من الثكنات إلى المنازل.. كيف تحولت كردستان العراق إلى أرض محروقة لإيران؟
الأحد 22/مارس/2026 - 03:07 م
طباعة
علي رجب
في ظل اشتعال فتيل المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، دخل إقليم كردستان العراق دائرة الاستهداف المباشر والدموي، فمع انطلاق الرصاصة الأولى في هذه الحرب الإقليمية، شن الحرس الثوري الإيراني موجة غير مسبوقة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة "الانتحارية"، مستهدفا ليس فقط المقرات العسكرية، بل والمخيمات المدنية وملاجئ العائلات ومقرات الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة في عمق الإقليم.
إحصائيات الموت: 112 غارة في 20 يوما
كشفت أحدث البيانات الصادرة عن منظمة "هنغاو " الحقوقية الكردية، وهي منظمة حقوقية تتابع الشأن الكردي عن كثب، عن أرقام مفزعة توضح حجم هجوم إيران العابر للحدود.
فقد سجلت منظمة "هنغاو " حتى نهاية يوم الخميس 19 مارس 2026، والذي يتزامن مع اليوم العشرين لبدء الحرب الشاملة، ما مجموعه 112 هجوما صاروخيا وبطائرات مسيرة نفذها الحرس الثوري وقوات وكيلة تابعة لإيران داخل الأراضي العراقية.
توزع نطاق هجمات إيران على خارطة واسعة شملت مدن السليمانية، دوكان، كوية، دغاله، بحركة، سوران، وخابات. ولم تقتصر الأهداف على الثكنات، بل طالت بشكل متعمد ومنهجي مبان سكنية، ومدارس، ومراكز طبية، ومكتبات عامة، مما حول حياة آلاف اللاجئين السياسيين وعائلاتهم إلى جحيم مستمر تحت وطأة القصف.
قائمة قتلى: دماء "البيشمركة" في ساحة الدفاع
أسفرت هذه الموجة العنيفة من القصف عن سقوط ما لا يقل عن خمسة مقاتلين من قوات "البيشمركة" التابعة للأحزاب الكردية الإيرانية، وإصابة أكثر من 20 آخرين بجروح متفاوتة.
وبحسب "هيغاو"، فقد استهدف النصيب الأكبر من الهجمات معسكرات الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI)، تلاه حزب حرية كردستان (PAK)، وحزب كومالا الكردستاني، ومنظمة خبات.
وهويات المقاتلين الخمسة الذين قضوا في هذه الهجمات، جلال رشيدي: من مدينة سقز، متزوج وعضو في حزب حرية كردستان (باك)، استشهد في أربيل، وإسماعيل رحيمي من سقز، أعزب وعضو في حزب كومالا، قتل في السليمانية.
وكذلك أوميد فيسي من رافانسر، أعزب وعضو في حزب كومالا، قتل في السليمانية،وإقبال صالحي من مواليد سقز، متزوج وعضو في منظمة عمال كردستان، استشهد في أربيل، وايضا فخر الدين مرادي من سنندج، متزوج وعضو في منظمة كتائب كردستان، قتل في أربيل.
تكتيكات جديدة: استهداف المنازل داخل المدن
الموجة الأخيرة من الهجمات كشفت عن تحول خطير ومقلق في التكتيكات العسكرية الإيرانية، فللمرة الأولى، تم استخدام الطائرات المسيرة "الانتحارية" لضرب منازل أعضاء الأحزاب الكردية داخل المناطق السكنية والمدن المأهولة.
ومن أبرز الأمثلة التي ساقها التقرير، استهداف منزل عائلة "طه دادلي"، العضو في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، في بلدة سوران الحدودية بمحافظة أربيل.
هذا النوع من الهجمات يشير إلى قرار إيراني بتصفية المعارضين بشكل مباشر وشخصي، متجاوزا قواعد الاشتباك التقليدية التي كانت تركز على المعسكرات الجبلية النائية.
وشملت المواقع المستهدفة مخيمات مدنية مكتظة بالعائلات، منها معسكر سرداش في دوكان، مخيمات آزادي والعامرية والزاوية-سابي في مدينة الكوية، مخيمات زارغوز وزارغوزله في محافظة السليمانية، ومعسكرات جاجنيكان وبحركة وباشيك خبات في محافظة أربيل.
انتهاك صارخ للقوانين الدولية وجرائم حرب
وأكدت التقارير الميدانية أن تعمد قصف المراكز الطبية والتعليمية، مثل مدارس أطفال اللاجئين والمكتبات، يمثل انتهاكا صارخا لاتفاقية جنيف الرابعة وقوانين الحرب الدولية.
فقد أدى تدمير هذه المنشآت إلى شلل كامل في الخدمات الأساسية، وحرم مئات الأطفال من حقهم في التعليم والرعاية الصحية، ناهيك عن الأثر النفسي العميق الذي تتركه أصوات الانفجارات المستمرة على النساء والأطفال الصامدين في تلك المخيمات.
ويرى مراقبون حقوقيون أن إيران تستخدم إقليم كردستان كـ "ساحة خلفية" لتصفيات حساباتها الإقليمية مع واشنطن وتل أبيب، محولة آلاف المدنيين العزل إلى دروع بشرية أو أهداف سهلة في صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل.
صرخة استغاثة للمجتمع الدولي
في ختام تقريرها، وجهت منظمة حقوق الإنسان في "هينغاو" نداء عاجلا للمجتمع الدولي، والمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بإيران، للتدخل الفوري لوقف ما وصفته بـ "العدوان العابر للحدود".
وشددت المنظمة على ضرورة اتخاذ إجراءات قانونية وعقابية دولية ضد الحرس الثوري الإيراني لمنع استمرار استهداف اللاجئين السياسيين، معتبرة أن الصمت الدولي حيال هذه الجرائم يشجع طهران على المضي قدما في سياسة "الأرض المحروقة" ضد المكون الكردي المعارض.
ويى مراقبون أن ما يحدث اليوم في إقليم كردستان العراقية ليس مجرد "أضرار جانبية" لحرب إقليمية، بل هو استهداف ممنهج ومخطط له يهدف لإنهاء الوجود السياسي والعسكري للأحزاب الكردية الإيرانية تحت ستار الفوضى الدولية القائمة.
