هرمز كأداة ضغط: كيف أحكمت طهران قبضتها على شريان الطاقة العالمي؟

الثلاثاء 24/مارس/2026 - 11:19 ص
طباعة هرمز كأداة ضغط: كيف فاطمة عبدالغني
 
في تقريرٍ صادر عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى بعنوان "مضاعف القوة الإيرانية: تتبع الآثار البحرية والطاقية للحرب"، يقدّم الباحث نعوم رايدان قراءة تحليلية لكيفية توظيف طهران للأزمة العسكرية لتعزيز نفوذها البحري والطاقي، وتحويله إلى أداة ضغط فعّالة على المستويين الإقليمي والدولي.
ويرى التقرير أنه منذ اللحظات الأولى لاندلاع الشرارة الحربية، لم تضع إيران وقتاً في فرض واقع جديد بمضيق هرمز، إذ سارعت إلى إحكام سيطرتها على حركة الملاحة، محولةً الممر المائي الدولي إلى ساحة لنفوذها، هذا التحرك وضع السفن التجارية في مأزق، فبينما علقت ناقلات عديدة داخل الخليج العربي، فضلت أخرى التريث والابتعاد خوفاً من المجهول. 
ولم تكتفِ طهران بالرقابة، بل شنت هجمات استهدفت السفن والبنية التحتية للطاقة على اليابسة، لترسل رسالة واضحة: "نحن من يضع قواعد اللعبة"، واليوم يمثل الحفاظ على هذا الوضع المتأزم أقوى أوراق الضغط في يد طهران، في ظل تداعيات عالمية لم تكن سريعة فحسب، بل كانت دقيقة وقابلة للقياس.

لغة الأرقام والسيطرة
يلفت التقرير إلى أنه قبل اندلاع المواجهة (بين يناير وبداية الحرب)، كان الخليج يضخ يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات غير الإيرانية، وفقاً لبيانات شركة "كبلر". ومع أن بعض المسارات تم تحويلها، إلا أن الكتلة الأكبر من هذه الإمدادات باتت فعلياً تحت رحمة السيطرة الإيراني، ولا يتوقف الأمر عند النفط فصادرات المنطقة من الغاز الطبيعي المسال، التي تغذي 20% من احتياجات العالم، تواجه المصير ذاته.

دبلوماسية القوة وفرض التفاوض

يشير التقرير إلى أن إدارة ترامب حاولت امتصاص الأزمة عبر "مسكنات" مؤقتة، مثل إصدار تراخيص تسمح بشراء النفط الإيراني الموجود على متن الناقلات في عرض البحر، لكن مثل هذه الحلول تظل قاصرة عن تعويض التدفقات الهائلة من موردي الخليج التقليديين، وفي حين سعت واشنطن لحشد تحالف بحري دولي لطمأنة الأسواق، كانت النتائج متباينة. فبينما استجاب البعض، آثرت دول أخرى مثل الهند واليابان (التي تعتمد على الخليج في 90% من نفطها) التواصل مباشرة مع طهران لضمان أمن سفنها، هذا الاضطرار للتفاوض هو ما تصبو إليه إيران لترسيخ مكانتها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، حتى بعد أن تضع الحرب أوزارها.

شطرنج الملاحة: من يعبر المضيق؟
بحلول 20 مارس، أصبحت ناقلات النفط المرتبطة بإيران هي "سيد الموقف" في المضيق، بينما انحسرت حركة الملاحة الأخرى بشكل حاد، وتشير بيانات "كبلر" إلى عبور ما لا يقل عن 28 ناقلة إيرانية (ذهاباً وإياباً) في الفترة ما بين 5 و20 مارس، بعضها يمتلك تاريخاً في عمليات نقل الشحنات المعقدة قبالة سواحل ماليزيا لتصل في النهاية إلى الصين.
وفي هذا السياق تبرز الناقلة "نورا" كمثال حي على هذه المناورات، فقد حُمّلت بمليوني برميل من جزيرة خارك في 7 مارس مع إغلاق نظام التعريف الآلي (AIS) — وهو التكتيك المعتاد للهروب من الرقابة. وعند عبورها المضيق في 15 مارس، أعادت تشغيل النظام لتبحر بمحاذاة الساحل الإيراني وصولاً إلى بحر العرب، مشيرة إلى "الصين" كوجهة نهائية، في إشارة واضحة بأن مبيعات طهران لعميلها الأكبر لم تتأثر بظروف الحرب.

مسارات "إجبارية" ورسوم عبور
في المقابل، رُصدت حركة محدودة لناقلات غير إيرانية، مثل الناقلة الباكستانية "كراتشي"، والمثير للاهتمام هو رصد "كراتشي" وسفن أخرى وهي تسلك مساراً غير معتاد حول جزيرة لارك الإيرانية قبل المغادرة. هذا التغيير القسري في المسارات، تزامناً مع تقارير حول فرض السلطات الإيرانية "رسوم عبور" على بعض السفن، يؤكد سعي طهران لانتزاع اعتراف دولي بكونها "صاحبة القرار" في المضيق.

الغاز والضغط الإقليمي: الجميع في دائرة الخطر
يلفت التقرير إلى أن إمدادات الغاز لم تنجُ من العاصفة، فقد شهدت الهند —التي تستورد 80% من غاز البترول المسال من الخليج— ارتباكاً دفعها لتسيير مرافقة بحرية لسفنها. 
أما الغاز الطبيعي المسال، فقد غابت ناقلاته عن "رأس لفان" القطرية منذ نهاية فبراير، خاصة بعد الضربة الصاروخية الإيرانية التي استهدفت المركز في 18 مارس رداً على هجوم إسرائيلي، وبحسب "سعد الكعبي" وزير الدولة لشؤون الطاقة في الدوحة والرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة، أدت هذه الضربة لتعطيل 17% من قدرة قطر التصديرية، وهو تعطل قد يمتد أثره لخمس سنوات.

ويشير التقرير إلى أن إيران تستخدم المضيق أيضاً للضغط على جيرانها المنتجين، فالعراق الذي يعتمد بنسبة 90% على موانئه الجنوبية، وجد نفسه مضطراً لطلب "استثناء" من طهران لمرور نفطه، في حين أعلنت بغداد حالة "القوة القاهرة" في حقولها النفطية نتيجة هذا الاضطراب.

السيناريوهات القادمة: هل تتوسع رقعة الاستهداف؟
يرى التقرير أن الولايات المتحدة إذا ما قررت تصعيد الموقف باستهداف منشآت إيران النفطية في جزيرة خارك، فمن المتوقع أن ترد طهران بضرب بدائل تصدير الطاقة في المنطقة، وتشمل الأهداف المحتملة:
خط الأنابيب السعودي (شرق-غرب): الذي يهدف لنقل النفط إلى "ينبع" بعيداً عن هرمز.
خط أنابيب أبوظبي: الذي ينقل النفط الخام من حقول حبشان النفطية مباشرة إلى الفجيرة على طول خليج عمان
البنية التحتية للطاقة في شمال العراق، والتي تعاني بالفعل من قيود شديدة بسبب هجمات الميليشيات الموالية لإيران .

البحث عن مخرج 
يخلص التقرير إلى أن احتواء هذه الأزمة يتطلب تحركًا دوليًا منسقًا يتجاوز الحلول المؤقتة، ويركز على تهدئة التوترات البحرية التي تستثمر فيها إيران بوضوح. فاستمرار الوضع الحالي يعزز من نفوذ طهران، ويدفع مزيدًا من الدول—خصوصًا في آسيا—إلى التفاوض معها مباشرة لضمان أمن إمداداتها.

ومع إطالة أمد الحرب، يزداد خطر ترسيخ هذا النفوذ، بما قد يفرض واقعًا جديدًا في أسواق الطاقة العالمية، ويجعل من إيران لاعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلة الأمن البحري والطاقي لسنوات مقبلة.

شارك