انتهاكات وفشل مؤسسي.. تقرير الحريات الأمريكي يكشف واقع أقليات سوريا
الأحد 22/مارس/2026 - 02:28 م
طباعة
علي رجب
رصدت اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية (USCIRF) في تقريرها السنوي لعام 2026 تدهورا حادا وخطيرا في أوضاع الحرية الدينية في سوريا خلال عام 2025، وذلك في مرحلة بالغة الهشاشة تمر بها البلاد عقب أربعة عشر عاما من الحرب الأهلية المدمرة.
وقد كشف تقرير اللجنة الأمريكية للحرية الدينية عن جملة من الانتهاكات الجسيمة التي طالت الأقليات الدينية المتعددة، من علويين ودروز ومسيحيين وإيزيديين وغيرهم، في ظل إخفاق واضح من السلطات الانتقالية في توفير الحماية اللازمة لهذه المجتمعات.
السلطات الانتقالية وأنماط الإخفاق
على الرغم من إعلان السلطات الانتقالية السورية رفضها للطائفية التي ميزت النظام السابق، فإن التقرير أشار بوضوح إلى أنها "أظهرت تسامحا ممنهجا ومستمرا مع انتهاكات بالغة الخطورة للحرية الدينية طوال العام".
وأوضحت لجنةالحريات أن السلطات السورية أخفقت في منع جرائم القتل الجماعي وعمليات الاختطاف والاعتداءات الجسيمة التي استهدفت الأقليات الدينية، وهو إخفاق يزداد خطورة حين يتبين أن عددا كبيرا من هذه الجرائم نفذ على أيدي أفراد يزعم انتماؤهم إلى الإدارة الجديدة ذاتها.
وكشفت تحقيقات أجرتها جهات دولية بارزة، من بينها الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، عن تورط مباشر لعناصر تابعة لوزارتي الداخلية والدفاع في عمليات قتل خارج نطاق القانون.
وقد وثق تورط مسلحين في عمليات اختطاف وتعذيب وقتل طالت مئات الأشخاص من المجتمعات العلوية والمسيحية والدرزية، فيما اتسمت مسارات المحاسبة الرسمية بالبطء وغياب الشفافية، وفي بعض الحالات غاب العقاب كليا عن المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
مجازر مارس بحق العلويين
في السابع من مارس 2025، تحرك آلاف المقاتلين السنة الموالين للسلطات الانتقالية أو العاملين ضمن وزارة الدفاع، استجابة لنداءات تعبئة عامة صادرة عن مسؤولين رسميين، بذريعة مواجهة تمرد علوي موال للنظام السابق في منطقة الساحل.
ونفذ هؤلاء عمليات إعدام ميدانية من منزل إلى منزل بحق مدنيين علويين في طرطوس واللاذقية وحماة، مستخدمين خطابا طائفيا تحريضيا مهينا. وقد أسفرت هذه الأحداث عن مقتل ما لا يقل عن 1500 شخص خلال الأيامين الأولين فحسب، في ما صنفه التقرير مجازر طائفية بامتياز.
أحداث جرمانا ومواجهات الدروز
في أبريل 2025، أطلقت القوات المسلحة النار على سكان دروز في حي جرمانا بدمشق، إثر انتشار مزاعم عبر منصات التواصل الاجتماعي تتهم أحد القادة الدروز بالإساءة للنبي محمد. وقد أشعلت هذه المزاعم فتيل اشتباكات دامية استمرت أياما متعاقبة.
والأخطر من ذلك أن الخطاب التحريضي المعادي للدروز لم يقتصر على الجماعات المسلحة، بل امتد ليشمل وسائل إعلام رسمية، حيث وجهت اتهامات لبعض رسائل التلفزيون الرسمي بالإسهام في تأجيج العنف وتحريض المقاتلين.
الهجوم الانتحاري على كنيسة مار إلياس
في يونيو 2025، استهدفت كنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس في دمشق بهجوم انتحاري إجرامي خلال قداس يوم الأحد، أودى بحياة ما لا يقل عن 25 مسيحيا في مشهد يعكس هشاشة الأمن وضعف الحماية المقدمة للمجتمعات الدينية.
في يوليو 2025، أشعل اختطاف تاجر درزي في السويداء على يد قبائل بدوية فتيل مواجهات دامية استمرت أسابيع، وسط تصاعد حاد في الخطاب التحريضي ضد الدروز. وما فاقم الأمر أن القوات العسكرية التابعة للسلطات الانتقالية تدخلت ضد السكان المحليين عوضا عن حمايتهم، مما رفع حصيلة الضحايا إلى نحو ألفي قتيل.
وكشف التقرير أن بعض المقاتلين المتورطين في مجازر مارس عادوا في يوليو لارتكاب انتهاكات مشابهة بحق الدروز.
المناطق ذات الغالبية الكردية والأيزيدية والمسيحية
في شمال وشرق سوريا، واصلت الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيا العمل وفق نموذج يقوم على التعددية نسبيا. غير أن تركيا واصلت زعزعة استقرار المنطقة عبر الضربات العسكرية ودعم فصائل مسلحة متهمة بالاعتداء على الإيزيديين والمسيحيين والآشوريين.
وقد أفادت مصادر آشورية في مارس بأن ضربة تركية طالت كنيسة مار ساوا في قرية تل طويل، وهي الكنيسة ذاتها التي سبق أن دمرتها ضربة مماثلة قبل ثلاث سنوات. أما الجرح الأعمق فتمثل في استمرار اختفاء ما لا يقل عن 2594 إيزيديا منذ عام 2014، في جرائم صنفها التقرير ضمن إطار الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم داعش.
الموقف الأمريكي والسياسة الخارجية
شهد عام 2025 تحولات لافتة في السياسة الأمريكية تجاه سوريا؛ إذ أعلن الرئيس دونالد ترامب في مايو رفع العقوبات عن سوريا. وفي مارس، صرح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن "الولايات المتحدة تقف إلى جانب الأقليات الدينية والإثنية في سوريا"، فيما أقدم روبيو في يوليو على إلغاء تصنيف هيئة تحرير الشام منظمة إرهابية أجنبية.
وفي نوفمبر، استقبل ترامب الرئيس أحمد الشرع في البيت الأبيض في أول لقاء بين زعيمي البلدين منذ عام 1946. وفي ديسمبر، وقع ترامب على قانون تفويض الدفاع الوطني الذي يلغي عقوبات قانون قيصر، مع اشتراط التحقق الدوري من اتخاذ سوريا خطوات فعلية لحماية الحرية الدينية، من بينها إبعاد المقاتلين الأجانب عن المناصب الرسمية وضمان حرية العبادة والتمثيل السياسي للأقليات.
،قدم التقرير جملة من التوصيات للإدارة الأمريكية، أبرزها تصنيف سوريا "دولة ذات قلق خاص"، وفرض عقوبات مستهدفة على الجهات المسؤولة عن الانتهاكات، وربط الانخراط الدبلوماسي مع السلطات الانتقالية بإحراز تقدم ملموس في ملف الحرية الدينية. كما أوصى الكونغرس بإيفاد وفود برلمانية ثنائية إلى سوريا، وربط أي تخفيف للعقوبات بإثبات تحسن فعلي يشمل محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وتكشف وقائع عام 2025 عن مأساة إنسانية متواصلة تعيشها الأقليات الدينية السورية في خضم مرحلة انتقالية هشة. فبينما تعلن السلطات الجديدة التزامها بمبادئ المواطنة والتعددية، تتراكم الأدلة على تقصيرها الصارخ في الحماية والمحاسبة. وما لم تترجم التصريحات إلى إصلاحات مؤسسية حقيقية وملاحقات قضائية رادعة، ستظل الأقليات الدينية السورية في مواجهة مصير مجهول تحكمه موازين القوة الطائفية لا ضمانات القانون.
