بين "برودة لندن" و"دفء إسطنبول".. براجماتية الإخوان في الميزان الإيراني.

الخميس 26/مارس/2026 - 10:25 ص
طباعة بين برودة لندن ودفء حسام الحداد
 
بين برودة لندن ودفء
تُمثّل العلاقة بين جماعة "الإخوان المسلمون" وإيران أحد أكثر الملفات تعقيداً في أدبيات الإسلام السياسي المعاصر، حيث تتشابك فيها الجذور الفكرية المشتركة حول "الدولة الإسلامية" مع التناقضات المذهبية والواقعية السياسية. ومع تشرذم الجماعة إلى أجنحة متباينة جغرافياً وتنظيمياً، برزت فجوة واضحة في كيفية إدارة هذا الملف، لم تعد محكومة بالنصوص التنظيمية الموحدة، بل بـ "جغرافيا الملاذ" وطبيعة الضغوط التي تفرضها العواصم المضيفة، سواء في لندن بضوابطها الغربية الصارمة، أو في إسطنبول بهوامش مناورتها الإقليمية الواسعة.
إن هذا التباين في المواقف تجاه الدور الإيراني — خاصة في ملفات شائكة كالأزمة السورية أو المواجهة الراهنة مع المحور الأمريكي الإسرائيلي — لا يعكس انقساماً عقائدياً فحسب، بل يكشف عن تحول الجماعة نحو "السياسات المتغيرة" التي تُعلي مصالح البقاء التنظيمي على الثوابت الأيديولوجية. فبينما تسعى جبهة لندن لتسويق صورة "الاعتدال المدني" المتسق مع المعايير الدولية، تندفع جبهة إسطنبول نحو "واقعية خشنة" تفرضها ارتباطات الميدان وحتمية التحالف مع القوى الفاعلة عسكرياً، مما يجعل من الموقف تجاه طهران مرآة كاشفة لمستقبل الجماعة وقدرتها على التكيف مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
 جبهة لندن (الميل نحو التهدئة والاتزان الدولي)
تتشكل رؤية "جبهة لندن" تجاه طهران تحت وطأة "جغرافيا الملاذ"؛ فوجود الثقل الإداري والقيادي للجبهة في العاصمة البريطانية يفرض عليها الالتزام بضوابط صارمة في الخطاب السياسي لتجنب الصدام مع المعايير الأمنية والسياسية الغربية. تسعى الجبهة جاهدة للنأي بنفسها عن أي تصنيف يضعها ضمن "محور المقاومة" أو كحليف استراتيجي لإيران، وذلك لحماية وجودها القانوني ومصالحها التنظيمية في أوروبا. لذا، يظهر خطابها تجاه الدور الإيراني متسماً بالحذر الشديد والميل نحو "التبريد السياسي"، حيث يتم استبدال التحالفات الميدانية الخشنة بلغة دبلوماسية ناعمة تركز على الأبعاد الحقوقية والإنسانية، مما يسمح لها بالبقاء داخل دائرة "الاعتدال" المقبولة دولياً، والابتعاد عن التجاذبات التي تثير ريبة القوى الكبرى تجاه التمدد الإيراني في المنطقة.
على الصعيد الأيديولوجي والوظيفي، تتبنى جبهة لندن مشروعاً يسوق الجماعة كحركة "مدنية إصلاحية" تسعى للاندماج في المنظومة الدولية، وهو ما يخلق فجوة طبيعية مع النموذج الإيراني القائم على "تصدير الثورة" والصدام المباشر مع القوى الإقليمية والدولية. هذا التوجه يدفع الجبهة إلى حصر علاقتها مع طهران في إطار "التقارب المذهبي العام" أو شعارات "وحدة الأمة" الفضفاضة، كآلية دفاعية لتجنب الانخراط في دعم السياسات الإيرانية التوسعية أو الانخراط في الصراعات بالوكالة. وبدلاً من الدعم السياسي الصريح، تكتفي الجبهة بمواقف هادئة توازن فيها بين الحفاظ على روابطها التاريخية كحركة إسلامية وبين متطلبات تسويق نفسها كشريك سياسي "عقلاني" يرفض الارتهان لأجندات إقليمية مثيرة للجدل، مما يجعل موقفها من إيران يتسم بالجمود المتعمد والوقوف في "المنطقة الرمادية".

 جبهة إسطنبول (البراجماتية والارتباط بالميدان)
تستمد جبهة إسطنبول مرونة خطابها تجاه طهران من طبيعة التوازنات التي تفرضها الدولة المضيفة؛ فتركيا، رغم تنافسها الإقليمي مع إيران، تحتفظ بقنوات اتصال اقتصادية وسياسية "براجماتية" مستقرة. هذا المناخ يوفر للجبهة مساحة مناورة واسعة تفتقر إليها جبهة لندن، حيث تجد في التناغم مع الموقف التركي غطاءً سياسياً يسمح لها بالانفتاح على الجانب الإيراني دون خشية الصدام مع السلطات المحلية. وتتجلى هذه البراجماتية في قدرة الجبهة على الفصل بين الخلافات "الأيديولوجية" والضرورات "السياسية"، حيث تسعى جبهة إسطنبول للحفاظ على "خطوط رجعة" مع طهران، باعتبارها قوة إقليمية فاعلة يمكن التقاطع معها في ملفات معينة لتعزيز حضور الجماعة وتأمين نفوذها في الملفات العابرة للحدود.
يمثل الارتباط الوثيق بين جبهة إسطنبول والمكاتب السياسية والميدانية لحركة "حماس" المحرك الأساسي لموقفها المنفتح على إيران؛ إذ تتبنى الجبهة بالكامل الرؤية "الحمساوية" التي تضع طهران في خانة "الحليف المركزي" والداعم اللوجستي الوحيد القادر على كسر العزلة العسكرية. هذا الارتباط يجعل خطاب الجبهة يميل بوضوح نحو "تبرير" السياسات الإيرانية أو على الأقل تحييد نبرة النقد تجاه تدخراتها الإقليمية، وذلك لتجنب إحراج حلفائها في الميدان الفلسطيني. وبناءً عليه، يظهر موقف جبهة إسطنبول كمنصة للدفاع عن "محور المقاومة" من منظور المصلحة الميدانية، حيث تعتقد أن الصدام مع إيران في الوقت الراهن يمثل انتحاراً سياسياً وفصائلياً، مما يجعل خطابها يتسم بالواقعية الخشنة التي تُعلي "ضرورات الميدان" على أي اعتبارات دينية أو مذهبية تقليدية.

نقاط التلاقي والافتراق (الجوهر مقابل المظهر)
تلتقي جبهتان "لندن" و"إسطنبول" عند نقطة ارتكاز جوهرية تتمثل في الرفض القاطع لـ "شيطنة" إيران أو الانزلاق نحو صراع مذهبي صفري (سني-شيعي)؛ إذ يدرك القطبان أن تحويل الخلاف مع طهران إلى مواجهة عقائدية سيؤدي بالضرورة إلى استنزاف موارد الجماعة وتفتيت حاضنتها الشعبية لصالح قوى سلفية أو راديكالية أخرى. لذا، تتفق الجبهتان "جوهرياً" على إبقاء الخلاف في إطاره "السياسي" القابل للتفاوض والمناورة، معتبرين أن بوصلة العداء الأساسية يجب أن تظل موجهة نحو الخصوم المشتركين في المنطقة وأنظمة الحكم التي تضيق الخناق على التنظيم. هذا التوافق الضمني يسمح للجماعة، بجناحيها، بالحفاظ على شعرة معاوية مع طهران كـ "لاعب إقليمي وازن" يمكن التقاطع معه في لحظات الأزمات الكبرى، دون تقديم تنازلات أيديولوجية تمس هوية الجماعة السنية.
يظهر التمايز بين الجبهتين بوضوح عند الانتقال من التنظير إلى "درجة القرب" الميداني؛ فبينما يغلب على جبهة لندن مظهر "الحذر الاستراتيجي" الذي يرى في إيران "جاراً إقليمياً صعب المراس" يجب التعامل معه وفق قاعدة "اتقاء الشر" وتجنب التحالف الصريح الذي قد يجلب وبالاً دولياً، تتبنى جبهة إسطنبول مظهر "الشراكة الضرورية" التي لا تحتمل التأجيل. بالنسبة لجبهة إسطنبول، فإن الارتباط بملف "فلسطين" والمقاومة يجعل من إيران شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه أو استبداله ببديل عربي أو دولي في المدى المنظور. هذا الافتراق في "المظهر" يعكس تبايناً في ترتيب الأولويات؛ ففي حين تُعلي لندن من شأن "الاتزان الدبلوماسي" لضمان البقاء في الساحة الدولية، تُعلي إسطنبول من شأن "الفاعلية الميدانية" لضمان البقاء في صدارة المشهد الحركي، مما يجعل علاقتهما بإيران تتأرجح بين "البرود الحذر" و"الدفء الاضطراري".

 تأثير "الأزمة السورية" كاختبار للمواقف
مثّلت الثورة السورية التحدي الأكبر لبرجامانية "جبهة إسطنبول"، حيث وجدت نفسها مضطرة لاتخاذ موقف علني حاد ضد التدخل العسكري الإيراني المباشر لدعم النظام السوري. هذا الموقف لم يكن نابعاً من قطيعة أيديولوجية فحسب، بل كان استجابة حتمية لضغوط مزدوجة؛ أولها الضغط الشعبي والقاعدي العارم داخل صفوف الجماعة التي رأت في الممارسات الإيرانية بسوريا استهدافاً مباشراً للمكون السني، وثانيها ضرورة التناغم مع الموقف الرسمي التركي الذي كان يقود جبهة دعم المعارضة السورية. وبناءً عليه، اتسم خطاب جبهة إسطنبول بنبرة "ثورية" و"هوياتية" واضحة، حيث انتقدت الدور الإيراني بحدة تفوق بكثير ما كانت تفعله في ملفات أخرى، مما كشف عن أن "جغرافيا الملاذ" في تركيا تفرض سقفاً عالياً من المواجهة السياسية مع طهران حينما تتعارض مصالح الأخيرة مع التوجهات الاستراتيجية لأنقرة.
في المقابل، اختارت "جبهة لندن" مساراً أكثر التواءً وهدوءاً في تعاملها مع الملف السوري وعلاقته بإيران، مبتعدة عن الخطاب التحريضي أو الصدامي المباشر. فبدلاً من تبني خطاب "المظلومية السنية" الخشن الذي ميز جبهة إسطنبول، ركزت قيادات لندن على "النبرة الحقوقية العامة"، من خلال إدانة العنف والمطالبة بالتحول الديمقراطي وصون حقوق الإنسان، وهي لغة تتسق مع المعايير الغربية والبريطانية تحديداً. هذا الهروب نحو "العموميات الحقوقية" سمح للجبهة بتجنب حرق الجسور تماماً مع طهران، وفي الوقت ذاته عدم الظهور كحليف لها أمام الرأي العام الغربي. إن هذا التباين يؤكد أن المواقف تجاه إيران ليست مبادئ جامدة، بل هي "سياسات متغيرة" تخضع لمتطلبات البقاء في الملاذ اللندني، حيث تُفضل الجبهة هناك دور "المراقب المتزن" على دور "الخصم الميداني" الذي تضطلع به جبهة إسطنبول.

الموقف من الحرب على إيران 
تتبنى جبهة لندن موقفاً حذراً ومتوازناً تجاه الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حيث تركز على إدانة «التصعيد العسكري» من جميع الأطراف بلغة حقوقية دبلوماسية ناعمة تتوافق مع المعايير الغربية. فهي ترفض الارتهان لأي محور إقليمي، وتُعبّر عن قلقها الشديد من توجيه إيران صواريخها تجاه أهداف عربية، معتبرة ذلك تهديداً للأمن القومي العربي وانتهاكاً لسيادة الدول، وتدعو إلى «حل سياسي شامل» يحمي المدنيين ويمنع تحول الصراع إلى حرب إقليمية واسعة. هذا الموقف يعكس حرصها على الحفاظ على وجودها القانوني في أوروبا، وتجنب أي تصنيف يربطها بـ«محور المقاومة» أو يعرّضها لضغوط أمنية غربية.
في المقابل، تُظهر جبهة إسطنبول براجماتية ميدانية واضحة، إذ ترى في الحرب فرصة لتعزيز «الصمود» ضد «العدوان الأمريكي-الإسرائيلي»، وتُبرر الدور الإيراني كحليف ضروري في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في سياق ارتباطها الوثيق بحركة حماس. أما توجيه إيران صواريخها تجاه أهداف عربية، فتتعامل معه الجبهة بمرونة تكتيكية: إذا كانت الأهداف مرتبطة بأنظمة تعتبرها «متواطئة» مع الغرب، فإنها تُحيّد النقد أو تُسكته تحت ذريعة «الضرورات الميدانية»؛ أما إذا مسّت مصالح سنية مباشرة فإنها تنتقد بحدة مشابهة لموقفها في الأزمة السورية، مع الحرص على عدم قطع «خطوط الرجعة» السياسية مع طهران لأسباب لوجستية وإقليمية.
وتلتقي الجبهتان في رفض «شيطنة» إيران بشكل مطلق أو تحويل الصراع إلى مواجهة مذهبية سنية-شيعية، وتتفقان على توجيه البوصلة الأساسية نحو «العدو الصهيوني» كخصم مشترك. غير أن الافتراق يبرز في «درجة القرب» العملي: فجبهة لندن تُفضّل «البرود الاستراتيجي» والنأي بالنفس عن أي تحالف ظاهر، بينما تُعلي جبهة إسطنبول من «الدفء الاضطراري» الذي يخدم مصالحها الميدانية في فلسطين والمنطقة. وبالتالي يظل الموقف من الحرب ومن الصواريخ الإيرانية تجاه العرب «سياسة متغيرة» تخضع لجغرافيا الملاذ ومتطلبات البقاء، لا لمبدأ أيديولوجي ثابت.

الخاتمة:
في الختام، يتضح أن الخلاف بين جبهتي "لندن" و"إسطنبول" تجاه إيران ليس صراعاً على "شرعية العلاقة" في جوهرها، بل هو نزاع حول "علانية ومسافة" هذه العلاقة؛ فبينما يخشى جناح لندن الثمن السياسي الباهظ للانفتاح على طهران في البيئة الغربية، يرى جناح إسطنبول في هذا الانفتاح ضرورة لوجستية وميدانية لا يمكن الالتفاف عليها. ومع استمرار سيولة المشهد الإقليمي، ستظل علاقة الجماعة بإيران تتأرجح بين "البرود الاستراتيجي" و"الدفء الاضطراري"، محكومة دائماً بمبدأ "توزيع البيض في سلال متعددة" لضمان البقاء التنظيمي، بعيداً عن أي انحيازات أيديولوجية مطلقة قد تؤدي إلى عزلة الجماعة أو حرق جسورها مع القوى الإقليمية الفاعلة.

شارك