصراع الطويل الأمد قد يؤدي إلى أفول الهيمنة الأمريكية، حيث يستنزف الموارد المالية والعسكرية للولايات المتحدة في مواجهة إقليمية مفتوحة، مع تحذيرات من ارتفاع أسعار النفط العالمية وتأثيرها السلبي على الاقتصادات الخليجية والعالمية، مما يجعل «الانتصار العسكري» مجرد وهم يخفي كارثة اقتصادية استراتيجية طويلة المدى.

التوجهات السياسية في التغطية
يمكن تقسيم القراءة الصحفية العربية اليوم إلى ثلاثة تيارات أساسية تعكس بوضوح التوجهات السياسية والإقليمية لكل وسيلة إعلامية. 
التيار الأول المبرز للمقاومة والرد، والذي تقوده الجزيرة نت بشكل بارز، ركز على صمود الجانب الإيراني و«دقة إصاباته» في العمق الإسرائيلي. أبرزت الموقع مشاهد الفيديو الحية للصواريخ الباليستية وهي تخترق الدفاعات، مع تحليلات عسكرية تؤكد أن طهران نجحت في فرض معادلة ردع جديدة، إلى جانب التأكيد المتكرر على «التكلفة الباهظة التي تتكبدها واشنطن» سواء مالياً أو سياسياً، مما يصور الحرب كفخ استراتيجي أدخل الإدارة الأمريكية في دوامة استنزاف غير محسوبة.
التيار الثاني المبرز للأمن القومي والتهديد الإيراني، والذي تجسده العربية نت وسكاي نيوز عربية والصحف المصرية مثل البوابة نيوز والأهرام، اعتمد على لغة مختلفة تماماً. ركزت هذه الوسائل على «شرعية الرد الدولي» ضد ما وصفته بـ«الاعتداءات الإيرانية غير المبررة»، مع التركيز الواضح على حماية أمن الخليج من خلال رصد إطلاق الصواريخ الباليستية باتجاه الرياض ونجاح الاعتراضات السعودية والإماراتية. كما أبرزت المواقف الموحدة لمجلس التعاون الخليجي ومجموعة السبع، وصورة إيران كمصدر التهديد الإقليمي الرئيسي، مع دعوات صريحة لاستمرار العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية حتى تحقيق الردع الكامل.
التيار الثالث التحليلي المتزن، والذي يمثله بي بي سي عربي وسي إن إن عربي، اتسم بالحياد النسبي والعمق التحليلي. ركز على التحقق الدقيق من الفيديوهات المضللة المنتشرة على وسائل التواصل، وتقييم القدرات العسكرية التقنية للطرفين (مثل فعالية منظومات الدفاع الجوي مقابل دقة الصواريخ الإيرانية)، مع وضع الصراع في سياقه الجيوسياسي الدولي. ناقشت المقالات تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي، الانقسامات الأمريكية الداخلية، ومستقبل الهيمنة الأمريكية، مقدمة قراءة موضوعية تتجاوز الدعاية المباشرة وتركز على النتائج الاستراتيجية طويلة الأمد للمنطقة بأكملها.

الخلاصة
تجمع الصحافة العربية اليوم على أن الصراع تجاوز مرحلة "الضربات الجراحية" إلى حرب استنزاف مفتوحة. وبينما تلغى الدراسة في إسرائيل وتشتعل الجبهات في أصفهان وبوشهر، يبقى "مضيق هرمز" هو الورقة التي ستقرر مصير الاقتصاد العالمي في الساعات الـ 48 القادمة.

شارك