اغتيال برجي وديب: كيف يفكك الجيش الإسرائيلي شبكات حزب الله وحماس؟
الأحد 22/مارس/2026 - 04:10 م
طباعة
علي رجب
أعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، عن تنفيذ سلسلة من العمليات العسكرية الموسعة في عمق وجنوب لبنان، استهدفت قيادات ميدانية وشبكات تمويل مرتبطة بحزب الله وحركة حماس في آن واحد، في إطار ما وصفه بموجة تصعيد كبرى على الجبهة الشمالية تهدف إلى تقويض الهياكل القيادية واللوجستية للفصائل المسلحة.
ضربة لـ"قوة الرضوان"
في المشهد الأكثر دراماتيكية خلال يوم حافل بالتطورات، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أن سلاح الجو نفذ غارة دقيقة في منطقة مجدل سلم بجنوب لبنان، أسفرت عن مقتل "أبو خليل برجي"، قائد القوات الخاصة في وحدة "قوة الرضوان" النخبوية التابعة لحزب الله، إلى جانب عنصرين من مرافقيه.
ووصف الجيش الإسرائيلي برجي بأنه كان يتولى مسؤولية مباشرة عن التخطيط والإشراف على عمليات خاصة وهجمات استهدفت مواقع إسرائيلية، مؤكدا أن تصفيته تمثل "ضربة موجعة" للقدرات العملياتية لوحدة متخصصة في الاقتحامات والمهام الهجومية عالية الخطورة.
وتعد "قوة الرضوان" من أشد الوحدات العسكرية في منظومة حزب الله فتكا وتدريبا، إذ تضطلع بمهام التسلل والاقتحام والعمليات خلف خطوط العدو. وقد سبق للجيش الإسرائيلي أن وجه ضربات متعاقبة لقياداتها في مراحل سابقة من التصعيد، غير أن استهداف برجي يقدم هذه المرة باعتباره نقطة تحول في تفكيك هيكلها القيادي.
تفكيك شبكات تمويل حماس في لبنان
في عملية موازية ومنسقة، أعلن الجيش الإسرائيلي بالتعاون مع جهاز الأمن العام "الشاباك" عن تصفية "وليد محمد ديب"، المسؤول البارز في منظومة التمويل التابعة لحركة حماس في لبنان.
وبحسب المعطيات الاستخباراتية التي كشف عنها الجيش، كان ديب يضطلع بدور محوري في إدارة شبكات مالية معقدة، وتحويل الأموال لصالح أذرع حماس في الضفة الغربية ولبنان، فضلا عن نشاطه الموثق في تجنيد عناصر جديدة وتوجيه عمليات ميدانية من داخل الأراضي السورية واللبنانية في الوقت ذاته.
وأكد الجيش الإسرائيلي أن عملية اغتيال ديب تندرج ضمن استراتيجية ممنهجة لـ"تجفيف منابع التمويل" وتقليص قدرة الفصائل المسلحة على تنفيذ هجمات عابرة للحدود، مشيرا إلى أن ديب كان يمثل حلقة وصل حيوية بين الذراع المالية لحماس وعملياتها الميدانية في أكثر من ساحة.
وتكشف هذه العملية عن امتداد المساعي الإسرائيلية لتعقب القيادات الحمساوية خارج قطاع غزة، وتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل الهياكل اللوجستية والمالية التي تغذي المنظومة العسكرية للحركة في الشتات.
عمليات برية لتوسيع "منطقة التأمين"
على الجبهة البرية، تواصل الفرقة 91 في الجيش الإسرائيلي عملياتها في الجنوب اللبناني في إطار ما وصفه البيان العسكري بـ"توسيع منطقة التأمين المتقدمة". وأفاد الجيش بأن قواته رصدت مجموعة مؤلفة من تسعة عناصر تابعين لحزب الله حاولوا الاقتراب من مواقع انتشار القوات الإسرائيلية، ليجري التعامل معهم فورا عبر تنسيق مشترك بين القوات البرية وسلاح الجو، مما أسفر عن مقتل المجموعة بالكامل دون تسجيل أي إصابات في الصفوف الإسرائيلية.
ويطرح مفهوم "منطقة التأمين" الذي يتكرر في التصريحات الإسرائيلية تساؤلات جدية حول الأهداف الحقيقية للعمليات البرية، وما إذا كانت تعني الاحتفاظ بمساحات جغرافية داخل الأراضي اللبنانية لفترة مفتوحة، وهو ما يضع اتفاقية وقف إطلاق النار في مهب الريح ويثير قلق المجتمع الدولي ومنظمة اليونيفيل المنتشرة في المنطقة.
استراتيجية "قطع الرؤوس" وما وراءها
تتضافر هذه العمليات الثلاث لتكشف عن استراتيجية إسرائيلية متكاملة تقوم على ثلاثة محاور متوازية: تصفية القيادات الميدانية المتخصصة، وتجفيف شبكات التمويل والدعم اللوجستي، وإحكام السيطرة الميدانية على مساحات عازلة في جنوب لبنان.
وإذا كانت إسرائيل تسوغ عملياتها بضرورات الأمن القومي ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله، فإن المعطيات الميدانية المتراكمة تشير إلى أن هذه العمليات باتت تعيد رسم معادلات الاشتباك بصورة جذرية، بما قد يعقد مساعي الاستقرار التي تبذل على المستويين الإقليمي والدولي.
ويلاحظ المراقبون أن الجيش الإسرائيلي يكثف اغتيالاته الانتقائية في لبنان بوتيرة لافتة، مع التركيز على القيادات الميدانية الوسطى التي يعدها العمود الفقري للقدرة التشغيلية لحزب الله، بعد أن نجح في تصفية قيادات الصف الأول في مراحل سابقة.
تداعيات وتساؤلات مفتوحة
في المقابل، لم يصدر حتى ساعة إعداد هذا التقرير أي تعليق رسمي من حزب الله على العمليات الإسرائيلية، وهو نمط يكرره الحزب عادة في مراحل معينة قبل أن يصدر موقفا موحدا أو يقر بالخسائر. كما لم تصدر أي إفادة رسمية من الجانب اللبناني بشأن التداعيات الإنسانية أو المدنية للضربات.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا: هل ستفضي هذه الجولة من التصعيد إلى ردود فعل ميدانية تعيد عقارب الساعة إلى مربعات المواجهة الشاملة، أم أنها ستظل في إطار الاستنزاف المحسوب الذي باتت المنطقة تعرف إيقاعاته جيدا؟ لبنان، الذي لم يستعد أنفاسه بعد، يجد نفسه مجددا في قلب عاصفة لم يختر أن يكون طرفا فيها.
